الزوجة الصالحة الجزء الثالث
ريحٌ تعصف بالهدوء
بقلم سارة العمري
اجتاحت نور موجة من الأرق العميق. لم تستطع أن تغفو رغم محاولاتها المتكررة. كانت الأفكار تدور في رأسها كعاصفة لا تهدأ. لم يكن الأمر يتعلق بالشيخ أحمد، الرجل الذي احترمته دائماً، بل كان يتعلق بابنه، سالم. لم يكن لديها معرفة عميقة به، سوى تلك اللقاءات العابرة والمحادثات الرسمية التي كانت تدور حول العمل أو العائلة. كان سالم في نظرها شاباً أنيقاً، مهذباً، لكنه كان غامضاً بعض الشيء، يميل إلى الصمت، ولا يكشف عن الكثير من مشاعره.
هل يمكن لشخص صامت أن يحمل في داخله عالماً من المشاعر؟ هل يمكن لشخص قليل الكلام أن يكون شريك حياة؟ كانت نور تعتمد على التواصل الصادق، على الأحاديث العميقة التي تتبادل فيها الأفكار والآمال. لم تكن تريد زواجاً بلا روح، زواجاً يقوم على الواجبات الرسمية فقط.
في صباح اليوم التالي، استيقظت نور على صوت المنبه. الشمس قد بزغت، وأشعة خفيفة تتسلل من بين ستائر غرفتها. كان شعورها بالتعب واضحاً، لكنها حاولت أن تتجاهله. ارتدت ملابسها، وهي عباءة سوداء مطرزة بخيوط فضية، واحتجبت بحجاب أنيق. نزلت إلى غرفة المعيشة، حيث كانت والدتها قد أعدت إفطاراً شهياً.
"صباح الخير يا أمي." قالت نور، وهي تقبل يد والدتها.
"صباح النور يا ابنتي. كيف حالكِ؟ هل نمتِ جيداً؟" سألت السيدة فاطمة، وهي ترى الإرهاق في عيني ابنتها.
"الحمد لله، بخير. قليلاً من السهر." أجابت نور، وهي تجلس على المائدة.
"لا تقلقي يا عزيزتي. الأمر مجرد مقابلة. وإذا لم تشعري بالارتياح، فلكِ كل الحق في الرفض." قالت السيدة فاطمة، محاولة طمأنة ابنتها. "الشيخ أحمد سيأتي هو وابنه حوالي الساعة العاشرة."
شعرت نور ببعض الارتياح لكلمات والدتها. كانت والدتها تفهمها، ولم تكن تضغط عليها. لكن الضغط الأكبر كان يأتي من داخلها. كانت نور تشعر بمسؤوليتها تجاه عائلتها، وتجاه سمعتها. لم تكن تريد أن تسبب لوالدتها أي إحراج.
مر الوقت ثقيلاً. كانت نور تحاول أن تركز في أعمالها، لكن ذهنها كان شاردًا. كانت تتخيل سالم، تتخيل كيف ستكون لغة الحوار بينهما. هل سيتحدث عن العمل؟ عن اهتماماته؟ أم سيقتصر حديثه على الشكر والتقدير؟
عند الساعة العاشرة، وصل الشيخ أحمد وابنه سالم. استقبلهما والدها بالترحاب، ودخلوا إلى غرفة الضيوف، وهي غرفة فخمة مزينة بلوحات فنية قديمة، تفوح منها رائحة العود الأصيل. جلست نور بجانب والدتها، تشعر بنبضات قلبها تتسارع.
كان الشيخ أحمد رجلاً طويلاً، ذو شارب أبيض كثيف، وعينين ذكيتين. كان يرتدي ثوباً سعودياً أبيض أنيقاً، وعلى رأسه غترة بيضاء. بجانبه، جلس سالم. كان أطول من والده، وبشرته صافية، وعيناه بنيتان واسعتان، تعكسان هدوءاً غريباً. كان يرتدي نفس الزي، وبدا عليه بعض التوتر.
بدأ الشيخ أحمد بالحديث، وشكر الله على نعمه، وأثنى على الشيخ عبد العزيز، والد نور، رحمه الله. ثم تحدث عن علاقته به، وعن رغبته في توطيد أواصر المحبة بين العائلتين. كانت كلماته منمقة، تحمل احتراماً وتقديراً.
ثم التفت إلى سالم، وقال بصوت فيه حنان الأب: "والآن، أترك الحديث لابني سالم. هو الذي يتحدث عن هذه الخطوة."
