الزوجة الصالحة الجزء الثالث

لقاء أبو سعيد وفتح أبواب الماضي

بقلم سارة العمري

كان الهواء يحمل برودةً خفيفة، ممزوجةً برائحة الأرض بعد مطرٍ خفيفٍ سقط في الصباح الباكر. كان بيت أبو سعيد، كما وصفته فاطمة، يبدو وكأنه قطعةٌ من الماضي، متشبثٌ بالحياة رغم عوامل الزمن. جدرانه المبنية من الطين والحجر، وشرفته الخشبية القديمة، وفناءه الصغير الذي يزينه بعض نباتات الريحان والياسمين، كل ذلك كان يحكي قصةً من زمنٍ مضى.

وقفت فاطمة وأبو أحمد وسارة وأحمد أمام الباب الخشبي الثقيل. كان الترقب يخيم على المكان، كأنه عباءةٌ غير مرئية. لم يكن أحدٌ منهم يعرف ما سيقولونه، أو كيف سيتم استقبالهم.

دق أبو أحمد الباب، وسمعوا صوت خطواتٍ ثقيلة تقترب من الداخل. ثم فُتح الباب ليكشف عن رجلٍ طاعنٍ في السن، شعره أشيب، ولحيته بيضاء، لكن عينيه كانتا تشعان بالذكاء والحيوية. كان يرتدي جلباباً بسيطاً، ويحمل في يده عكازاً خشبياً.

"السلام عليكم،" قال أبو أحمد بصوتٍ رسمي.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،" أجاب الرجل بصوتٍ عميقٍ وهادئ. "تفضلوا. يبدو أنكم ضيوفٌ من بعيد."

نظر أبو سعيد إلى فاطمة، ثم إلى سارة، وعيناه تحملان شيئاً من الاعتراف. "فاطمة؟ ألم تقولي أنكِ ستأتين؟"

ابتسمت فاطمة بارتياح. "نعم يا عمي أبو سعيد. لقد وفيت بوعدي. وهذه ابنتي سارة، وابنتها."

"يا لها من أيام! لقد مرت سنواتٌ طويلة،" قال أبو سعيد، وهو ينظر إلى سارة بحنان. "يبدو أن الحاج إبراهيم ترك لكِ وريثةً رائعة."

بعد أن جلسوا جميعاً في الفناء، حول طاولةً صغيرة، قدم أبو سعيد لهم الشاي والتمور. كان الصمت الذي خيم على المكان هذه المرة، صمتاً مختلفاً، صمتاً يحمل ثقل الذكريات.

"يا عمي أبو سعيد،" بدأت فاطمة، وهي تمسك بيد سارة، "جئنا إليك اليوم، لأننا نحتاج مساعدتك. الحاج إبراهيم، رحمه الله، ترك لي سرّاً، ووصيةً تتعلق بهذا المكان، وبالشجرة العتيقة."

ارتسمت علامات الفهم على وجه أبو سعيد. "آه، الشجرة العتيقة. نعم، أتذكر. لقد كان الحاج إبراهيم رجلاً حكيماً، وكان لديه نظرةٌ بعيدة. ماذا تريدون أن تعرفوا؟"

"نريد أن نعرف،" قال أبو أحمد، وقد شعر بأن المياه بدأت تعود إلى مجاريها، "ما هو سرّ هذه الشجرة؟ وما الذي دفنه الحاج إبراهيم؟ ولماذا اختارنا نحن، أو اختاركم، لنكشف هذا السر؟"

تنهد أبو سعيد، ونظر إلى السماء. "يا لها من قصة، قصةٌ بدأت مع بدايات هذه القرية، وبدايات العلاقات التي ربطت بين عائلاتنا. الحاج إبراهيم، رحمة الله عليه، ورث قطعة أرضٍ كبيرة عن أجداده. وكانت في هذه الأرض شجرةٌ عتيقة، شجرةٌ مباركة، تحدثت عنها الأساطير. قيل إنها تعطي البركة لمن يحسن إليها، وتخفي كنوزاً لمن يكتشف سرها."

"ولكن،" تابع أبو سعيد، "في زمنٍ كانت فيه الظروف قاسية، وكان الحاج إبراهيم بحاجةٍ للمال، اضطر لبيع جزءٍ كبيرٍ من أرضه. ولكن، قبل أن يبيعها، كان لديه شيءٌ ثمينٌ جداً، شيءٌ يخص ذكرى غالية، وشيءٌ يتعلق ببدايات علاقته بفاطمة."

"ما هو هذا الشيء؟" سأل أحمد بفضول.

"هو عبارة عن رسائل،" قال أبو سعيد. "رسائل حبٍ ومودة، كتبها الحاج إبراهيم لفاطمة في بداية علاقتهما. ولكنه كان يخشى أن تقع في الأيدي الخاطئة، أو أن تُفقد. فقام بدفنها تحت جذور الشجرة العتيقة، مع قطعةٍ ذهبيةٍ كانت هديةً من أمه."

كانت فاطمة تبكي بصمت، وعيناها مدمعتان. كانت تتذكر تلك الأيام، أيام الشباب، أيام الحب البريء.

"ولماذا لم يقل لي شيئاً؟" سألت فاطمة بصوتٍ متهدج.

