الزوجة الصالحة الجزء الثالث
أسرار الماضي ونداء الحقيقة
بقلم سارة العمري
ارتعش المجلس الذي تركت فيه سارة، كبيتٍ قديمٍ تهزه رياحٌ عاتية. أبو أحمد، الذي كان يظن أنه يمسك بزمام الأمور، وجد نفسه فجأةً في مهب الريح. نظر إلى ابنه الذي كان يتسمر في مكانه، عيناه تتابعان اتجاه سارة، وكأنما يبحث عن إجاباتٍ في الفراغ.
"ماذا تقصد هذه الفتاة؟" سأل أبو أحمد بصوتٍ غاضب، موجهاً كلامه لابنه. "حقائق؟ أسرار؟ هل تخبريني شيئاً لا أعرفه؟"
نفض أحمد رأسه. "لا يا أبي. لم تخبرني سارة شيئاً. ولكن كلامها يثير القلق."
"القلق؟" صرخ أبو أحمد. "إن ما يثير القلق هو عصيانها، وتحديها. إنها ترفض الارتباط بابني، وتتحدث عن أسرارٍ وهمية. لا بد أن هناك من يقف وراءها، يغريها بالتمرد."
نظرت والدة سارة، فاطمة، إليهم بحيرة. "لا أعتقد يا أبا أحمد. سارة فتاةٌ عاقلة، ولم تكن لتتحدث هكذا إلا إذا كانت تشعر بشيءٍ عميق."
"تشعر؟" سخر أبو أحمد. "الحياة ليست مجرد مشاعر يا فاطمة. إنها مسؤوليات، وعقود. هي تتحدث عن أسرار، ولكنني أتساءل، أليست هي من تخفي سراً؟"
كانت هذه الكلمات موجهةً إلى فاطمة، وكأنها تشارك ابنتها في ما تسميه "عصيان". رفعت فاطمة رأسها، ونظرت إلى أبو أحمد بعزمٍ لم يعهده فيها. "يا أبا أحمد، إذا كان هناك سرٌ، فهو ليس سراً لسارة وحدها. ولكن، إذا أردتَ أن نبحث عن الحقيقة، فليكن. ولكن تذكر، الحقيقة قد تكون مؤلمة."
شعر أبو أحمد بلحظةٍ من التردد. لقد كانت فاطمة دائماً صامتة، مطيعة، لا تتدخل في أمور الرجال. ولكن اليوم، كانت تبدو كجبلٍ صلب.
"وما هي هذه الحقيقة التي تتحدثين عنها؟" سأل بصوتٍ خافت.
"الحقيقة التي تخص والد سارة، رحمه الله،" قالت فاطمة. "الحقيقة التي لم تُقال أبداً، خوفاً من تفاقم الأمور."
تزايدت حيرة أحمد. والد سارة، الحاج إبراهيم، كان رجلاً صالحاً، طيب القلب. ماذا يمكن أن يكون قد أخفى؟
"والدي،" قال أحمد، "ماذا حدث لوالدي الحاج إبراهيم؟"
"لقد مات الحاج إبراهيم وهو يحمل هماً كبيراً،" قالت فاطمة، وعيناها تلمعان بالدموع. "هماً لم يستطع البوح به، ولكنه أثر على صحته. وفي آخر أيامه، ترك لي وصيةً، قال لي فيها: 'يا فاطمة، إذا احتجتِ يوماً ما، فابحثي عن الرجل الذي يعرف سرّ الشجرة العتيقة. هو وحده من سيساعدكِ.'"
"الشجرة العتيقة؟" سأل أبو أحمد، وقد تزايد فضوله. "وما علاقة هذا كله بسارة، وبأحمد؟"
"العلاقة،" قالت فاطمة، "أن هذه الشجرة، يا أبا أحمد، هي شجرةٌ مباركة، كانت في أرضٍ ورثها الحاج إبراهيم عن جده. ولكن، بسبب ظروفٍ قاهرة، اضطر لبيع جزءٍ كبيرٍ من أرضه. ولكن، قبل أن يبيعها، دفن فيها شيئاً ثميناً، شيئاً كان يتعلق ببداية علاقتنا، ببداية علاقتكم. وكان يخشى أن يقع في الأيدي الخاطئة."
