الزوجة الصالحة الجزء الثالث

الزلزال في بيت السعادة

بقلم سارة العمري

كان الليل قد ألقى سدوله على مدينة الرياض الصاخبة، ولكن في قصر العليان الشامخ، كانت الأضواء لا تزال تتلألأ، تعكس وهج الحياة التي لا تخبو. جلست نور، ابنة الشيخ عبد العزيز العليان، في مكتبتها المنيعة، محاطة بعبق الورق القديم ورائحة خشب الأبنوس الممزوجة بعبق البخور. كان الصمت يلف المكان، إلا من حفيف الصفحات التي كانت تتصفحها بتركيز شديد، وعينيها الغائرتين في بحر من الحروف. كانت نور، في عمر الثامنة والعشرين، كاللؤلؤة المصقولة، جمالها هادئ وعميق، يشي بحكمة تخطت سنين عمرها. بشرتها بلون حنطي ناعم، وعيناها واسعتان بلون العسل، يكسوهما رموش طويلة كثيفة، ترسم ظلالاً ساحرة على وجنتيها. شعرها أسود حالك، طويل وغزير، كانت قد جمعته على هيئة كعكة أنيقة، تبرز عنقها الرقيق.

كانت نور قد ورثت عن والدها، رحمه الله، حب العلم والمعرفة، والشغف بالقراءة الذي امتد ليشمل التاريخ والأدب والفلسفة. أما جانبها العملي، فقد تجلى في إدارتها الناجحة لمؤسسة "النور" الخيرية، التي أسسها والدها بعد وفاته، وكرست نور كل وقتها وجهدها لخدمة الأيتام والأرامل وكفالة طالب العلم. كانت معروفة بصرامتها في العمل، ولطفها في التعامل، وحرصها على تطبيق المبادئ الإسلامية السمحة في كل تفاصيل حياتها.

فجأة، انقطع انغماسها في القراءة صوت طرق خفيف على باب المكتب. رفعت نور رأسها، وارتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة، تدل على معرفتها بمن قد يكون. "تفضلي يا أمي." نادى صوتها الهادئ، الذي يحمل في طياته دفء الأمومة.

دخلت والدتها، السيدة فاطمة، وهي امرأة ذات هيبة ووقار، تخطت الستين عاماً، لكنها لم تفقد شيئاً من بريق شبابها. كانت ترتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط فضية، وعلى رأسها حجاب أنيق يظهر جزءاً من وجهها الهادئ. حملت في يدها صينية فضية صغيرة عليها فنجانان من القهوة العربية، ورائحتها الزكية تملأ المكان.

"ما زلتِ تسهرين يا ابنتي؟" سألت السيدة فاطمة بصوت حنون، وهي تضع الصينية على طاولة جانبية. "شربت قهوتي منذ ساعة، وأردت أن أحضر لكِ فنجاناً. أعرف أنكِ إذا انغمستِ في الكتب، تنسين الدنيا وما فيها."

"جزاكِ الله خيراً يا أمي. ولكن لا تقلقي، لم يتبقَ الكثير." أجابت نور، وهي تغلق الكتاب وتنهض لاحتضان والدتها. "كنتُ أراجع بعض المقترحات لمشاريع المؤسسة الجديدة."

جلست السيدة فاطمة على مقعد مريح، ونظرت إلى ابنتها بتمعن. "نور، هل تفكرين في الأمر حقاً؟" سألت بصوت خفيض، وكأنها تدخل في منطقة حساسة.

نور عرفت فوراً ما تقصده والدتها. منذ وفاة والدها، أصبحت هي المسؤولة عن كل شيء. ورغم نجاحها الباهر في إدارة ثروة العائلة ومؤسستها الخيرية، إلا أن هناك أمراً واحداً كانت والدتها تلح عليها فيه، وهو الزواج. لقد مضى على وفاة والدها ثلاث سنوات، ولم يبدِ أي شاب يتقدم لخطبة نور اهتماماً حقيقياً يتجاوز المظاهر أو يسبر أغوار شخصيتها.

"نعم يا أمي، أفكر. أفكّر كثيراً." أجابت نور بصراحة، وهي تجلس بجانب والدتها. "ولكن الأمر ليس بالسهل. أريد رجلاً يخاف الله، رجلاً يفهمني ويقدرني، لا أن يكون زواجي مجرد صفقة اجتماعية أو فرصة لتحقيق مكاسب."

"وهل هذا صعب المنال يا ابنتي؟" قالت السيدة فاطمة، وقد اعتلت وجهها علامات القلق. "لقد رفضتِ الكثيرين، وأخشى أن تضيع منكِ الفرص. أنتِ لستِ في مقتبل العمر، ولابد من أن تفكري في الاستقرار وتكوين أسرة."

تنهدت نور بعمق. "لا أبحث عن مجرد رجل، يا أمي. أبحث عن شريك حياة. رجل أستطيع أن أشاركه أحلامي وهمومي، رجل يكون سندي في هذه الدنيا، كما كان أبي."