"لقد حاول،" قال أبو سعيد. "ولكنه كان يخاف. يخاف أن تتعرضي للأذى، أو أن تُغري هذه الهدية الأشرار. لقد أراد أن يضمن لكِ الأمان. ولهذا، ترك لي هذه الوصية، أن أحكي لكِ القصة، إذا حان الوقت."

"ولماذا لم يخبرنا عن كل هذا؟" سأل أبو أحمد، وهو يشعر بالضياع.

"ربما،" قال أبو سعيد، "ربما كان ينتظر الوقت المناسب. أو ربما كان يخشى أن تتعرض سارة لضغوطٍ أكبر. لقد كان رجلاً حكيماً، ويعرف كيف يدير أموره."

"ولكن،" قالت سارة، وقد شعرت بأن الأمور بدأت تتضح، "إذا كانت هذه الرسائل والهدية مدفونة تحت الشجرة، فما علاقة هذا بعقد زواجي؟ وما الذي يجعل هذه الحقيقة مؤلمة؟"

تنهد أبو سعيد. "هنا يأتي الجزء الأصعب، يا سارة. الحاج إبراهيم، قبل أن يتزوج من فاطمة، كان مخطوباً لامرأةٍ أخرى. ولكن، حدث ما حدث، وافترقا. وللأسف، فإن هذه المرأة، كانت لها يدٌ في بعض الأمور التي حدثت في تلك الفترة، أمورٌ أدت إلى الكثير من الخسائر، وربما إلى تدهور صحة والدك."

"من هي هذه المرأة؟" سأل أبو أحمد، وقد شعر بأن هناك شيئاً خفياً يطفو على السطح.

"اسمها سعاد،" قال أبو سعيد. "وكانت هي وابنتها، التي كانت حينها طفلة، تعيشان في هذه المنطقة. ولكن، بعد انفصالها عن الحاج إبراهيم، اختفت، ولم يعد أحدٌ يسمع عنها. ولكن، الحاج إبراهيم كان يخشى أن تعود، وأن تحاول الاستيلاء على ما هو ملكٌ لعائلته."

"وهل عادت؟" سألت سارة.

"لا أدري،" قال أبو سعيد. "ولكن، الحاج إبراهيم، كان يشعر بالقلق. وربما، فإن هذا القلق هو ما جعله يترك هذه الوصية، وهذه الأسرار. ربما كان يريد أن يضمن أن عائلته، وأنكِ يا سارة، ستكونون في مأمن."

كانت هذه الكلمات كالصاعقة. كانت سارة تسمع لأول مرة عن هذه المرأة، عن هذا الخطر الذي كان يحدق بوالدها.

"إذن،" قالت سارة، وقد شعرت ببعض الارتياح، "إذا كانت هذه هي الحقيقة، وإذا كانت الرسائل والهدية موجودة، فما الذي يمنعني من إعطاء أحمد جواباً؟"

"ربما،" قال أبو سعيد، "ربما هناك شيءٌ آخر. ربما لم تكن سعاد وحدها. ربما كان هناك شخصٌ آخر، يريد أن يستغل هذا الوضع. وهو، على حد علمي، شخصٌ يعرف جيداً كيف يتلاعب بالآخرين."

"من هو؟" سأل أحمد، وقد شعر بأن القصة أصبحت أكثر تعقيداً.

"لا أدري،" قال أبو سعيد. "ولكن، الحاج إبراهيم، كان يشعر أن هناك شخصاً يراقبه، وأن هناك من يريد الاستيلاء على ممتلكاته. ولهذا، فإنه كان يرتب أموره، ويجهز كل شيء، تحسباً لأي طارئ."

بدأت سارة تشعر بأنها تقف على حافة بركان. لم تكن تعلم أن وراء عقد زواجها، كانت تختبئ كل هذه الأسرار، وكل هذه المخاطر.

"ولكن،" قالت سارة، "إذا كان كل هذا صحيحاً، فإن عقد زواجي من أحمد، قد يكون مرتبطاً بكل هذا. ربما كان عقد زواجٍ لمصلحةٍ ما، وليس لمجرد علاقةٍ عاطفية."

نظر أبو أحمد إلى سارة، وقد بدا عليه التفكير العميق. "هذا محتمل. فالحاج إبراهيم، كان يعرف جيداً قيمة ما يملكه. وربما، كان يريد أن يضمن أن عائلته، وأن ممتلكاته، ستكون في يدٍ أمينة."

"ولكن،" قالت فاطمة، "إذا كان هذا هو الحال، فيجب أن نجد هذه الرسائل، وهذه الهدية. يجب أن نعرف ما الذي قاله الحاج إبراهيم، وما الذي أمل أن نحصل عليه من هذه القصة."

"نعم،" قال أبو سعيد. "وهذا ما سنفعله. غداً، سنذهب معاً إلى الشجرة، وسنبحث عن المكان الذي دفن فيه الحاج إبراهيم هذه الأسرار."

شعرت سارة بأن قلباً يخفق بقوة، ولكنه لم يكن خوفاً، بل كان إحساساً بالمسؤولية، وشعوراً بأنها تقف على عتبة تحقيق العدالة. لقد فتحت أبواب الماضي، ولم تعد تستطيع إغلاقها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%