صمت الجميع. كانت القصة تتشعب، وتأخذ منعطفاً غير متوقع.
"والآن،" تابعت فاطمة، "سارة، وهي فتاةٌ ذكية، وفطينة، بدأت تشعر بأن هناك شيئاً ما، شيئاً غامضاً يحيط بنا. وهي، مثل والدها، لا تستطيع العيش في الظلام. ولهذا، فإنها تطلب الحقيقة."
نظر أبو أحمد إلى ابنه. "أحمد، هل تعرف شيئاً عن هذا؟ عن أرضٍ موروثة، عن شجرةٍ عتيقة، عن شيءٍ مدفون؟"
نفض أحمد رأسه. "لا يا أبي. لم أسمع بشيءٍ من هذا القبيل."
"ولكن،" قال أبو أحمد، "هل رأيتَ سارة تتصرف بطريقةٍ مريبة مؤخراً؟ هل تحدثت معك عن أي شيءٍ غامض؟"
"لا،" أجاب أحمد. "لكنها بدت لي أحياناً شاردة الذهن. وكنت أظن أن ذلك بسبب ضغوط الدراسة."
"إذن،" قال أبو أحمد، وقد بدأ يجمع الخيوط، "يبدو أن الحاج إبراهيم ترك وراءه لغزاً. ولغزاً يبدو أنه يتعلق بمستقبل سارة، ومستقبلنا كعائلتين."
"ولكن،" قالت فاطمة، "إذا أردنا أن نجد هذا السر، يجب أن نبحث عن الرجل الذي يعرف سرّ الشجرة العتيقة. وهو، على حد علمي، رجلٌ كبيرٌ في السن، عاش في هذه المنطقة منذ زمنٍ طويل، ويعرف كل شبرٍ فيها."
"من هو هذا الرجل؟" سأل أبو أحمد.
"اسمه أبو سعيد،" قالت فاطمة. "وهو يعيش الآن في بيتٍ قديمٍ على أطراف المدينة. وقد وعدني الحاج إبراهيم أن أذهب إليه في حال احتجتُ للمساعدة."
"إذن،" قال أبو أحمد، وقد استعاد بعضاً من هدوئه، "علينا أن نذهب إلى هذا الرجل. وعلينا أن نكشف عن كل شيء. إذا كانت سارة تريد الحقيقة، فلتكن. وسنرى ما هي هذه الأسرار التي تتحدث عنها."
خرج أبو أحمد وأحمد، وقد تركا فاطمة وحدها في الغرفة. نظرت إلى الباب الذي خرج منه أحمد، وقلبها مملوء بالأمل والقلق. كانت تتمنى أن تكشف الحقيقة، وأن يجدوا السلام. ولكنها كانت تعلم أن طريق البحث عن الحقيقة قد يكون مليئاً بالمخاطر.
في تلك اللحظة، دخلت سارة الغرفة. رأت والدتها جالسةً وحيدة، وعيناها غائرتان في الأفق.
"أمي،" قالت سارة، وجلست بجانبها، "هل أنتِ بخير؟"
"أنا بخير يا حبيبتي،" قالت فاطمة، وهي تحتضن ابنتها. "لقد تحدثنا مع عمك. وسنبحث عن هذه الحقيقة معاً."
"ما هي هذه الحقيقة يا أمي؟" سألت سارة، وعيناها تبرقان بالفضول.
"هي سرٌ قديم، يتعلق بوالدك، وبشجرةٍ مباركة، وبرجلٍ طيبٍ قديم. وهو سرٌ لن نكشفه إلا بالحذر، وبالدعاء."
نظرت سارة إلى والدتها، وقد شعرت بأنها ليست وحدها في هذه الرحلة. كان هناك شيءٌ ما، شيءٌ كبير، ينتظرهم. ولم تكن تعرف أن رحلة البحث عن الحقيقة قد بدأت للتو.