الزوجة الصالحة الجزء الثالث
غيمة سوداء ونافذة أمل
بقلم سارة العمري
مرت الأيام، وأحمد وليلى في حالة ترقب. كانت مكالمات الحاج إبراهيم بسامي متواصلة، لكن النتائج لم تكن واضحة تماماً. في إحدى المرات، قال الحاج إبراهيم لأحمد: "سامي بدأ يفهم، يا بني. لكنه لا يزال متردداً. لديه بعض المخاوف، وبعض الرغبة في الحصول على مكاسب سريعة. لكنه ليس شرير الطبع كما يبدو."
كانت ليلى تسمع هذه الكلمات، وتشعر بأن القلق لم يفارقها تماماً. كانت تعرف أن سامي قد يلجأ إلى أي حيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخططاته.
في صباح أحد الأيام، حين كان أحمد في العمل، تلقت ليلى مكالمة هاتفية. كانت من رقم تعرفه. رقم سامي.
"مرحباً يا سيدة ليلى،" قال سامي بصوت يحاول أن يبدو ودوداً، لكنه كان يحمل نبرة توتر واضحة.
"مرحباً،" أجابت ليلى بحذر.
"أنا أتصل بكِ، لأنني علمت أنكِ الشخص الذي يمكنني التحدث إليه. زوجكِ رجل عنيد، وأنا أقدر ذلك، ولكن أحياناً لا بد من المرونة."
"وماذا تريد مني؟"
"أريدكِ أن تقنعي أحمد. أريده أن يفكر في عرض جديد. أنا مستعد للتخلي عن المطالب المالية المبالغ فيها، بشرط أن يعيد لي نسبة بسيطة من الأرباح المستقبلية، وأن أعترف هو بأنني كنت شريكاً سابقاً في المشروع."
"لماذا تريد هذا الاعتراف؟"
"لأنني أريد أن أستعيد جزءاً من سمعتي. لقد تضررت كثيراً بسبب ابتعادي عن العمل."
كانت ليلى تفكر. هذا العرض يبدو أقل خطورة من السابق. لكن هل هو حقيقي؟ هل هو فخ جديد؟ "سأتحدث إلى أحمد، وسأخبره بما قلته."
"شكراً لكِ. أرجو أن تفهمي موقفي. أنا أيضاً أبحث عن حل يرضي الجميع."
أنهت ليلى المكالمة، وشعرت بدوار خفيف. كانت الأمور تسير في اتجاه قد يكون أفضل، لكنها كانت لا تزال متوجسة.
ذهبت ليلى إلى أحمد في الشركة، وروت له تفاصيل المكالمة. استمع أحمد بانتباه، ثم قال: "هذا تطور إيجابي. ولكن علينا أن نكون حذرين. سامي قد يكون يلعب لعبة أخرى."
"وما رأيك؟ هل نقبل؟"
"علينا أن نستشير الحاج إبراهيم. هو أدرى بسيكولوجية سامي. لكن بشكل عام، يبدو العرض معقولاً. الاعتراف بشراكة قديمة، مع نسبة بسيطة من الأرباح المستقبلية... هذا لا يضر كثيراً، بل قد يساعد في إغلاق الباب نهائياً أمامه."
اجتمع أحمد وليلى بالحاج إبراهيم في اليوم التالي. استمع الحاج إبراهيم إلى العرض الجديد، وأومأ برأسه. "سامي بدأ يتخلى عن عناده. هذا العرض يدل على أنه يفكر في حلول وسط. لكن علينا أن نضمن أن هذا ليس مجرد تكتيك لربح المزيد من الوقت."
"وماذا نقترح؟" سأل أحمد.
"اقترحوا عليه أن يكتب كل ما يطلبه بوضوح. وأن تضعوا اتفاقاً رسمياً، يحدد كافة الشروط. وأن يطلب منكم إبراز وثائق تثبت الشراكة القديمة، هذا سيعطي مصداقية لطلبه. وفي المقابل، تحددوا نسبة واضحة من الأرباح المستقبلية، وتحديد مدة زمنية لهذا الاتفاق."