شعر سالم بنظرات الجميع موجهة إليه. تنحنح قليلاً، ثم بدأ يتحدث بصوت هادئ وعميق، كان يحمل بحة لطيفة. "بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أستاذي الكريم، سيدي الشيخ، السيدة الفاضلة. أنا هنا اليوم، مدفوعاً برغبة صادقة، وبقلب يرجو الخير. لقد تحدثتُ مع والدي عن رغبتي في الزواج، وعن مواصفات الزوجة الصالحة التي أبحث عنها. الزوجة التي تعينني على طاعة الله، وتكون سكناً لي، وأكون لها. وعندما ذكر والدي اسم ابنتكم، السيدة نور، بارك الله فيها، لمست فيها كل ما أبحث عنه. سمعتُ عن أخلاقها الطيبة، عن صلاحها، عن اجتهادها في عمل الخير، وعن تربيتها الفاضلة. أرى فيها مثالاً للمرأة المسلمة التي يزينها دينها وخلقها."
كانت كلمات سالم بسيطة، وصادقة، وخالية من التكلف. كانت تلامس شيئاً في قلب نور. كان يتحدث وكأنه يعرفها، وكأنه يرى ما وراء المظاهر.
"لذلك، أنا أتقدم اليوم، بكل احترام وتقدير، طالباً يد ابنتكم، السيدة نور، لابني، الشاب سالم." أكمل الشيخ أحمد، وكأنه يختتم حديث ابنه.
ساد صمت قصير. نظرت نور إلى والدتها، التي كانت تبتسم ابتسامة هادئة. ثم التفتت إلى سالم. كانت عيناه تلتقيان بعينيها للحظة، شعرت بارتباك خفيف، لكنها لم تشعر بالنفور.
"الحمد لله." قالت السيدة فاطمة، متحدثة باسم العائلة. "لقد أثلجتم صدورنا بكلامكم هذا. السيدة نور هي ابنتنا، وهي من تملك حق القرار. ولكننا كعائلة، لا نرى مانعاً من هذه الخطوة المباركة، إذا كان فيها الخير لنا ولها. سنترك القرار لنور."
نظرت السيدة فاطمة إلى نور، وكأنها تقول لها: "تحدثي."
شعرت نور بأن كل العيون موجهة إليها. اتخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بصوت ثابت، يحمل بعض التردد: "أشكركم جزيل الشكر على هذه الثقة الغالية. وعلى هذه الكلمات الطيبة. لم أتوقع هذا بصراحة. الأمر يحتاج مني بعض التفكير، وبعض الوقت لاستيعاب هذا الأمر. ولكنني أقدر لكم هذه المشاعر الطيبة."
كانت هذه إجابة دبلوماسية، لم تكن موافقة صريحة، ولكنها لم تكن رفضاً قاطعاً.
ابتسم الشيخ أحمد. "بالتأكيد يا سيدة نور. خذي وقتكِ. نحن لا نستعجل الأمور. المهم أن يكون الأمر عن قناعة ورضا. نحن مستعدون لأي أسئلة قد تكون لديكِ، أو أي استفسارات. نحن هنا لخدمتكم."
استمر الحديث لبعض الوقت، وتبادلوا الأحاديث العامة عن العمل، والرياض. كان سالم يتحدث قليلاً، لكن كلماته كانت مؤثرة، وتدل على وعي وثقافة. نور لاحظت أنه كان يستمع باهتمام شديد لكل كلمة تقولها، ومرات كان ينظر إليها بنظرات تحمل تقديراً خفياً.
عندما حان وقت المغادرة، نهض الجميع. صافح الشيخ أحمد والدة نور، وقدم سالم تحية احترام لنور. كانت يداهما لم تلتقيا، لكن نظراتهما استمرت للحظة أطول من المعتاد.
بعد مغادرة الضيوف، جلست نور مع والدتها. "ما رأيكِ يا أمي؟" سألت نور.
"شاب فاضل، وكلامه طيب. ولكن القرار قراركِ يا ابنتي. المهم أن يكون قلبكِ مرتاحاً." قالت السيدة فاطمة، وهي تحتضن ابنتها.
"لا أعرف يا أمي. أشعر بشيء من التناقض. هو رجل هادئ، وأنا أحب النقاش. هل سنستطيع أن نتفاهم؟"
"كل زواج يحتاج إلى تفاهم وصبر يا نور. والمودة والرحمة تأتي مع الوقت. لا تتعجلي في الحكم. فكري جيداً."
نور لم تكن تعلم أن هذا اللقاء، الذي بدأ بريح عاصفة خفيفة، سيتحول إلى إعصار يقلب حياتها رأساً على عقب. شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، وأن خياراتها ليست واضحة تماماً.