الزوجة الصالحة الجزء الثالث
غياهب النفس ووهج الهوى
بقلم سارة العمري
كانت ليالي رمضان المبارك تثقل كاهل عمر بخوف لم يعهده من قبل. لم تعد آيات الذكر الحكيم تمنحه السكينة التي اعتادها، ولم تعد صلواته تفيض بالخشوع. كان شبح والدته المهيب يخيم على أفكاره، وصورته وهي تقف أمام القضاة، تدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة، ترتسم في مخيلته كلما أغمض عينيه. لقد كانت تلك المعركة القضائية، وإن وانتهت بانتصارها، قد خلفت ندوباً غائرة في روحه، وأيقظت فيه رغبة جامحة في الدفاع عن كل ما هو جميل وعفيف، وهو ما وجده في سارة.
لكن سارة، هي ذاتها، بدأت تشكل له هاجساً جديداً، فتنة من نوع آخر. كانت رقتها، وحياءها، وذكاءها الفطري، وقلبها الذي ينبض بالإيمان، أشبه بنسيم عليل يداعب صحراء روحه القاحلة. كان يراقبها من بعيد، يترقب خطواتها في الحديقة، يتابع حديثها الهادئ مع جدتها، ويستمع إلى صوتها العذب وهي تتلو آيات القرآن. كانت تمثل له نموذجاً للمرأة الصالحة التي طالما حلم بها، لكنه كان يشعر في الوقت ذاته بعجز يفوق طاقته عن الاقتراب منها، خوفاً من أن يدنس طهارتها بحضوره.
في إحدى الليالي، بعد صلاة التراويح، حيث انفض الناس عن المسجد وعاد كل إلى سبيله، وجد عمر نفسه متردداً عند باب منزل جد سارة. كانت الأنوار لا تزال متوهجة في الداخل، ورائحة البخور تفوح من النافذة المفتوحة. تمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، واستجمع شجاعته، وطرقت الباب برفق.
فتحت له الحاجة فاطمة، جدة سارة، بعينين لامعتين رغم تقدم السن. ابتسمت ابتسامة دافئة وقالت: "تفضل يا بني، ما الذي أتى بك في هذا الوقت المتأخر؟"
دخل عمر، وقلبه يخفق بسرعة. كان المنزل بسيطاً، لكنه مليء بالدفء والروحانية. رائحة القهوة العربية الممزوجة بالهيل تملأ المكان، وصوت الآذان يردد عبارات الحمد والشكر. رأى سارة تجلس في زاوية الغرفة، تحمل كتاباً، ترتدي ملابس بيت بسيطة، لكنها تضفي عليها هالة من الوقار والجمال. رفعت رأسها فور سماع صوت أمه، وفي عينيها بريق فضول لطيف.
"أردت... أردت أن أطمئن على الحاجة، وأن أعتذر عن عدم تمكني من حضور مجلس العلم الذي أقمتموه أمس،" قال عمر، يرتجف صوته قليلاً.
ابتسمت الحاجة فاطمة قائلة: "لا عليك يا بني، كنا نعلم أن لديك مشاغل. تفضل بالجلوس. سارة، أحضري بعض التمر وماءً بارداً لعمر."
جلس عمر، ولا يزال يراقب سارة وهي تتحرك بخفة ورشاقة. كانت نظراتها تلتقي بنظراته للحظات، ثم تعود إلى مهمتها، مخلفة وراءها خجلاً لطيفاً. أحست سارة بثقل نظرات عمر، وكانت تدرك أنها أصبحت محور اهتمامه، لكنها كانت تحاول جاهدة أن لا تبدي أي رد فعل قد يفسره هو أو غيره بطريقة خاطئة. كانت تعلم أن سمعتها، وسمعة عائلتها، أمانة في عنقها.
"لقد سمعت عن قضية والدتك،" قالت الحاجة فاطمة بلطف، "وأردت أن أقول لك إننا ندعو لها بالفرج والتيسير. أعانها الله وربط على قلبها."
تأثر عمر بهذا الكلام، وشعر بدموع تتجمع في عينيه. "جزاك الله خيراً يا حاجة. لم أكن أتوقع هذا اللطف منكم."
