الفصل 19 / 25

روح تبحث عنك

الشك يزرع جذوره

بقلم ليلى الأحمد

بعد تلك الليلة المشؤومة، أصبح بيت آل الهاشمي مسرحاً لصمتٍ ثقيلٍ يلف كل شيء. عائشة، التي كانت شعلةً من الحيوية والأمل، تحولت إلى ظلٍ باهتٍ يتمشى في أرجاء المنزل. كانت عيناها واسعتين، تحملان حزناً عميقاً، وروحها تبدو مكسورة. كلما حاولت أن تفهم، زاد الارتباك. كيف يمكن لشخصٍ أن يحمل كل هذا القدر من التناقض؟ وكيف لشابٍ رأته مثالاً للأمان والوفاء، أن يخفي عنها حقيقةً بهذا الحجم؟

كانت تقضي أيامها في غرفتها، جالسةً بجوار النافذة، تحدق في السماء. السماء التي كانت بالأمس رمزاً لبدايةٍ جديدة، أصبحت اليوم مجرد سقفٍ قارسٍ يذكرها بالخيبة. تتذكر تفاصيل لقاءاتها بيوسف. كل كلمةٍ قالها، كل ابتسامةٍ رسمها. هل كانت كلها تمثيلاً؟ هل كانت حركاته، نظراته، مجرد جزءٍ من لعبةٍ أكبر؟

"يا أمي،" قالت لأمينة ذات يوم، صوتها بالكاد مسموع. "هل تعتقدين أنه كان يحبني حقاً؟ أم أن كل ذلك كان جزءاً من خطته؟"

جلست أمينة بجوارها، وربتت على يد ابنتها الباردة. "يا بنيتي، قلب الرجل لا يمكن أن يكذب دائماً. مشاعره نحوكِ كانت واضحة، ولم أشك لحظةً واحدةً في صدقها. ربما كان يخشى أن تخبره بما حدث، وأن تفقديه."

"ولكنه فقدني بكل الأحوال، أليس كذلك؟" قالت عائشة، ودموعها تنساب مرة أخرى. "لقد فقدتُ ثقتي به، وفقدتُ الشعور بالأمان. كيف يمكنني أن أثق بشخصٍ أخفى عني حقيقته؟"

"هذه هي أصعب الأمور يا حبيبتي. فهم الآخرين، والتسامح. قد يكون فعل ذلك بدافع الخوف، أو بدافعٍ آخر لم نفهمه بعد. ولكن، هل تذكرين كم كان حريصاً على سعادتكِ؟ كم كان يقدم لكِ من اهتمام؟"

"ذلك الاهتمام، يا أمي، بدا الآن كفخٍ نصبته لي. كل شيءٍ أصبح مشبوهاً. كل كلمةٍ قالها، كل نظرةٍ تبادلناها. أشعر أنني أسير على أرضٍ هشة، وأي خطوةٍ خاطئة قد تهوي بي إلى الهاوية."

كانت هذه الحالة هي ذاتها التي يعيشها يوسف. لم يزر بيت آل الهاشمي منذ تلك الليلة. كان يعرف أنه أخطأ، وأنه ترك لجرحه وقتاً لينزف. ولكنه لم يستطع تحمل رؤية عائشة وهي تتألم بسببه. كان يتصل بها، لكنها لم تكن تجيب. كانت مكالماته تذهب سدى، وتزيد من ألمه.

حاول أن يتواصل مع الشيخ أحمد، ليعتذر ويشرح. ولكن الشيخ أحمد كان متحفظاً، يفهم موقف ابنته، ولكنه أيضاً يرى الألم في عيني يوسف.

"يا بني،" قال الشيخ أحمد ليوسف عبر الهاتف، "الحقيقة مؤلمة، ولكنها في النهاية، هي ما يريح. عائشة بحاجةٍ إلى وقتٍ لتستوعب، ولتجد نفسها مرة أخرى. لا تضغط عليها، واترك الأمر للزمن."

"ولكن يا شيخي، هل تعتقد أن هناك فرصةً لي؟ هل يمكن أن تسامحني؟" سأل يوسف بصوتٍ يرتعش.

"القلوب بين يدي الرحمن، يا يوسف. لا يمكنني أن أعدك بشيء. كل ما أستطيع قوله، هو أن عائشة فتاةٌ طيبة، وقلبها كبير. إذا وجدت في نفسك الصدق والندم، فقد يلين قلبها."

كانت هذه الكلمات، رغم أنها لم تكن وعداً، إلا أنها أعطت يوسف بصيص أمل. بدأ يكتب لها رسائل، ليس ليعتذر فقط، بل ليشرح الأسباب، وليرسم صورةً واضحةً لما حدث، وكيف أن عائلته هي من كانت ضحيةً في الماضي. كتب عن جده، وعن الصفقات الخاسرة، وعن الرجل الذي كان سبباً في كل هذه المآسي. وشرح كيف اكتشف هو شخصياً، وهو شابٌ صغير، عن ماضي والده، وكيف أن هذا الاكتشاف جعله يشعر بالمسؤولية تجاه عائلة آل الهاشمي.

