روح تبحث عنك
لقاءٌ في مسار القدر
بقلم ليلى الأحمد
في أحد شوارع الرياض القديمة، حيث تتناغم رائحة الهيل والقهوة مع عبق البخور، وقعت عينا "يوسف" على محلٍّ صغيرٍ يعرض تحفًا يدويةً وأنتيكاتٍ نادرة. كان يوسف، شابٌّ وسيمٌ ذو هيبةٍ وشخصيةٍ قيادية، يعمل طبيبًا في أحد المستشفيات الكبرى. كانت حياته منظمةً، تتسم بالانضباط والمسؤولية، ولكن في داخله، كانت هناك روحٌ فنيةٌ وشغفٌ بالجمال والأصالة.
لم يكن يوسف يبحث عن شيءٍ معينٍ في ذلك اليوم، ولكنه شعر بجاذبيةٍ لا تقاوم نحو هذا المحل. دخل، فوجد نفسه محاطًا بكنوزٍ من الماضي. سجادٌ عتيقٌ، فوانيسٌ نحاسيةٌ، وأطباقٌ خزفيةٌ مزينةٌ بزخارفٍ غريبة. كانت عيناه تتجولان بين القطع، تبحث عن شيءٍ يلفت انتباهه، شيءٌ يحمل قصةً.
بينما كان يتفحص إحدى الطاولات، رأى صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مزينًا بنقوشٍ غايةٍ في الدقة. كان يشبه صندوق المجوهرات، ولكن بحجمٍ أكبر. رفع الغطاء، فوجد بداخله مجموعةً من الأختام النحاسية، تحمل أشكالًا مختلفةً، بعضها يحمل أسماءً، وبعضها الآخر يحمل رموزًا.
"هل لي أن أسأل عن هذا الصندوق؟" سأل يوسف البائع، رجلٌ مسنٌّ بلحيةٍ بيضاءَ كثيفةٍ، وعينين تبتسمان.
رد البائع بابتسامةٍ دافئة: "هذا صندوقٌ قديمٌ يا سيدي. كان يعود لرجلٍ كان مهتمًا بالخط العربي والأختام. قيل إن كل ختمٍ يحمل توقيعًا خاصًا، وربما له قصةٌ وراءه."
شعر يوسف بانجذابٍ شديدٍ نحو أحد الأختام. كان يحمل رمزًا يشبه نجمةً متلألئةً، تمامًا كالذي وصفته ليلى في المخطوطة. أخذ الختم بين أصابعه، وشعر ببرودة المعدن، وبدقة النقوش.
"هل تعرف ما معنى هذا الرمز؟" سأل يوسف، وهو يشير إلى النجمة.
نظر البائع إلى الختم، ثم قال: "هذا الرمز... نادرٌ جدًا. قيل إنه كان يستخدم من قبل مجموعةٍ خاصةٍ من العلماء، الذين كانوا يبحثون عن المعرفة الحقيقية، عن الحكمة المفقودة."
كلمات البائع لم تمر مرور الكرام على يوسف. كان يوسف يؤمن بأن العلم لا يتوقف عند ما يُدرس في الجامعات، وأن هناك دائمًا المزيد لاكتشافه. شعر بأن هذا الختم يحمل رسالةً إليه.
"سآخذه." قال يوسف بقرارٍ.
عاد يوسف إلى منزله، ووضع الصندوق على مكتبه. كان يشعر بشعورٍ غريبٍ، كأنه على وشك البدء في رحلةٍ جديدة. فتح الختم مرةً أخرى، ودقق في تفاصيله. لم يستطع فهم الرسالة التي يحملها، ولكنه شعر بأنها بدايةٌ لشيءٍ كبير.
في تلك الليلة، وبعد ساعاتٍ طويلةٍ قضاها في المستشفى، وصل يوسف إلى منزله متعبًا. لكنه لم يذهب للنوم فورًا. ذهب إلى غرفته، وأخذ يبحث عن معلوماتٍ تتعلق بالأختام النادرة، والرموز القديمة، والعلماء الذين كانوا يستخدمونها.
كانت والدته، "السيدة فاطمة"، قلقةً عليه. كانت تعلم أنه يعمل بجدٍّ، ولكنها كانت تراه في الآونة الأخيرة يبدو شارد الذهن، وكأنه يحمل همومًا ثقيلةً.
"يوسف، حبيبي. أراكَ متعبًا." قالت السيدة فاطمة، وهي تدخل غرفته. "هل هناك ما يقلقك؟"
نظر إليها يوسف بابتسامةٍ مرهقة: "لا يا أمي. فقط بعض الأمور في العمل."
ثم أشار إلى الصندوق: "لقد وجدتُ هذا اليوم. يبدو أنه يحمل سرًا."