"كلنا في الهم سواء يا بني،" قالت الحاجة فاطمة، "والدين المعاملة. والحمد لله، فقد اجتهدت والدتك في تربيتك على الأخلاق الحسنة، وهذا ما نراه فيك."
تنهد عمر بعمق، ونظر إلى سارة التي كانت تضع أمامه كوب ماء وبعض التمر. "أرى في سارة أيضاً مثالاً للأخلاق التي تحدثتم عنها. إنها... إنها نور في هذا الزمن."
شعرت سارة بحرارة تصعد إلى وجهها، وتجنبت النظر إليه. كانت تعلم أن كلمات عمر لم تكن مجرد مجاملة، بل كانت تحمل صدقاً عميقاً، وهذا ما جعلها تشعر بالضيق والقلق في آن واحد. كانت ترى في عمر الشاب الطموح، الذي يمتلك قلباً طيباً، لكنها كانت تخشى أن تتشابك حياتهما بشكل قد لا يكون في صالح أحدهما. كان هناك حاجز غير مرئي يفصل بينهما، حاجز من التقاليد، ومن مخاوف الماضي، ومن تطلعات المستقبل.
"إنها نعمة من الله،" قالت سارة بصوت خافت، وعيناها مثبتتان على حافة الكوب.
"نعمة تتطلب حمداً وشكراً،" أضاف عمر، متلمساً الفرصة للحديث معها مباشرة. "وأنا أشكر الله كل يوم على وجودها في هذه المدينة."
احمر وجه سارة أكثر، لكنها لم تتكلم. كانت الحاجة فاطمة تبتسم في هدوء، تراقب تفاعلاتهما. كانت ترى في عمر الخير، لكنها كانت تدرك أيضاً تعقيدات الوضع. كانت تعلم أن والدة عمر، السيدة زينب، تعاني من مرض نفسي شديد، وأن قضيتها لم تكن بسيطة. وكانت تعلم أيضاً أن سارة شابة في مقتبل العمر، مستقبلها لا يزال مفتوحاً على مصراعيه.
"أتذكر في رمضان الماضي،" قالت الحاجة فاطمة، تحاول تخفيف التوتر، "كنت أتحدث مع سارة عن فضل قيام الليل. وقد أخبرتها أن أفضل وقت للدعاء هو في الثلث الأخير من الليل."
"وهل كنتِ تدعين لي يا سارة؟" سأل عمر، وعيناه تتجهان إليها بنظرة شغف مكبوت.
شعرت سارة بأن قلبها يقفز. "كنت أدعو لكل المسلمين بالخير،" قالت بصوت مرتجف قليلاً.
"ولكن هل كان دعاؤك لي مميزاً؟" أصر عمر، وكأنه يريد إجابة محددة.
نظرت سارة إلى جدتها، تستمد منها القوة. "كل دعاء يخرج من القلب له خصوصيته، يا أستاذ عمر."
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، وشعر بأن كلماتها هذه، رغم دبلوماسيتها، تحمل قدراً من الاهتمام. "أتمنى أن تكون دعواتك صادقة، لأنني في أمس الحاجة إليها."
"ولماذا يا أستاذ عمر؟" سألت الحاجة فاطمة، ملامحها بدأت تنذر بشيء من القلق.
"والدتي،" قال عمر بمرارة، "حالها يزداد سوءاً. والأطباء يقولون إن الضغوط النفسية والعصبية هي السبب الرئيسي. إنها تعيش في عالم من الوهم والخوف، ولا أجد ما أفعله لتخليصها منه."
كانت عينا سارة تلمعان بالشفقة. "الله المستعان. نسأل الله لها الشفاء العاجل."
"إنني أشعر بالعجز،" اعترف عمر، "وأخشى أن أفقدها. لقد علمتني الكثير، وكانت سندي الأول. إنها سبب كل ما أنا عليه اليوم. ولكن... كيف أواجه هذا الأمر وحدي؟"
شعر عمر بأن كلماته تنساب منه كاعتراف مؤلم، وكأنه يبحث عن يد تمتد إليه في وسط عاصفة. كانت سارة تستمع بانتباه، وعيناها تراقبان تعابير وجهه المتألمة. لم ترَ فيه هذه المرة الشاب الواثق بنفسه، بل إنساناً ضعيفاً، يعاني من وطأة الظروف.