"وهذا سيغلق الباب أمامه تماماً؟"
"إن كان رجلاً صادقاً، نعم. وإن لم يكن، فإننا نمتلك الآن وثائق رسمية، تجعل أي محاولة جديدة منه صعبة."
بدأ أحمد وليلى في العمل على صياغة الاتفاق. كانت ليلى تلعب دوراً محورياً في هذه العملية، تتأكد من أن كل كلمة دقيقة، وأن كل بند يحمي حقوق أحمد. كانت تشعر بأنها قد أصبحت خبيرة في مجال الأعمال، بفضل هذه التجربة.
وفي خضم هذه التطورات، لم تكن الأمور تسير بسلاسة في مكان آخر. كانت سارة، أخت ليلى، قد استطاعت أن تجمع بعض المعلومات عن علاقات سامي القديمة. كانت قد تحدثت إلى بعض زملاء والدها، الذين عرفوا سامي عن قرب. ما اكتشفته سارة كان مقلقاً.
"ليلى،" قالت سارة، وهي تدخل غرفة ليلى، بوجه شاحب. "لقد تحدثت إلى عمي محمود، زميل أبي القديم. قال لي أن سامي كان معروفاً بسوء سمعته في الوسط التجاري. كان متهوراً، وكان لديه ديون كثيرة."
"وما علاقة هذا الآن؟" سألت ليلى، وهي تشعر بقلق مفاجئ.
"قال لي عمي محمود أن سامي كان لديه شركاء كثر، ولم يلتزم مع أي منهم. ودائماً ما يتركهم في ورطات."
"هذا مقلق حقاً،" قالت ليلى. "هل لديك أي معلومات أخرى؟"
"قال لي أن هناك شخصاً كان سامي قد استثمر معه مبلغاً كبيراً، ثم اختفى. وهو يبحث عنه حتى الآن، يريد استعادة أمواله."
شعر ليلى بالبرد يسري في عروقها. هل هذا يعني أن سامي كان يحاول استغلالهم؟ هل كان يرى في أحمد مجرد مصدر آخر للمال؟ "شكراً لكِ يا سارة. ما فعلته مهم جداً."
عادت ليلى إلى أحمد، وروت له ما سمعته من سارة. نظر أحمد إلى ليلى، وتنهد. "هذا ما كنت أخشاه. قد يكون سامي يحاول فقط كسب الوقت، ليجد طريقة أخرى للضغط علينا. أو ربما، يحاول استغلالنا لسداد ديونه."
"ولكن الحاج إبراهيم يقول إنه بدأ يلين."
"نعم، لكنه قد يكون يلين لأنه يرى فرصة في استغلالنا. علينا أن نكون أكثر حذراً."
اجتمعوا بالحاج إبراهيم مرة أخرى، ورووا له ما اكتشفوه. استمع الحاج إبراهيم، ثم قال: "هذا يفسر بعض سلوكياته. سامي رجل يسعى وراء مصالحه. ولكن، هذا لا يعني أنه لا يمكن السيطرة عليه. إذا كان الاتفاق واضحاً، ومحفوظاً قانونياً، فإننا نحد من حركته."
"ولكن، هل نثق به؟" سأل أحمد.
"الثقة تأتي مع العمل. ودائماً ما نقول: 'ثق بالله، ولكن اربط ناقتك'. علينا أن نضع ضمانات قوية."
وبالفعل، قاموا بصياغة الاتفاق النهائي. كان الاتفاق شاملاً، ومفصلاً، ويحمي حقوق أحمد بشكل كبير. تضمن الاعتراف بالشراكة القديمة، وتحديد نسبة معقولة من الأرباح المستقبلية، مع مدة زمنية واضحة، ووعد من سامي بالتوقف عن أي مطالبات مستقبلية.
في اليوم المحدد، التقى أحمد وسامي في مكتب المحامي، بحضور الحاج إبراهيم. كان الجو متوتراً. وقع سامي على الاتفاق، وقد بدا على وجهه مزيج من الرضا، والحذر، وربما بعض الندم.
"أتمنى أن يكون هذا هو نهاية المطاف، يا أحمد،" قال سامي، وهو ينظر إليه.
"أتمنى ذلك أيضاً، يا سامي،" أجاب أحمد.