الزوجة الصالحة الجزء الثالث
وشوشات الشك ونيران الغيرة
بقلم سارة العمري
كان شهر رمضان يزداد نوراً وبركة، لكن الهمسات بدأت تلقي بظلالها القاتمة على حياة سارة. لم تكن الفتاة تحلم أبداً بأن تكون محور أحاديث الناس، ولم تكن تسعى للشهرة أو لفت الأنظار. كانت حياتها الهادئة، المليئة بعبادة الله، وحب عائلتها، ورعاية جدتها، كافية لأن تشعرها بالسعادة. لكن، كما يقولون، "لا دخان بلا نار".
بدأت القصة بملاحظات بسيطة. "لم أعد أرى الأستاذ عمر في المسجد كما كان من قبل"، "غالباً ما يكون في ضاحية كذا"، "هل سمعتم عن الفتاة التي يرافقها؟". ثم تطورت الهمسات إلى اتهامات مبطنة، وإلى تفسيرات لا تخلو من سوء النية. كانت بعض النساء، اللاتي كن يطمعن في عمر، أو كن يشعرن بالغيرة من سارة، يبدأن بنشر الأحاديث، معززات إياها ببعض التفاصيل المبالغ فيها.
"لقد رأيت سارة مع عمر في السوق، يتحدثان وكأنهما زوجان"، قالت إحداهن، وهي تحاول أن تزرع الشك في قلوب الأخريات. "والأدهى من ذلك، أن جدتها لم تعد ترافقها في كل الأوقات."
"نعم، وأنا سمعت أن عمر يزورها في منزلها في الصباح الباكر، قبل أن تشرق الشمس!" أضافت أخرى، وهي تطلق ضحكة خبيثة.
كانت هذه الأحاديث، وإن كانت غير صحيحة، تنتشر كالنار في الهشيم، تصل إلى أسماع الكثيرين، ومنهم بعض الأشخاص الذين كانت تربطهم علاقة احترام بعائلة سارة. كانت سارة تشعر بالقلق، وكانت تدرك أن هذه الهمسات قد تؤثر سلباً على سمعتها، وعلى مستقبلها.
"جدتي، هل سمعتِ ما يقول الناس؟" سألت سارة جدتها ذات مساء، وعيناها مليئتان بالقلق. "إنهم يتحدثون عني وعن عمر بشكل لا يليق."
نظرت الحاجة فاطمة إلى سارة، وفي عينيها حكمة السنين. "يا ابنتي، حديث الناس لا يمكن أن نتحكم به. ولكن ما يهم هو ما نفعل نحن، وما هي نوايانا. لقد فعلنا كل ما في وسعنا لتجنب أي شبهة. زياراتك للسيدة زينب كانت بهدف مساعدة مريضة، وهذا ما يجب أن نتمسك به. عمر كان برفقتك في هذه الأوقات، ولم تكن علاقتكما خارج إطار الحاجة والمساعدة."
"ولكنهم يفسرون الأمور بطريقة أخرى،" قالت سارة، "وهم يخلطون بين مساعدة والدته وبين علاقة بيني وبينه."
"هذه هي طبيعة البشر يا عزيزتي،" قالت الحاجة فاطمة، "يُحبون أن يتحدثوا عن الآخرين، وأن يحللوا حياتهم. ولكن يجب ألا ندع كلماتهم تؤثر علينا. طالما أننا على الحق، وطالما أننا نسعى لإرضاء الله، فلا نخشى شيئاً. وعمر، ما لمسته فيه، رجل يخاف الله، وهو يعلم جيداً حدود العلاقة بين الرجال والنساء."
"ولكن ماذا لو استمروا في نشر هذه الشائعات؟" سألت سارة، "إنها قد تضر بي، وقد تمنعني من الزواج في المستقبل."
"لا تقلقي يا ابنتي،" قالت الحاجة فاطمة، "إن الله هو الحافظ. ونحن سنكون أكثر حذراً. لن نذهب إلى منزل والدة عمر إلا بحضوري، وسنحرص على ألا تكون الزيارات طويلة. وأنتِ، كوني على طبيعتك، ولكن مع المزيد من التحفظ."
في غضون ذلك، كان عمر يشعر بالقلق أيضاً. لقد بدأت تصل إليه بعض الهمسات، وبعض الأسئلة المبطنة من أصدقائه. "هل بدأت الأمور تأخذ منحى جاداً بينك وبين سارة؟" كانوا يسألونه، وهم يبتسمون. كان عمر ينفي الأمر، ولكنه كان يشعر بأن الأمور بدأت تتعقد.
