الزوجة الصالحة الجزء الثالث

أطياف الماضي وظلال الحاضر

بقلم سارة العمري

في اليوم التالي، استيقظت سارة على أشعة الشمس الذهبية التي تتسلل عبر ستائر غرفتها، حاملة معها نسيم رمضان العليل. كانت لا تزال تشعر بثقل كلمات عمر، وبالمسؤولية التي وضعت على عاتقها. لم يكن الأمر مجرد مساعدة في مرض نفسي، بل كان يتعلق بامرأة، بوالدة، وبأسرة تعيش صراعاً مريراً. كانت تدرك أن مجرد وجودها بالقرب من والدة عمر، السيدة زينب، قد يثير تساؤلات، وقد يخلق حساسيات.

جلست مع جدتها لتناول وجبة السحور. كانت الحاجة فاطمة تنظر إليها بعينين مليئتين بالحب والقلق. "كيف تشعرين يا ابنتي؟" سألت بصوت ناعم.

"لا أدري يا جدتي،" أجابت سارة، "أشعر بأنني أمام مفترق طرق. ما يطلبه عمر كبير. ولكنني لا أستطيع أن أرفض له طلباً، خاصة وأنه في محنة."

"الله لا يكلف نفساً إلا وسعها،" قالت الحاجة فاطمة، "ونحن سنفعل ما في وسعنا. المهم أن تضعي حدوداً واضحة، وأن يكون كل شيء في حدود الشرع. لا نريد أن نعطي لأحد فرصة للشك أو التحدث. ستذهبين معه، ولكن سأذهب معك. ولن تطيلي الزيارة. ستكون الزيارة الأولى مجرد تعريف، وربما تتحدثين إليها قليلاً عن أي شيء بسيط."

شعرت سارة بالراحة فور سماع كلام جدتها. وجود الحاجة فاطمة بجانبها سيمنحها القوة والدعم اللازمين. "شكراً لك يا جدتي. وجودك سيطمئنني كثيراً."

عندما أذّن الفجر، وصلى الجميع، قام عمر بزيارة مفاجئة لمنزل جدة سارة. كان يحمل في يديه صندوقاً صغيراً من التمور الفاخرة، وباقة من الياسمين الأبيض. "صباح الخير،" قال وهو يدخل، وعيناه تبحثان عن سارة.

"صباح النور،" ردت الحاجة فاطمة، "لم نتوقع زيارتك هذا الصباح."

"لقد قمت بترتيب بعض الأمور،" قال عمر، "وأردت أن أتأكد من استعداد سارة. ستكون رحلتنا اليوم إلى منزل والدتي. إنها تسكن في بيت قريب من هنا، في ضاحية هادئة."

كان عمر قد استأجر شقة صغيرة لوالدته في مكان هادئ، بعد أن حاول إعادتها إلى منزلهم القديم، لكنه وجد أن التغيير قد يكون مفيداً لها. كانت الشقة بسيطة، لكنها مفروشة بأثاث مريح، وتحتوي على حديقة صغيرة.

"حسناً،" قالت الحاجة فاطمة، "سأذهب معك. وأنا سأتحدث مع والدة عمر أولاً. وأنت يا سارة، كوني هادئة، ولا تخافي. تصرفي على طبيعتك."

عندما وصلا إلى منزل السيدة زينب، استقبلتهما سارة بخجل. كانت السيدة زينب جالسة في غرفة الجلوس، ترتدي ملابس فضفاضة، وعيناها شاخصتان إلى نافذة تطل على الحديقة. كان عمر قد أخبرها أن هناك ضيفة ستأتي لزيارتها، وأنها فتاة طيبة.

"أمي، هذه الحاجة فاطمة، وجدتها سارة،" قال عمر بصوت هادئ.

نظرت السيدة زينب إليهما ببطء، وفي عينيها بريق من الرهبة. ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. "أهلاً وسهلاً. تفضلن."

كانت الحاجة فاطمة هي التي تولت زمام الحديث. تحدثت عن رمضان، وعن فضل الأيام العشر الأواخر، وعن بركة الدعاء. كانت كلماتها بسيطة، لكنها كانت تحمل حكمة عميقة، وبدت وكأنها تخاطب روح السيدة زينب مباشرة. كانت سارة تقف خلف جدتها، تراقب الموقف بحذر.

"إنها قصة جميلة يا حاجة،" قالت السيدة زينب بصوت واهن، "لكن القصص الجميلة أصبحت بعيدة عني."

"الجمال موجود دائماً يا سيدتي،" قالت سارة بصوت خافت، "ولكنه قد يتوارى خلف غيوم الهموم. نحتاج فقط لمن يساعدنا على إزاحة هذه الغيوم."

التفتت السيدة زينب إلى سارة، ولأول مرة، نظرت إليها بعينين فيها بعض التركيز. "ومن أنتِ يا فتاة؟"

"أنا سارة،" قالت، "وأنا... أهوى قراءة الشعر، والاستماع إلى القرآن. وأحب الأشياء الهادئة، والطيور."

