روح تبحث عنك
الهاوية العميقة
بقلم ليلى الأحمد
مرت الأيام ثقيلة على أميرة. كل صباح كانت تستيقظ على أمل جديد، على فكرة أنها قد تتمكن من اختراق جدار الصمت والبرود الذي أحاط بأحمد. لكن كل مساء، كانت تنام على خيبة أمل أكبر. لم يتغير شيء. كان أحمد يواصل حياته كآلة مبرمجة، يؤدي واجباته، ثم يعود إلى عزلته، تاركاً إياها في بحر من القلق والحيرة.
لم تعد تتجرأ على سؤاله عن صحته، أو عن حالته. كلما حاولته، وجدته يرتد عنها ببرود، أو يتجنب الكلام، أو يقول عبارات مقتضبة لا تدل على أي شيء. لقد أصبح كالسفينة التي فقدت دفة القيادة، تتخبط في محيط هائج، لا تعرف وجهتها.
بدأت الأمور تؤثر عليها جسدياً. فقدان الشهية، الأرق المستمر، وشحوب الوجه. حتى والدتها لاحظت ذلك. "يا أميرة، أنتِ تنحفين. هل أحمد يعاملكِ بشكل سيء؟" سألتها ذات يوم، وعيناها مليئتان بالقلق.
شعرت أميرة بضيق شديد. كيف تشرح لوالدتها، التي لطالما حلمت بأن ترى ابنتها سعيدة، أن زوجها ربما يعاني من إدمان؟ لم تكن الكلمات لتسعفها. "لا يا أمي. هو فقط... متعب من العمل. والضغوط كبيرة." قالت، وهي تتجنب النظر في عيني والدتها.
في إحدى الليالي، وبينما كانت أميرة في غرفتها، سمعت صوتاً خافتاً يأتي من مكتب أحمد. لم يكن صوتاً كلامياً، بل كان أشبه بأنين مكتوم، أو تنهيدة عميقة. تسللت إلى الممر، وقلبها يخفق بقوة، وكأنها تتسلل إلى منطقة محظورة.
وقفت عند باب مكتبه، الذي كان موارباً. نظرت إلى الداخل. كان أحمد جالساً على كرسيه، يحدق في الفراغ. كان يبدو وحيداً، معذباً. ثم، وببطء، مد يده إلى درج المكتب، وأخرج منه شيئاً صغيراً، زجاجة داكنة اللون.
تجمدت أميرة في مكانها. لم تكن تعرف ما بداخل الزجاجة، لكنها عرفت فوراً أنها هي السبب. هذه هي "الراحة" التي يبحث عنها، هذا هو "الهروب" الذي يمنحها إياه.
رأت أحمد يفتح الزجاجة، ثم يرتشف منها ببطء. كان يفعل ذلك بتكتم، كأنه يرتكب جريمة. ثم استند برأسه إلى الخلف، وأغمض عينيه. كان وجهه خالياً من أي تعبير، سوى الظلام العميق الذي استوطن عينيه.
شعرت أميرة بالغثيان. لم تتخيل أن الأمر وصل إلى هذا الحد. لقد كان حقاً غارقاً في الهاوية. حاولت أن تتراجع، أن تعود إلى غرفتها، لكن قدميها لم تطعها. كانت تشعر بأنها ملزمة بالمشاهدة، وكأنها تشاهد كارثة تحدث أمام عينيها ولا تستطيع فعل شيء.
ثم، وبشكل غير متوقع، فتح أحمد عينيه، وكأنه شعر بوجودها. نظر إليها، وكانت نظرة تحمل مزيجاً من المفاجأة، والخجل، والغضب. "ماذا تفعلين هنا؟" سأل بصوت خشن.
لم تستطع أميرة النطق بكلمة. كانت تشعر بأنها قد اخترقت حاجزاً، حاجزاً كان أحمد يبنيه حول نفسه بعناية فائقة.
"هل كنتِ تتجسسين علي؟" سأل أحمد، وقد اشتد غضبه.