كان يرى سارة في المسجد، وفي بعض المناسبات العائلية، وكان يتبادل معها النظرات، ولكن لم يعد بإمكانه التحدث معها كما كان في السابق. كان يشعر بأن هناك حاجزاً غير مرئي قد وضع بينهما، حاجز من الشكوك، ومن الأحاديث التي تنتشر.
في إحدى الليالي، وبعد صلاة العشاء، لمح عمر سارة وهي تتحدث مع فتاة من جيرانها. بدت سارة متأثرة، وكانت دموعها تتساقط على خديها. اقترب عمر منها، وهو يتساءل ما الذي يحدث.
"ما الأمر يا سارة؟" سأل بقلق.
"لا شيء يا أستاذ عمر،" أجابت سارة، وهي تحاول أن تمسح دموعها.
"لا يبدو لي أن الأمر لا شيء،" قال عمر، "من فضلك، تحدثي إليّ."
وقفت الفتاة التي كانت تتحدث مع سارة، ونظرت إلى عمر بتردد. "إنها... إنها تبكي بسبب ما يقوله الناس عنها."
"ماذا يقول الناس؟" سأل عمر، وشعر بأن الغضب يبدأ يتصاعد في داخله.
"يقولون إنها... إنها تتلقى هدايا منك، وأنك تقضي معها وقتاً طويلاً، وأن هناك علاقة بينكما."
اشتعل وجه عمر غضباً. "هذا هراء! من يجرؤ على قول ذلك؟"
"لقد سمعت هذه الأحاديث من أكثر من شخص،" قالت الفتاة بخجل.
"وهل صدقتِ أنتِ هذه الأحاديث؟" سأل عمر، ونبرة صوته تحمل لوماً.
"لا، بالتأكيد لا،" أجابت الفتاة بسرعة، "ولكني شعرت بالأسف على سارة."
"إنهم يسيئون فهم كل شيء،" قال عمر، وهو يلتفت إلى سارة. "نحن نساعد والدتي، وهذا كل ما في الأمر. وبحضور جدتك."
"ولكن حتى هذا الأمر أصبح محل تشكيك،" قالت سارة بصوت متقطع. "لقد بدأت أخاف. أخاف أن يضر هذا بسمعتي، وبسمعة عائلتي."
"يجب أن نضع حداً لهذا،" قال عمر بعزم. "سأتحدث إلى والدي، وسأتحدث إلى كبار العائلة. يجب أن نوجه رسالة واضحة لهؤلاء الناس."
"لا أعرف إن كان ذلك سيجدي نفعاً،" قالت سارة بحزن. "الألسنة التي تطعن لا تتوقف بسهولة."
"لكننا سنحاول،" قال عمر، "أنا لن أسمح لأحد بأن يشوه سمعتك، أو أن يتلاعب بسمعتي."
في تلك اللحظة، كان هناك شخص آخر يراقب هذا المشهد من بعيد، شخص كان يشعر بنيران الغيرة تتأجج في صدره. كان الشاب خالد، الذي كان معجباً بسارة منذ فترة طويلة، ولكنه كان يخشى التقدم إليها. لقد رأى عمر وسارة يتحدثان، ورأى قلق عمر وحنانه عليها. لقد فسر هذا الموقف على أنه دليل على عمق العلاقة بينهما.
"إنهم بالفعل قريبان جداً،" تمتم خالد لنفسه، وهو يشعر بالأسى. "لقد كان عليّ أن أتقدم بخطوة قبل أن يفعلها هو."
قرر خالد أن يستغل هذه الأحاديث لصالحه. بدأ يتحدث إلى بعض أصدقائه، وهو يلمح بأن عمر يخادع سارة، وأن علاقته بها ليست بريئة. كان يحاول أن يزرع الشك في قلوب الآخرين، وأن يجعلهم يعتقدون بأن سارة تنجرف في علاقة غير شرعية.
"إن عمر رجل معروف،" كان يقول خالد، "ومن السهل أن ينجرف في مثل هذه العلاقات. أما سارة، فهي فتاة طيبة، وربما لا تدرك خطورة الموقف. قد يكون عمر يستغل طيبتها."
كانت هذه الكلمات، وإن كانت مستوحاة من الغيرة، قد وجدت أرضاً خصبة في بعض النفوس. لقد أضافت بعداً آخر إلى المشكلة. لم تعد القضية مجرد همسات، بل أصبحت حرباً نفسية، تتلاعب بمشاعر الناس، وتشوه الحقائق.
كانت سارة تشعر بأنها محاصرة. كانت تسعى لفعل الخير، ولكنها وجدت نفسها في دوامة من الاتهامات والأقاويل. كانت تفكر في التوقف عن زيارة والدة عمر، ولكنها كانت تعلم أن ذلك سيؤذي والدته، وسيخذل عمر. كانت في موقف لا تحسد عليه، عالقة بين واجبها، وبين خوفها على سمعتها.