"لا يمكنك أن تواجه وحدك يا أستاذ عمر،" قالت سارة بصوت حنون، وخرجت الكلمة منها قبل أن تفكر. "الله مع الصابرين. ولديك عائلة، وأصدقاء."
"ولكن هل لديهم القدرة على فهم ما تمر به؟" سأل عمر، وعاد بصره إليها. "إنني أشعر أنني معزول في صراعي هذا."
"المرض النفسي ابتلاء عظيم،" قالت الحاجة فاطمة بحكمة، "وهو يحتاج إلى صبر ودعاء ورعاية خاصة. هل جربتم استشارة متخصصين في هذا المجال؟"
"لقد جربنا كل شيء،" أجاب عمر بأسى. "لكن يبدو أن الأمر يتجاوز العلاج التقليدي. إنها بحاجة إلى دعم نفسي وعاطفي لا أجده."
صمت عمر للحظة، وكأنه يستجمع قواه. ثم نظر إلى سارة مباشرة، وقال بصوت متهدج: "لقد علمتني والدتي أن أرى الجمال في كل شيء، حتى في أصعب الظروف. ورأيت هذا الجمال فيك، يا سارة. رأيته في نقائك، وفي إيمانك. وأعتقد أنك... قد تكونين قادرة على بث شيء من الطمأنينة في روح والدتي."
ذهلت سارة. لم تتوقع أبداً أن يصل الأمر إلى هذا الحد. أن يُطلب منها أن تساهم في شفاء والدة رجل بالكاد تعرفه. "ولكن... أنا؟ كيف؟"
"لا أعرف كيف،" اعترف عمر، "لكنني أؤمن بك. أؤمن بقلبك الطيب. وربما، إن استطعتِ أن تحدثيها، أن تجلسي معها، أن تشاركيها شيئاً من نورك، قد يساعد ذلك."
كانت كلمات عمر تحمل ثقلاً لا يستهان به. كان يضع بين يديها أملاً، ولكنه في الوقت نفسه كان يضع عليها مسؤولية كبيرة. نظرت سارة إلى جدتها، وعيناها تسألان عن رأيها. بدت الحاجة فاطمة مترددة. كانت تعرف أن ما يطلبه عمر أمر حساس، ويتطلب حكمة وصبرًا.
"يا بني،" قالت الحاجة فاطمة، "ما تطلبه عظيم. وسارة ما زالت صغيرة. ولكن، إن كان في ذلك خير، وكنتِ أنتِ يا سارة تشعرين بالقدرة على المساعدة، فلنترك الأمر لله. ولكن يجب أن نتصرف بحذر شديد، وأن نتجنب أي شيء قد يثير الشبهات."
نظرت سارة إلى عمر. في عينيه لم يكن هناك مجرد طلب، بل كان هناك رجاء. رجاء في أن تجد والدته بصيص أمل في ظلمة مرضها. شعرت بمسؤولية عظيمة تجاه هذا الرجل، وتجاه والدته المريضة. "سأفعل ما في وسعي، يا أستاذ عمر،" قالت بصوت قوي، وهي تتحدى خوفها. "ولكن يجب أن يكون كل شيء واضحاً. وأن يكون هدفنا الوحيد هو مساعدة والدتك."
ابتسم عمر ابتسامة واسعة، بدت وكأنها تضيء وجهه المتعب. "شكراً لك يا سارة. شكراً لك من أعماق قلبي. أعرف أن هذا الطلب كبير، ولكنه يدل على معدنك الأصيل."
عاد الخوف إلى قلب سارة. لقد فتحت باباً، ولم تكن تعلم إلى أين سيقودها. لكنها كانت تعلم أنها لا تستطيع أن تخيب أمل رجل يحمل عبئاً ثقيلاً، ورجل تشعر نحوه بشيء من التقدير الذي تجاوز حدود الاحترام. كانت تعرف أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن هناك عقبات كثيرة قد تظهر. لكنها كانت مستعدة لمواجهة ما سيأتي، مدعومة بإيمانها، وبدعوات جدتها، وبالرغبة الصادقة في فعل الخير.