الفصل 6 / 25

روح تبحث عنك

خيوط العتمة

بقلم ليلى الأحمد

لم تستطع أميرة أن تنام تلك الليلة. كانت عيناها مفتوحتين، تحدقان في سقف الغرفة المظلم، بينما كانت أفكارها تتنازعها كأمواج عاتية. تذكرت كل تلك اللحظات التي بدت طبيعية في حينها، لكنها الآن، بعد اكتشافها في مكتب أحمد، اكتسبت معنى جديداً، مشؤوماً.

تذكرت تلك الليالي التي كان يعود فيها متأخراً، يقول إن لديه عملاً طارئاً، لكنه كان يعود بوجه شاحب، وعينين تبدوان فارغتين. تذكرت عباراته المقتضبة، صمته المطبق، وكيف كان يتجنب النظر في عينيها. كان يتجنبها، وليس لأنها أخطأت، بل لأنه ربما كان يتهرب من رؤية انعكاس هزيمته في عينيها.

لم تكن تعرف نوع الإدمان، لكن مجرد الشك كان كفيلاً بأن يزرع في قلبها خوفاً عميقاً. إدمان الكحول؟ المخدرات؟ هل وصل به اليأس إلى هذا الحد؟ كان هذا السؤال يمزقها. الرجل الذي تقدم لخطبتها، الذي تحدث عن المستقبل، عن بناء أسرة، عن الأمان، هل هو نفسه الرجل الذي يصارع أشباحاً في الخفاء؟

في صباح اليوم التالي، حاولت أن تتصرف بشكل طبيعي قدر الإمكان. لكن نظراتها المليئة بالبحث، وعصبية حركاتها، لم تخفَ على والدتها.

"أميرة، ما بك؟ منذ البارحة وأنتِ مضطربة. هل حدث شيء؟" سألتها والدتها بحنان، وهي تقدم لها كوباً من الشاي.

ترددت أميرة. هل تخبر والدتها؟ كانت دائماً تشاركها أسرارها، لكن هذا السر كان له طبيعة مختلفة. لم يكن خطأها، بل كان خطأه. ولم تكن متأكدة مما إذا كان والدها سيستطيع تحمل ذلك.

"لا شيء يا أمي. فقط... بعض القلق حول العمل." قالت بصوت خافت، محاولة إخفاء حقيقتها.

لم تقتنع والدتها، لكنها لم تلح. كانت تعرف أن ابنتها قوية، وأنها ستتجاوز أي محنة. لكن أميرة لم تكن متأكدة من ذلك.

في تلك الأثناء، كان أحمد في مكتبه، يرتدي قناع البرود المعتاد. كان يتلقى مكالمات هاتفية، ويوقع على مستندات، لكن عقله كان في مكان آخر. كان يعاني من صداع شديد، وآلام في جسده، وآثار انسحاب لم يعد يستطيع تجاهلها. لقد كان يعتمد على ذلك "الملاذ" للتغلب على ضغوط العمل، لنسيان فشله الذريع في صفقة كبرى كادت أن تدمر شركته.

كان يدخل في دوامة لا نهاية لها. عندما كان يشعر بالضغط، يلجأ إلى "الراحة" المؤقتة، ثم عندما تزول آثارها، يشعر بالندم، ويزداد الضغط، فيلجأ إليها مرة أخرى. كانت خيوط العتمة تنسج حوله، تربطه تدريجياً.

في المساء، عاد أحمد إلى المنزل مبكراً. كانت أميرة تتوقع حضوره، وقد أعدت له طعاماً بسيطاً، آملاً أن يكون ذلك سبباً في تحسين مزاجه، أو على الأقل في فتح باب للحوار.

"تفضل، أحمد. أعددت لك العشاء." قالت بصوت هادئ، وهي تضع الطبق أمامه.

نظر إليها أحمد، ثم إلى الطعام. لم يبدُ عليه أي اهتمام. "لست جائعاً." قال بصوت متعب، ثم اتجه نحو غرفة المعيشة، وجلس على الأريكة، يمسك برأسه بين يديه.

شعرت أميرة بلسعة من الحزن. كانت تريد أن تقترب منه، أن تلمس يده، أن تسأله ما به، لكنها كانت تخشى أن تجد جداراً آخر من الصمت.

"أحمد، هل كل شيء على ما يرام؟" سألت بتردد.

رفع رأسه لينظر إليها. كانت عيناه تحملان شيئاً من الارتباك، وربما بعض الألم. "كل شيء بخير يا أميرة. مجرد بعض الإرهاق." قال، ثم أغلق عينيه، وكأنه يريد أن يختفي.

جلست أميرة مقابله، تراقب وجهه. كانت ترى فيه رجلاً منهكاً، رجلاً يعيش صراعاً داخلياً عميقاً. بدأت تشعر بتعاطف شديد تجاهه، ممزوجاً بالحزن والخوف. لم يعد الأمر يتعلق بخطئها، بل أصبح يتعلق بإنقاذه.

"أحمد، هل تسمح لي بأن أساعدك؟" سألت بصوت يكاد يكون همساً.

فتح أحمد عينيه ببطء، ونظر إليها بتساؤل. "تساعديني؟ في ماذا؟"

"في أي شيء. في تخفيف هذا الإرهاق، في إيجاد بعض الهدوء." قالت، وهي تتجرأ على الاقتراب منه قليلاً. "أنا هنا لأجلك."

شعر أحمد بوخزة خفيفة من المفاجأة. لم يكن يتوقع منها هذا. كان يتوقع منها اللوم، أو التجاهل، أو ربما حتى النفور. لكن كلماتها، ونبرة صوتها، كانت تحمل شيئاً مختلفاً.

"أنا... لست بحاجة لمساعدة." قال، لكن صوته لم يكن مقنعاً.

"أنا متأكدة أنك بحاجة." قالت أميرة بإصرار هادئ. "أنت لا تبدو بخير، أحمد. وأنا... أنا زوجتك. من واجبي أن أكون بجانبك."

صمت أحمد للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. ثم تنهد بعمق. "الأمر ليس بهذه البساطة يا أميرة." قال، وكلماته تحمل ثقلاً لا يدركها أحد سواه.

"أنا أعرف." قالت أميرة، وهي تنظر إلى عينيه. "لكن يمكننا محاولة. يمكننا أن نكون معاً في هذا."

نظرت عينا أحمد إلى عينيها، وبدا فيها شيء من التردد. كان يريد أن يصدق كلامها، لكن الخوف كان أقوى. الخوف من أن يراه الآخرون ضعيفاً، الخوف من أن تراه هي ضعيفاً.

"ربما... ربما غداً." قال أخيراً، وهي عبارة لم تعنِ شيئاً لأميرة سوى تأجيل آخر.

شعرت أميرة بخيبة أمل، لكنها لم تستسلم. لقد رأت في عينيه لحظة ضعف، لحظة أمل. كانت تعلم أن الطريق سيكون طويلاً، ومليئاً بالعقبات، لكنها كانت مستعدة للمحاولة. كانت مستعدة لمواجهة خيوط العتمة التي نسجت حول الرجل الذي تحبه، حتى لو اضطرت للغوص فيها بنفسها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%