"والشيخ أحمد؟" سألت السيدة فاطمة بتردد. "لقد تحدثتُ معه البارحة، ويبدو أنه مهتم. هو رجل فاضل، وله مكانته في المجتمع، وابنه، الشاب سالم، سمعته طيبة."

جحظت عينا نور قليلاً. الشيخ أحمد بن خالد، رجل الأعمال المعروف، وصديق والدها المقرب. كان من المقربين جداً للعائلة، ودائماً ما كان يزورهم. كانت تعرف ابنه سالم، شاب في أواخر العشرينات، يعمل معه في شركاته. كان سالم شخصاً متحفظاً، قليل الكلام، لكنه يبدو مهذباً.

"سالم؟" رددت نور بصوت فيه بعض الاستغراب. "لم أتحدث معه منذ فترة. وما الذي جعلكِ تعتقدين أنه مهتم؟"

"قال لوالده أنه يبحث عن زوجة صالحة، وأنها تبحث عن رجل يتقي الله. وتبادلا الحديث عنكِ وعن سلوككِ الطيب، وعن مؤسستكِ. يبدو أن الأب تحدث مع ابنه عن فكرة قد تكون مناسبة. لا أريد أن أضغط عليكِ يا حبيبتي، ولكنها فرصة قد لا تتكرر."

كانت نور تشعر بمزيج من المشاعر. الرغبة في إسعاد والدتها، والشعور بالمسؤولية تجاه عائلتها، ولكن أيضاً، شيء من الرهبة والتردد. لم تكن مستعدة لقرار كهذا بشكل مفاجئ.

"أمي، أرجو أن تمنحيني بعض الوقت للتفكير. هذا أمر لا يتعلق بقرار عابر." قالت نور، وهي تشعر ببعض الضيق.

"بالتأكيد يا ابنتي. خذي وقتكِ. ولكن تذكري، عمر الإنسان يمضي، والزواج نصيب." قالت السيدة فاطمة، وقد بدت عليها علامات الرضا. "فقط فكري في الأمر. الشيخ أحمد يريد أن يأتي لزيارتنا غداً، ليطلب يدكِ رسمياً لابنه. لا أرى مانعاً من الاستماع إليه."

نهضت نور، وبدا عليها شيء من الاضطراب. "غداً؟ بهذه السرعة؟"

"إذا لم تستقبلي الوفد، فسوف يظنون أنكِ رافضة، وهذا قد يجرح مشاعر الشيخ أحمد. لا أريد أن أضعكِ في موقف حرج. فقط مقابلة، ثم أنتِ حرة في قراركِ."

شعرت نور بأنها محاصرة. أرادت أن تكون صريحة مع نفسها ومع والدتها. "حسناً يا أمي. سأستمع إليه. لكن أريدكِ أن تعرفي، أن قلبي لم يطمئن بعد."

ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامة واسعة. "طمئني يا حبيبتي. كل شيء سيأتي بالخير. ولن يعقد قرانكِ إلا رجل يستحقكِ."

خرجت السيدة فاطمة من المكتب، تاركة نور وحدها في صمت الليل. رفعت نور يديها إلى وجهها، تتنفس بعمق. كانت تشعر بأن شيئاً قد تغير، وأن عاصفة ما قد بدأت تتشكل في سماء حياتها الهادئة. لم تكن تعلم أن قرار الاستماع إلى حديث رجل لم تفكر فيه من قبل، سيفتح لها أبواباً لم تكن تتوقعها، وأن هذا الزلزال قد يبدأ بلمسة ناعمة.

نظرت إلى الكتاب الذي كانت تقرأ فيه، عن قصص الحب العفيف في التاريخ الإسلامي. هل ستكون قصتها جزءاً من هذه القصص؟ هل ستجد سعادتها مع سالم؟ أسئلة تراودها، وعلامات استفهام كبيرة ترتسم في مخيلتها. أغلقت الكتاب، وأطفأت الأنوار.

خرجت من المكتب، وعبرت الممرات الواسعة للقصر، التي كانت تذكرها دائماً بالدفء والعائلة. وصلت إلى غرفتها، حيث كان يطل نافذتها الكبيرة على حديقة القصر الهادئة. كانت النجوم تتلألأ في السماء، كشهود صامتين على أفكارها المتضاربة.

"يا رب، اختر لي الخير." همست نور، وهي تسدل ستائر غرفتها. شعرت بثقل المسؤولية، وبقلق غير مبرر. لم تكن مجرد نور العليان، ابنة العائلة الثرية، بل كانت نور، الفتاة التي تبحث عن قلب يشاركها إيمانها، ورجل يحتضن روحها، لا مجرد جسدها.

وقفت أمام المرآة، نظرت إلى صورتها. كانت جميلة، هادئة، ولكن هل كانت مستعدة لرحلة جديدة؟ رحلة قد تبدأ بكلمة "نعم"، وتنتهي بـ "حياة". لم تكن تعرف ما ينتظرها، ولكنها كانت تعلم أن حياتها على وشك أن تتغير، وأن الزلزال قد بدأ يضرب أساسات بيت السعادة الذي بنته مع عائلتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%