"يا عائشة،" كتب في إحدى رسائله، "لم يكن أبداً في نيتي أن أؤذيكِ. كل ما أردته هو أن أصلح ماضي والدي، وأن أبني مستقبلاً لكِ ولنا. ولكن، عندما اكتشفتُ أنكِ هي التي يمكن أن تحملي اسم سلالة المتضررين، شعرتُ بالذعر. كنتُ أخشى أن أتعامل معكِ، وأنا أعرف ماضي عائلتكِ، أن أرى فيكِ فقط رمزاً للخطأ الذي ارتكبه والدي. ثم، عندما أحببتكِ، لم أستطع أن أتحمل فكرة أن أخبركِ بهذا، لأنني كنتُ أخشى أن يكون حبكِ مشروطاً بمعرفتكِ بهذا الأمر."

كانت رسائله مليئةً بالصدق، والعواطف الجياشة، والشرح التفصيلي. ولكن، كلما وصلت رسالةٌ إلى عائشة، كانت تقرأها بصمت، ثم تخبئها، وقلبها يتأرجح بين الشك والرحمة. لم تكن تعرف كيف تتصرف. هل تستمع إلى صوت عقلها الذي يصرخ بالألم والخيانة؟ أم إلى صوت قلبها الذي لا يزال يذكر حبه ليوسف؟

وفي هذه الأثناء، كان هناك عاملٌ آخر يلوح في الأفق. الرجل الذي كان سبباً في مشاكل جد عائشة، الرجل الذي يحمل اسم "أبو العزم"، بدأ يظهر في المدينة. انتشر خبر عودته كالنار في الهشيم. كان لديه ماضٍ مظلم، وعلاقاتٌ مشبوهة. كانت عودة هذا الرجل تثير القلق في نفوس آل الهاشمي.

"يا أحمد،" قالت أمينة لزوجها بقلق، "هل تعتقد أن عودة أبو العزم لها علاقة بما حدث؟ هل يمكن أن يكون خلف كل هذا؟"

"لا أعرف يا أمينة،" قال الشيخ أحمد بتفكير. "لكنني أشعر بقلقٍ غامض. هذا الرجل لم يظهر في حياتنا إلا ليسبب المشاكل. وقد يكون وراء ما يحدث ليوسف وعائشة بطريقةٍ ما."

كانت عائشة تسمع هذه الأحاديث، ولكنها كانت غارقةً في ألمها الخاص. لم تكن قادرةً على التركيز على تهديداتٍ خارجية. كانت مشكلتها الأكبر، هي كيف تتجاوز خيبة الأمل التي سببتها لها أقرب الناس إليها.

في إحدى الليالي، بينما كانت عائشة تسير في حديقة المنزل، تحت ضوء القمر الخافت، شعرت بأنها ليست وحدها. رفعت رأسها، ورأت ظلاً يقف بين الأشجار. كان يوسف.

"عائشة،" همس بصوتٍ حزين. "كنتُ أعرف أنكِ قد تأتين إلى هنا. هذا المكان كان دائماً ملاذكِ."

ترددت عائشة، لكنها لم تستطع أن تهرب. "ماذا تريد أن تقول؟" سألت، صوتها بالكاد مسموع.

"أردتُ أن أقول لكِ،" قال يوسف، مشيراً إلى نفسها. "أنني لستُ ملاكاً، ولستُ شيطاناً. أنا مجرد رجلٍ يحاول إصلاح أخطاء عائلته، وفي نفس الوقت، أصارع مشاعري نحوكِ. أردتُ أن أبني معكِ مستقبلاً، ولكنني أفسدتُ الماضي. هل يمكن أن تعطيني فرصةً لأثبت لكِ أنني أستحق حبكِ؟"

نظرت عائشة إلى عينيه. رأت فيهما الألم، والندم، والأمل. ولكن، في نفس الوقت، لم تختفِ شكوكها. كان الشك قد زرع جذوره عميقاً في قلبها، ولم يكن من السهل اقتلاعه.

"أنا... لا أعرف، يوسف،" قالت بصوتٍ متقطع. "كل شيءٍ أصبح معقداً. أنا فقط... لا أعرف ماذا أقول."

استقبل يوسف كلماتها بحزنٍ مرير. ابتسم ابتسامةً باهتة. "أتفهم ذلك. أنا هنا، وسأنتظر. سأنتظر حتى تقرري، أو حتى أتمكن من إثبات نفسي. ولكن، أرجوكِ، لا تحكمي عليّ كلياً بناءً على ماضي عائلتي. اعطيني فرصةً لأكون أنا."

ثم، أدار ظهره، واختفى في ظلام الليل، تاركاً عائشة وحدها في حديقتها، تتأمل في الظلال، وفي الشكوك التي بدأت تلتف حول قلبها، وفي أسرارٍ أكبر قد تكون كامنةً في هذا الليل العربي الأصيل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%