"لا! أحمد، لم يكن ذلك قصدي." قالت أميرة بصوت مرتعش، محاولة أن تبدو هادئة. "كنت... كنت أسمع صوتاً. ظننت أنك بخير."
تنهد أحمد بضيق، ثم وضع الزجاجة على الطاولة. بدا وكأنه فقد كل قدرته على المقاومة. "ليس لدي ما أقوله لكِ يا أميرة." قال ببرود، ثم أدار وجهه عنها.
شعرت أميرة بالألم يخترق قلبها. لم يكن الألم بسبب كلماته، بل بسبب ضعفه. رأت فيه روحاً معذبة، روحاً تبحث عن النجاة، لكنها لا تجدها.
"أحمد، أرجوك." قالت، وهي تقترب منه أكثر. "هذه ليست أنت. هذا ليس الحل."
ابتسم أحمد ابتسامة ساخرة. "وما هو الحل برأيك؟ هل هو العودة إلى ما كنت عليه؟ هل هو تحمل كل هذا الحمل وحدي؟"
"ليس وحدك." قالت أميرة، وهي تضع يدها على يده. كانت يده باردة، وعليها آثار قلق. "أنا معك. أنا زوجتك. يمكننا أن نجد حلاً معاً."
نظر أحمد إلى يدها، ثم إلى وجهها. وللمرة الأولى منذ فترة طويلة، رأى فيها شيئاً من الرأفة، وشيئاً من الأمل. "لا تفهمين يا أميرة." قال بصوت أخفض. "هذا... هذا عالم آخر. عالم لا تستطيعين فهمه."
"حاول أن تجعلني أفهمه." قالت أميرة بإصرار. "أخبرني. دعني أساعدك. دعنا نواجه هذا معاً."
كانت الكلمات تخرج منها بعفوية، لكنها كانت تحمل قوة صادقة. كان أحمد يشعر بأن حجاباً خفيفاً قد انزاح عن قلبه. لقد كان يعيش في عزلة تامة، يعتقد أن لا أحد يستطيع أن يفهمه، أو أن يمد له يد العون.
"لا يمكن." قال أحمد، لكن نبرة صوته لم تكن قوية كالسابق. "هذا... هذا قديم. بدأت قبل أن نلتقي."
"وهل سيستمر بعد أن التقينا؟" سألت أميرة، وهي تشعر ببرودة تتسرب إلى قلبها. "هل سيبقى هذا الشيء هو زوجي؟"
نظر أحمد إليها، وبدت في عينيه نظرة لا تستطيع أميرة فك شفرتها. كانت مزيجاً من اليأس، والخجل، وربما... بعض الخوف.
"لقد حاولت التوقف." قال أخيراً، وبصوت ضعيف. "لكن... الأمر صعب."
"نحن هنا لنساعدك على أن يكون الأمر سهلاً." قالت أميرة، وهي تمسك بيده بقوة أكبر. "يمكننا الذهاب إلى طبيب. يمكننا أن نبدأ مرحلة علاج. هناك أمل يا أحمد."
كان أحمد يشعر بأن شيئاً ما يتغير بداخله. كانت كلماتها كقطرات الماء التي تتسلل إلى أرض قاحلة. لم يكن يملك القوة لمقاومة كل هذه المشاعر. لقد كان يائساً، ومنهكاً، وبحاجة ماسة إلى يد تمتد إليه.
"أنا... لا أعرف." قال، وهي أضعف كلمة قالها في حياته.
"لا بأس. أنا هنا." قالت أميرة، وهي تبتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة تحمل مزيجاً من الحزن والأمل. "لنبدأ من الغد. لنبدأ رحلة الشفاء معاً."
تركت أميرة أحمد، وعادت إلى غرفتها، لكنها لم تعد كما كانت. لقد اختفت تلك الهالة من اليأس التي كانت تحيط بها. لقد رأت الهاوية، لكنها لم تخف منها. لقد رأت الضعف، لكنها لم تستسلم له. لقد رأت روح أحمد، الروح التي بدأت تعود من الغرق.