نظرت السيدة فاطمة إلى الصندوق، ثم إلى يوسف. كانت تعلم أن ابنها لا يهتم بالأمور التافهة. "سر؟ وما هو هذا السر؟"
"لا أعرف بالضبط." قال يوسف. "ولكنه يثير فضولي بشدة."
بعد أيامٍ قليلةٍ، تلقت ليلى رسالةً عبر البريد الإلكتروني. كانت الرسالة من جهةٍ مجهولةٍ، ولكنها كانت تحمل عنوانًا مثيرًا للاهتمام: "لمن يبحث عن نور المعرفة". فتحت ليلى الرسالة، فوجدت فيها رمزًا. كان الرمز هو نفسه النجمة التي رأتها في مخطوطتها، والتي رأى يوسف مثله في الختم.
ذهلت ليلى. هل كان هذا صدفةً؟ أم أن هناك من يعلم بما تبحث عنه؟
بعثت ليلى ردًا، تسأل فيه عن هوية المرسل، وعن معنى الرمز. بعد بضع ساعاتٍ، تلقت ردًا. كان الرد موجزًا: "الزمان والمكان سيجتمعان. كن مستعدًا."
شعرت ليلى بخليطٍ من الخوف والفضول. من هو هذا الشخص؟ وما الذي يريده منها؟
في هذه الأثناء، كانت سمر في دبي، تحضر اجتماعاتٍ مع والدها. كانت تتعامل مع رجال أعمالٍ أقوياء، وتتعلم فنون التفاوض. ولكن في أعماقها، كانت تشعر بفراغٍ غريب. كانت صفقاتها ناجحةً، ولكنها لم تجلب لها السعادة التي كانت تتوقعها.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت تتجول في أحد المولات الفاخرة، رأت شابًا يقف أمام محلٍّ يعرض ساعاتٍ ثمينة. كان يقف بوقارٍ، وعيناه تتأملان التصاميم بعمق. شعرت سمر بشيءٍ مألوفٍ فيه.
عندما استدار الشاب، وقعت عيناه على سمر. كان يوسف. لم يكن يعرف أن سمر ستكون في دبي.
"سمر؟" قال يوسف بابتسامةٍ دهشة.
"يوسف؟ ما الذي تفعله هنا؟" سألت سمر، وهي تشعر بالارتباك.
"أعمل مع والدي في بعض المشاريع. وماذا عنكِ؟"
"مع أبي أيضًا." قالت سمر.
وقفا للحظةٍ، يتأملان بعضهما البعض. كان هناك شيءٌ مختلفٌ بينهما. لم تعد سمر الفتاة الجامحة التي كانت تعرفها، ولم يعد يوسف الشاب المنظم والمنضبط الذي يعرفه.
"أشعر بأن هناك شيئًا كبيرًا يحدث." قالت سمر فجأةً، وكأنها تتحدث عن نفسها. "شيءٌ خارج عن إرادتنا."
نظر يوسف إليها بجدية. "أشعر بذلك أيضًا. منذ فترةٍ، بدأت أبحث عن أشياءٍ قديمة، عن أسرارٍ... أشعر بأنني أبحث عن شيءٍ مفقود."
"مثل ماذا؟" سألت سمر، وهي تشعر بالفضول.
"مثل هذا." قال يوسف، وأخرج الختم الذي اشتراه من محل التحف.
عندما رأت سمر الختم، شهقت. "هذا الرمز... أين وجدته؟"
"في محلٍّ قديمٍ في الرياض." قال يوسف. "لماذا؟ هل تعرفه؟"
"أعتقد ذلك." قالت سمر، وهي تتذكر محادثتها مع ليلى. "ليلى... ابنة عمي. إنها تبحث عن شيءٍ مشابه. إنها تعتقد أن هذا الرمز هو مفتاحٌ لسرٍّ عظيم."
تلاقت عينا يوسف وسمر. كانتا تلتقيان بالصدفة، في مكانٍ بعيدٍ عن وطنهما، وبدا كأنهما يلتقيان لأول مرةٍ بشخصٍ يفهم ما يشعران به.
"هل تعتقدين أن هذا قد يكون... قدرًا؟" سأل يوسف، وهو ينظر إلى الختم.
"ربما." قالت سمر، وهي تشعر بأن عقلها بدأ يتجاوز حسابات الصفقات والأعمال. "ربما هناك شيءٌ أكبر منا جميعًا."
في هذه اللحظة، بينما كانا يقفان في وسط زحام المول، شعرا كأنهما منفصلان عن العالم، وكأنهما يتلقيان نداءً خفيًا، يربطهما ببعضهما البعض، وبشيءٍ لم يعرفاه بعد.
نهاية الفصل كانت مشوبةً بالغموض، ولكنها تركت لدى يوسف وسمر شعورًا بالترقب. هل كان لقاؤهما هذا مجرد صدفة، أم بدايةً لرحلةٍ مشتركةٍ في البحث عن "السر الأعظم"؟