الزوجة الصالحة الجزء الثالث

صدى الذكريات

بقلم سارة العمري

عادت نور إلى غرفتها، وقلبها ينبض بقوة. لم تكن معتادة على الشعور بهذا الارتباك. لطالما كانت قراراتها تتسم بالثبات والوضوح، مبنية على أسس منطقية وإيمانية. لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف. كان الأمر يتعلق بمشاعر، بمشاعر غامضة لم تفهمها تماماً.

جلست على أريكتها الوثيرة، وتأملت في كلمات سالم. "زوجة صالحة... تعينني على طاعة الله... تكون سكناً لي." كانت كلمات بسيطة، لكنها حملت معاني عميقة. هل كان سالم يبحث حقاً عن هذه المواصفات، أم أنها كانت مجرد صيغة تقليدية؟

تذكرت والدها، الشيخ عبد العزيز. كان رجلاً عظيماً، قليل الكلام، لكنه كان يملك حكمة ورؤية. كان يقضي معظم وقته في عبادة الله، وفي عمل الخير. وكانت والدتها، السيدة فاطمة، خير عون له، وسكنه الذي يطمئن إليه. هل كان سالم يشبه والدها في هذه الصفات؟

ذهبت إلى مكتبتها، وجلست أمام رف الكتب. مدّت يدها ولمست غلاف كتاب قديم، كان والدها قد أهداها إياه في عيد ميلادها العشرين. كان الكتاب يتحدث عن سير صحابيات جليلات، وعن علاقتهن بأزواجهن. كانت تقرأ هذه القصص بإنصات، وتستلهم منها.

"كنّ عوناً لأزواجهن في الخير، وسكناً يجدون فيه الراحة." همست نور. هل يمكن لسالم أن يجد فيها هذه الراحة؟ وهل تستطيع هي أن تكون له السكن والرفقة؟

مرت الأيام، وتوالت المكالمات بين عائلتي العليان والخالد. كانت السيدة فاطمة تتحدث مع الشيخ أحمد، وتناقشان تفاصيل الخطبة. أما نور، فقد كانت تتحدث مع سالم عبر الهاتف، لكن هذه المحادثات كانت قصيرة ومقتضبة. كانوا يتحدثون عن مواعيد الاجتماعات، وعن بعض التفاصيل المتعلقة بترتيبات الخطبة. لم تكن هناك فرصة لحديث أعمق، لتبادل الأفكار.

في إحدى المرات، اتصلت نور بسالم لتسأله عن ترتيبات زيارة لمؤسسة "النور" الخيرية، فقد كان يرغب في الاطلاع على سير العمل فيها. "أهلاً بكِ السيدة نور." قال سالم بصوت هادئ. "أهلاً بك أستاذ سالم. أردت أن أتحدث معك عن موعد زيارتك للمؤسسة. متى يناسبك؟" "في أي وقت يناسبكم. أنا مرن." "حسناً. هل تفضل أن يكون في يوم عمل عادي، أم في عطلة نهاية الأسبوع؟" "الأفضل في يوم عمل، حتى أرى سير العمل الطبيعي." "ممتاز. إذن، هل يناسبك يوم الخميس القادم، في الصباح؟" "يناسبني تماماً. سأكون معكم بحول الله."

صمت قصير. ثم قالت نور بتردد: "هل لديك أي أسئلة محددة تريد أن تعرفها عن المؤسسة؟" "في الواقع، لدي فضول لمعرفة قصة تأسيسها. وكيف بدأت؟" "إنها قصة مؤثرة. أسسها والدي، رحمه الله، بعد أن رأى حاجة الأيتام والأرامل في مجتمعنا. كان يحمل في قلبه رحمة كبيرة، ورغبة صادقة في مساعدة المحتاجين." "رحمه الله. يبدو أنه كان رجلاً عظيماً." "كان كذلك. كان مثالاً يحتذى به في العطاء والإخلاص." "أتمنى أن أكون مثل والدي في تقديري للعطاء. وأن أكون قادراً على المساهمة في نشر الخير."

كلماته هذه، لامست شيئاً في قلب نور. شعرت بأنها تتحدث مع شخص يفهم معنى العطاء، شخص يملك روحاً نبيلة. "آمين." قالت نور. "أتمنى ذلك لك. ولنا جميعاً." "هل تسمحين لي بسؤال شخصي أكثر؟" سأل سالم، وبدا صوته يحمل بعض التردد. "تفضل." "ما هي الأشياء التي تهمكِ حقاً في الحياة؟ ما الذي يشغل بالكِ؟" فكرت نور قليلاً. "يهمّني أمري، ويشغل بالي، أن أكون نافعة. أن أقدم شيئاً مفيداً للمجتمع. وأن أكون سبباً في إسعاد الآخرين. وأكثر من ذلك، يهمّني أن أعيش حياة ترضي الله، وأن أتبع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أكون زوجة صالحة، وأماً صالحة في المستقبل." "بارك الله فيكِ. هذه صفات عظيمة. وأنا أرى فيكِ كل هذه الصفات."

