الفصل 5 / 25

روح تبحث عنك

غياهب السراب

بقلم ليلى الأحمد

كانت الليالي في منزل أحمد أشبه بقطع من الظلام المتراكم، يعلو بعضها على بعض فلا يترك مجالاً لنور الشمس بأن يتسلل إلى غرفتها. لم تعد نسمات المساء التي كانت تعبرها كبلسم، بل أصبحت عبئاً يثقل صدرها، تحمل معه عبق الياسمين الممزوج بغبار الذكريات. أميرة، التي كانت يوماً طيفاً يراود الأحلام، أصبحت اليوم شبحاً يحوم في أروقة هذا القصر الذي أصبح سجناً ذهبياً.

منذ أن باحت بخطئها أمام والدتها، انحدرت حياتها إلى هوة سحيقة. لم تكن أمها قاسية، بل كانت عاقلة، وهذا ما جعل قسوتها أشد إيلاماً. نظرات الشفقة واللوم الممزوجة بالأسى، كانت تنفذ إلى أعماق روحها كسهام مسمومة. "يا بنيتي، كيف وقعتِ في هذا الفخ؟ كيف سمحتِ له بأن يمتلك زمام قلبك وعقلك بهذه الطريقة؟" كانت تكررها بأسى، كلما نظرت إلى وجه أميرة الشاحب وعينيها الغائرتين.

أما أحمد، فقد بات كالنهر الجاف، لا يروي ظمأها ولا يروي ظمأ نفسه. صمته الطويل، ونظراته التي تحمل مزيجاً من الخيبة والخذلان، كانت كافية لتفتيت ما تبقى من أمل. كان يأتي ويذهب كظل، بالكاد ينطق بكلمة، وإن نطق كانت كلمات باردة، مقتضبة، لا تحمل دفئاً ولا تبشّر بخير. كان يؤدي واجباته الزوجية كأنها طقوس مفروضة، ثم ينسحب إلى عالمه الخاص، عالمه الذي أصبح يحيط به سياج من الكبرياء المحطم.

كانت أميرة تشعر بأنها تسقط، تسقط في هاوية لا قرار لها. كانت تدمن النظر إلى وجهه في صورها القديمة، الصور التي جمعتها مع عائلتها قبل أن تلتقي به. كانت تبحث عن نفسها فيها، عن الفتاة المبهجة، الواثقة، التي كانت تملك زمام حياتها. لكن تلك الفتاة أصبحت بعيدة، أبعد من نجوم السماء.

في إحدى الليالي، بينما كان الصمت يخيم على المنزل كغطاء ثقيل، تسللت أميرة إلى مكتب أحمد. كانت تعرف أنه يكره أن يقتحم أحد خصوصياته، لكنها لم تعد تملك خياراً. دفعتها رغبة جامحة في فهم ما يحدث، في البحث عن بصيص أمل، أو حتى في تأكيد يأسه. رائحة الكتب القديمة، وعبق التبغ الفاخر، والبرودة التي تنبعث من الطاولة المصقولة، كل ذلك كان يلف المكان كجو من الغموض.

بدأت تتفحص الأوراق المتناثرة. كانت هناك تقارير مالية، وفواتير، ورسائل عمل. ثم وقعت عينها على دفتر ملاحظات قديم، بغلاف جلدي داكن، كان مدفوناً تحت كومة من الأوراق. ترددت قليلاً، ثم فتحته.

كانت الخطوط متداخلة، غير واضحة في بعض الأحيان، لكن المعاني كانت أشد وضوحاً. كان أحمد يدوّن فيه أفكاره، مخاوفه، وخيباته. لم يكن يتحدث عن أميرة مباشرة، لكنها كانت تفهم. كان يتحدث عن الضغوط، عن التوقعات، عن الحمل الثقيل الذي وضعه على عاتقه. كان يصف شعوره بالعجز أمام عاصفة التحديات التي ضربت شركته.

لكن ما لفت انتباهها بشكل غريب، كانت عبارات بدأت تتكرر، كلمات تحمل ثقلاً لا تعرف مصدره. "الضياع"، "الوحدة"، "الخواء". كانت هذه الكلمات تعكس صراعاً داخلياً عميقاً. ثم وجدت سطراً كتبه بخط كبير، يكاد يكون صراخاً مكتوماً: "لماذا لم أجد الأمان؟ لماذا كل هذا الخوف؟".

ازدادت حيرة أميرة. هل كان يعاني من خوف؟ خوف من ماذا؟ هل كان ذلك الخوف هو السبب في بروده معها؟ هل كان يتلقى تهديدات؟ بدأت تخيلاتها تركض بعيداً، ترسم سيناريوهات مرعبة.

ثم، وبين طيات الدفتر، وجدت شيئاً صدمها. كانت هناك رسومات صغيرة، خطوط عشوائية، لكنها تحمل شكلاً واضحاً: شكل زجاجة. وبجانبها، كلمات متناثرة: "النسيان"، "الهروب"، "الهدوء".

تجمد الدم في عروق أميرة. هل كان يدمن شيئاً؟ شيئاً يجعله يهرب من واقعه؟ هل كان هذا هو السر وراء صمته، وراء غربته في بيته؟ كانت تتذكر بعض المرات التي كان فيها يعود متأخراً، ووجهه مرهق، وعيناه زائغتان، وكان يرفض أن يأكل أو يتحدث. ظنت أنها مجرد إرهاق العمل.

بدأت الشكوك تتكاثر كالنمل، تتسلق جدران قلبها، وتلتهم ما تبقى من يقين. إذا كان هذا صحيحاً، فالأمر أصبح أكثر تعقيداً مما ظنت. لم تعد المشكلة مجرد سوء تفاهم، أو فتور في الحب، بل كانت مشكلة إدمان، مشكلة صحة، مشكلة روح معذبة.

خرجت من المكتب بهدوء، وقلبها يخفق بعنف. تركت كل شيء كما كان، لكنها حملت معها وزناً أثقل بكثير. عادت إلى غرفتها، وأسدلت الستائر، وبقيت جالسة في الظلام، تفكر. لم تعد الغرفة سجناً، بل أصبحت ملاذاً. كانت تبحث عن حل، عن طريقة لمواجهة هذا السر المظلم، عن كيفية مساعدة الرجل الذي اختارته، الرجل الذي اختارها، والذي يبدو أنه يعيش صراعاً أشد من صراعها.

كانت تشعر بالخوف، خوف حقيقي هذه المرة. خوف على أحمد، وخوف عليها. هل يمكنها أن تنجو من هذا الزلزال الذي بدأ يضرب أسس حياتها؟ هل يمكنها أن تنقذه، أو تنقذ نفسها؟ كانت تتذكر كلماتها لوالدتها: "أنا أحبه". هل ما زال هذا الحب كافياً لمواجهة كل هذه التحديات؟

نظرت إلى يدها، اليد التي كانت ترتجف. كانت تعلم أن المعركة قد بدأت للتو، وأنها ستكون معركة قاسية، تتطلب منها كل قوتها، كل إيمانها، وكل حكمة. كانت تبحث عن روح أحمد، الروح التي بدأت تضيع في غياهب السراب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%