بدأت السيدة زينب تبتسم ابتسامة طبيعية هذه المرة. "الطيور؟ أنا أيضاً أحب الطيور. هل رأيتِ فراشة بالأمس؟ كانت جميلة جداً."

شعر عمر ببعض الأمل. كانت هذه هي المرة الأولى منذ وقت طويل التي تتحدث فيها والدته عن شيء حقيقي، شيء من الواقع. "رأيت الكثير من الفراشات اليوم، أمي،" قال عمر، "وكانت ألوانها زاهية جداً."

"هل كانت صفراء؟" سألت السيدة زينب بحماس.

"نعم، كانت هناك صفراء، وبرتقالية، وزرقاء أيضاً،" أجاب عمر.

"أحب اللون الأزرق،" قالت السيدة زينب، وعيناها تلمعان. "إنه لون السماء، ولون البحر."

جلست سارة في هذه اللحظة بجانب السيدة زينب، وقالت بهدوء: "إن السماء واسعة يا سيدتي، ومليئة بالخير. وعندما ننظر إليها، نشعر بالراحة والطمأنينة."

بدأت السيدة زينب تتحدث عن السماء، وعن السحب، وعن النجوم. كانت تتحدث وكأنها تعود إلى طفولتها. كانت الحاجة فاطمة تستمع بإنصات، وتدعو في صمت.

مر وقت طويل، ولم تشعر سارة بالملل. كانت تتحدث مع السيدة زينب عن أشياء بسيطة: عن رائحة الورد، عن صوت المطر، عن جمال الطبيعة. كانت تبتعد عن أي مواضيع قد تثير قلقها أو خوفها. كان عمر يراقبها بانبهار. لقد كان يبحث عن امرأة صالحة، فوجدها في سارة، ولكنه الآن رأى فيها أيضاً إنساناً عظيماً، يمتلك قلباً رحيماً، وقدرة على بث الأمل في نفوس الآخرين.

قبل المغادرة، تقدمت سارة بخطوة نحو السيدة زينب، وقالت: "سأعود لزيارتك قريباً، يا سيدتي. وسنستمر في الحديث عن جمال الأشياء."

"هل ستعودين؟" سألت السيدة زينب، وقد بدت عليها علامات السرور.

"بالتأكيد،" أجابت سارة بابتسامة.

عندما عادا إلى المنزل، كان عمر يشعر بخفة لم يشعر بها منذ سنوات. "لقد كنتِ رائعة يا سارة،" قال بصوت عميق، "لم أكن أتوقع منك هذا. أنتِ فعلاً... هبة من السماء."

احمر وجه سارة، وشعرت بالحرج. "لقد فعلت ما في وسعي. والأمر كله بيد الله. والأهم من ذلك، هو حرص جدتي على أن تكون كل الأمور في نصابها الشرعي."

"بالتأكيد،" قال عمر، "وهذا ما أقدره فيكم. لقد كنتِ حكيمة، وصاحبة قلب كبير. لا أعرف كيف أشكرك."

"لا تحتاج لشكر،" قالت سارة، "لكنني أرجو أن تستمر والدتك في التحسن."

"إنني أرى بصيص أمل الآن،" قال عمر، "بفضلكم. لقد عدتِ إليّ الأمل الذي كنت أخشى أن يضيع مني."

في تلك اللحظة، شعر عمر بأن علاقته بسارة قد تجاوزت حدود الاحترام المتبادل، وأنها تتجه نحو شيء أعمق. كان يرى في عينيها شيئاً من الاهتمام، وشيئاً من التعاطف، ولكنه كان يخشى أن يفسر الأمر بطريقة خاطئة. كانت سارة لا تزال تلتزم بحدودها، لكنه كان يشعر بأن القلوب بدأت تتحدث بلغة غير مسموعة.

في الأيام التالية، استمرت زيارات سارة إلى السيدة زينب، بمرافقة جدتها. كانت كل زيارة تجلب معها المزيد من التحسن. بدأت السيدة زينب تتذكر تفاصيل من حياتها، وتتفاعل بشكل أكبر. كان عمر يراقب هذا التغيير بامتنان بالغ، وكان يرى في سارة المنقذة، والمرأة التي أعادت إليه بعضاً من نور حياته.

لكن هذا التقارب، ورغم كل الاحتياطات، لم يمر دون أن يلاحظه البعض. كان هناك بعض الجيران، وبعض المعارف، الذين بدأوا يلتفتون إلى كثرة زيارات عمر لمنزل سارة، وإلى وجود سارة مع عمر في أماكن عامة، وإن كان ذلك بحضور جدتها. بدأت الهمسات تنتشر، كأنها أفاعٍ تلوح في الظلام. كانت هذه الهمسات، وإن كانت خافتة، تحمل في طياتها تهديداً صامتاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%