كانت كلماته الأخيرة، كبلسم على روح نور. لأول مرة، شعرت بأنها مفهومة، وبأن هذا الرجل يراها على حقيقتها. "شكراً لك أستاذ سالم. كلماتك تشجعني." قالت نور. "الشكر لله. وأنا أتطلع إلى رؤيتكِ في المؤسسة."

بعد إنهاء المكالمة، شعرت نور ببعض الارتياح. ربما لم يكن سالم مجرد رجل صامت، بل كان رجلاً يتحدث بقلبه، رجلاً يختار كلماته بعناية.

في اليوم التالي، ذهبت نور إلى منزل جدتها. كانت الجدة، السيدة عائشة، سيدة عجوز، تجاوزت الثمانين عاماً، لكنها كانت تتمتع بذاكرة قوية، وحكمة بالغة. كانت نور تحب الجلوس معها، والاستماع إلى قصصها عن الماضي.

"يا جدتي، كنت أريد أن أستشيرك في أمر." قالت نور، وهي تجلس بجانبها. "تفضلي يا ابنتي. ماذا يشغل بالكِ؟" "لقد تقدم لخطبتي شاب، اسمه سالم، ابن صديق قديم لوالدي." "سبحان الله! إنها رحمة الله. وهل أنتِ مرتاحة؟" "لست متأكدة تماماً يا جدتي. هو رجل طيب، لكنه قليل الكلام، ولا أعرف كيف ستكون حياتنا معاً." "يا ابنتي، الكلام ليس كل شيء. الرجل الصامت قد يحمل في قلبه كنوزاً. المهم أن يكون ذا خلق ودين، وأن يكون قلبه سليماً. هل رأيتِ فيه هذه الصفات؟" "نعم، أراه. ولكن خوفي من عدم التفاهم، من الفراغ في الحديث." "الزواج يا عزيزتي، ليس مجرد حديث، بل هو سكن، ومودة، ورحمة. هو تكميل لبعضكما البعض. تذكرين جدكِ، رحمه الله؟ كان رجلاً قليل الكلام، لكنه كان نعم الزوج، ونعم الأب. أما جدتكِ، فقد كنتُ أنا لسانهم، وهم كانوا قلوبهم." ضحكت نور. "نعم يا جدتي، أتذكر." "ثم يا ابنتي، الرجل الذي يخاف الله، ويتقيه، هو غالباً ما يكون زوجاً رحيماً. والشاب سالم، لقد سمعتُ عنه خيراً. والده، الشيخ أحمد، رجل فاضل." "أمي تخبرني أنه مهتم، وأنه يرى فيّ كل ما يبحث عنه." "إن كان الأمر كذلك، فلا تخافي. استخيري الله، وادعي أن يرشدكِ إلى الخير. والقلب إذا اطمأن، فلا تخافي. الصمت ليس عيباً، بل قد يكون دليلاً على قوة التفكير وعمق التأمل. ثم، أنتِ لديكِ لسان طيب، يمكنكِ أن تتحدثي، وهو يسمع ويستجيب. المهم أن يكون هناك حب متبادل، واحترام."

جلست نور في صمت، تتأمل كلمات جدتها. كانت جدتها دائماً ما تقول لها الشيء الصحيح، الشيء الذي يريح قلبها. "شكراً لكِ يا جدتي." قالت نور. "دعواتكِ لي." "الله معكِ يا ابنتي. أتمنى لكِ كل السعادة."

في المساء، وبينما كانت نور تتصفح مجلة ثقافية، قرأت مقالاً عن أهمية التواصل بين الزوجين، وكيف أن الاختلاف في أساليب التعبير ليس بالضرورة عائقاً. كتبت ملاحظة جانبية لتذكير نفسها بذلك.

كانت هذه الفترة مليئة بالتساؤلات، وبالأمل. نور لم تعد تشعر بالرفض تجاه سالم، بل بدأت ترى فيه جوانب قد تكون إيجابية. بدأت ذكريات والدها، والدروس التي تعلمتها منه، تلوح في الأفق. كانت تعلم أن الزواج مسؤولية، وأنها تبحث عن شريك حياة يعينها على هذه المسؤولية، لا عن شخص يكمل فراغها.

شعرت بأن هناك شيئاً يتغير بداخلها. لم يعد الأمر مجرد موافقة أو رفض، بل أصبح بحثاً عن انسجام روحي، وعن شريك يعينها على الوصول إلى هدفها الأسمى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%