الزوجة الصالحة الجزء الثالث
خيوط متشابكة
بقلم سارة العمري
بعد عدة لقاءات، وترتيبات رسمية، تم تحديد موعد عقد قران نور وسالم. كانت الأجواء في منزل العليان مليئة بالبهجة والاستعدادات. قامت السيدة فاطمة، بكل حماس، بتنسيق حفل بسيط، لكنه أنيق، يجمع الأهل والأصدقاء المقربين. في المقابل، كان منزل الخالد يعج بالزيارات والتهاني.
كانت نور تشعر بمزيج من السعادة والقلق. السعادة لتلبية رغبة والدتها، ولأنها وجدت في سالم رجلاً يحمل صفات طيبة، وقلقاً من المجهول، ومن قدرتها على التكيف مع حياتها الجديدة. كانت تتذكر دائماً نصيحة والدتها: "كل زواج يحتاج إلى تفاهم وصبر."
في أحد الأيام، وبينما كانت نور تتفقد تفاصيل قائمة الضيوف، رن هاتفها. كان سالم. "أهلاً بكِ السيدة نور." قال سالم بصوت هادئ، لكنه كان يحمل نبرة سعادة واضحة. "أهلاً بك أستاذ سالم. أتصل بك لأتأكد من بعض التفاصيل." "بالطبع. تفضلي." "أردت أن أسألك عن رأيك في المكان الذي سنقيم فيه الحفل. أعرف أنك كنت تفضل مكاناً هادئاً، بعيداً عن الضوضاء." "بالفعل. ولكنني سمعت أنكِ اخترتِ قاعة رياض، وهي قاعة جميلة وواسعة. لا بأس إذا كانت هذه رغبتكِ." "لم أكن أريد أن أضعك في موقف لا تريده. ولكنني أردت أن يكون المكان مناسباً للعائلتين." "بالتأكيد. رضاكِ هو الأهم. أنا فقط أحب الهدوء." "ربما يمكننا أن نجد مكاناً هادئاً لحياتنا المستقبلية." قالت نور بمرح خفيف. ضحك سالم ضحكة خفيفة، أظهرت معدنه الطيب. "هذا ما أتمناه." "أعلم أنك تشغل بالاً بكيفية إدارة مؤسسة 'النور'. أردت أن أطمئنك، أنني سأستمر في العمل فيها، وسأكون بجانبك إذا احتجت أي مساعدة." "أشكركِ جداً. هذا لطف منكِ. في الواقع، لدي بعض الأفكار حول كيفية دعم المؤسسات الخيرية بشكل عام، وأردت أن أناقشكِ فيها في وقت لاحق." "يسعدني ذلك. متى تفضل؟" "ربما بعد الزواج، عندما نستقر قليلاً. أريد أن أركز الآن على إتمام هذه الخطوة المباركة." "أتفهم ذلك."
كانت نور تشعر بالارتياح. سالم كان يظهر اهتماماً حقيقياً بعملها، ولم يكن ينظر إليه كشيء ثانوي.
ولكن، بين الاستعدادات والفرح، بدأت تظهر بعض الخيوط المتشابكة. في أحد الأيام، بينما كانت نور تتحدث مع والدتها، ذكرت لها أن الشيخ أحمد كان يتحدث عن أن سالم لديه ديون قديمة، وأنه كان يسددها بالتقاعد. "ماذا؟" قالت نور بصدمة. "ولماذا لم تخبرني والدتك؟" "ربما ظنت أن الأمر لا يهمكِ. سالم شاب طيب، ووالده قال إنها ديون بسيطة، وسيسددها قبل الزواج." شعرت نور بقلق. لم يكن المال هو المهم، بل الصدق. لماذا لم يذكر سالم هذا الأمر لها مباشرة؟ هل كان يخفي شيئاً؟
بعد يومين، قررت نور أن تتحدث مع سالم. خلال مكالمة هاتفية، قالت له بتردد: "أستاذ سالم، هل لي أن أسألك عن أمر؟" "تفضلي السيدة نور." "سمعتُ، من والدتي، أنك كنت تعاني من بعض الديون." ساد صمت قصير. ثم قال سالم بصوت هادئ: "نعم، هذا صحيح. كانت لدي بعض الالتزامات المالية التي اضطررت لتسديدها. لكن كل شيء تم تسويته الآن." "وهل كانت أموراً كبيرة؟" "لم تكن أموراً تستدعي القلق. الحمد لله." "ولماذا لم تخبرني بهذا؟" سألت نور، وبدا صوتها يحمل بعض اللوم. "لم أرد أن أقلقكِ. كنتُ أرى أن الأمر لا يخصكِ قبل الزواج. ولأنني كنتُ متأكداً من تسويته." "لكننا سنتزوج، وكل ما يخصكِ سيخصني." قالت نور. "الصدق هو أساس كل علاقة، خصوصاً الزوجية." "أتفهم ذلك. وأعتذر إذا كان تصرفي خاطئاً. لم يكن قصدي إخفاء شيء عنكِ. أردت فقط أن أظهر لكِ أنني قادر على تحمل مسؤولياتي." "أنا أؤمن بقدرتك على تحمل المسؤوليات، سالم. ولكنني أؤمن أيضاً بأهمية الشفافية."
لم يكن سالم سعيداً بهذا السؤال، ولكن نور شعرت بأنها اضطرت لطرحه. كانت ترغب في أن تكون حياتها مع سالم مبنية على أسس قوية من الثقة.
في اليوم نفسه، تلقت نور رسالة غامضة من رقم مجهول. كانت الرسالة تقول: "احذري من سالم الخالد. ليس كما يظهر. لديه أسرار كثيرة." شعرت نور بخوف شديد. من قد يكون وراء هذه الرسالة؟ هل كانت مجرد محاولة لإفساد زواجها؟ أم أن هناك شيئاً حقاً؟
حاولت نور أن تتجاهل الرسالة، لكنها ظلت تتردد في ذهنها. بدأت تفكر في سالم. هل كان هناك جانب مظلم في شخصيته؟ هل كان يخفي عنها حقائق أخرى؟
في يوم لقاء سابق، وبينما كانت نور وسالم يتحدثان عن أحلامهما المستقبلية، سألته عن أكبر مخاوفه. قال حينها: "أكبر مخاوفي هو أن أفشل في إسعاد من أحب. أن أخيب ظنهم." هل كان هذا اعترافاً بما يخفيه؟
في تلك الليلة، لم تستطع نور النوم. كانت الرسالة الغامضة، وحديث الديون، كلها تتداخل في ذهنها. هل كانت على وشك أن تخطو خطوة نحو السعادة، أم نحو كارثة؟
شعرت بأن خيوط حياتها بدأت تتشابك بطرق لم تتوقعها. كانت تشعر بالحب تجاه سالم، وبالثقة فيه، ولكن هذه الشكوك بدأت تزرع بذرة خوف في قلبها. هل كانت ترى في سالم شريك الحياة المثالي، أم أنها كانت تخدع نفسها؟