الزوجة الصالحة الجزء الثالث

عبق الياسمين ومرارة الفراق

بقلم سارة العمري

وقفت ليلى على شرفة غرفتها، ترقب ظلال المساء وهي ترتسم على جنبات منزل العائلة الكبير. كان عبق الياسمين، عطرها المفضل، يتسلل عبر النوافذ المفتوحة، يداعب أنفاسها المتعثرة. لم تعد تلك الابتسامة المشرقة التي كانت تزين وجهها في الأيام الأولى لزواجها، فقد استقرت على شفتيها خطوط دقيقة تحمل قلقاً لم تكن تتوقعه. كان أحمد، زوجها، يغيب كثيراً هذه الأيام. لم تكن تشكو منه، فظروف عمله كانت معروفة، ورجولته تمنعه من التخلي عن مسؤولياته. لكن غيابه، خاصة عندما يصطحبه الصمت الطويل، كان يزرع في قلبها شعوراً بالوحشة يتسع كحقل من الألغام.

كانت ترغب في الحديث إليه، أن تشاركه همومها الصغيرة التي تكبر في غيابه، أن تسمع صوته المطمئن وهو يشرح لها سبب انشغاله. لكنه كان يعود غالباً متعباً، يغفو سريعاً، تاركاً إياها وحيدة مع أفكارها. تذكرت ليلى الأيام الأولى، كيف كان يتفنن في إظهار حبه، وكيف كانت سعادته مرآة لسعادتها. الآن، بدا وكأن هناك جداراً خفياً يرتفع بينهما، جدار من الصمت والتساؤلات.

في ذلك المساء، قررت أن تواجهه. حين عاد أحمد، وجدها جالسة في الصالة، ترتدي ثوباً بسيطاً، لكنه كان يعكس أناقتها المعتادة. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان إرهاقاً بدا أعمق من مجرد تعب جسدي.

"أهلاً بك يا حبيبي،" قالت ليلى بصوت هادئ، حاولت أن تجعله دافئاً قدر الإمكان.

"أهلاً بكِ،" أجاب أحمد، وجلس على الأريكة، يتنهد بعمق. "يوم طويل."

"أعلم. هل تناولت طعامك؟" سألت، وهي تتقدم نحوه.

"لا، سآكل شيئاً خفيفاً."

جلست بجانبه، وسكتت لدقيقة، تستجمع شجاعتها. "أحمد، هل كل شيء على ما يرام؟"

رفع رأسه، ونظر إليها بعينين تحملان مزيجاً من المفاجأة والحذر. "ماذا تقصدين؟"

"أشعر بأنك بعيد هذه الأيام. غيابك، صمتك... هل هناك شيء يزعجك؟"

انقبض وجه أحمد. استغرق في صمت بدا أطول من المعتاد. ثم قال، ببطء: "الأمر معقد يا ليلى. هناك بعض المسؤوليات التي تقع على عاتقي، وأنا أحاول التعامل معها."

"ولماذا لم تشاركني؟ أنا زوجتك، ولي الحق في معرفة ما يشغل بالك. أليس كذلك؟"

تنهد أحمد مجدداً. "ليس الأمر كذلك. الأمر يتعلق بعملي، ببعض الأمور التي لا أحب أن أقلقك بها."

"لكنني قلقة بالفعل، يا أحمد. قلقة لأنني أراك هكذا. قلقة لأنني أشعر بأنك لم تعد تشاركني حياتك كما كنت."

وقف أحمد، وتجول في الغرفة. بدا وكأنه يبحث عن كلمات، أو عن مخرج. "ليلى، هناك ضغوط لم أكن أتوقعها. هناك أشخاص يطالبونني بأمور... أمور قد تؤثر على سمعتي، وعلى استقرارنا."

"هل تقصد الشركة؟ هل هناك مشكلة مالية؟" سألت ليلى، وقلبها يبدأ بالخفقان بقوة.

"ليس تماماً. الأمر أكثر تعقيداً." توقف أحمد، ونظر إليها. "هناك شريك قديم في العمل، ظهر بعد غياب طويل. لديه مطالب... مطالب غير منطقية."

"وما هي هذه المطالب؟"

"لا أريد أن أثقل كاهلك بهذه التفاصيل. ثقي بي، أنا أتعامل مع الأمر."

"ثقتي بك لا تعني أن أعيش في جهل، يا أحمد. أنا أعيش معك، وأشعر بكل ما تشعر به. إذا كنت تواجه مشكلة، فأنا جزء من الحل، أو على الأقل جزء من الدعم."

استدار أحمد نحوها. بدت عيناه تحملان مزيجاً من العجز والرغبة في الحماية. "هذا هو السبب يا ليلى. أريد حمايتك. أريد أن أبعدك عن أي شيء قد يؤذيك."

"لكن ابتعادي عنك هو ما يؤذيني، يا أحمد. أن أراك تتألم وحدك، وأن أشعر بأنني غريبة عن عالمك... هذا هو الألم الحقيقي."

جلست ليلى، وبدأت الدموع تنهمر على خديها. لم تكن دموع ضعف، بل دموع اشتياق للفهم، وللتقاسم. "أنا لا أخشى شيئاً، ما دمت بجانبي. لكنني أخشى هذا البعد الذي بدأ ينمو بيننا."

اقترب أحمد منها، وجلس بجانبها، ممسكاً بيدها. كانت يده باردة. "سامحيني يا ليلى. ربما أكون قد أخطأت في تقدير الأمور. ظننت أنني قادر على حمل كل شيء وحدي."

"نحن فريق يا أحمد. ومن واجب الفريق أن يدعم بعضه البعض."

احتضنها أحمد، وشعر بصلابة جسدها، وبرقة روحها. كانت تلك اللحظة، وإن كانت تحمل عبق الياسمين، إلا أنها بدأت تحمل أيضاً مرارة التساؤلات. لم يكن الحل بسيطاً، ولم يكن الطريق مفروشاً بالورود. كان هناك طريق شاق ينتظرهما، طريق يتطلب صبراً، وثقة، وعملاً دؤوباً. هل ستتمكن ليلى من اختراق جدار صمته؟ وهل سيستطيع أحمد أن يبني جسراً من الثقة يجمع بين عالميهما؟ كانت تلك مجرد بداية، والمسار لا يزال طويلاً.

*

كانت الساعات تمر ببطء في منزل والدي ليلى. جلست والدتها، الحاجة فاطمة، في غرفتها، تتلو أذكارها وتستغفر. كانت تشعر بقلق غامض، قلق الأم الذي لا تعرف أسبابه، لكنه يتسلل إلى القلب كظل موحش. تذكرت حديثها مع ابنتها قبل أيام، حين تحدثت عن بعض التغيرات التي طرأت على أحمد، وعن انشغاله المفرط. كانت تعلم أن الزواج رحلة، وأن الأيام الأولى قد تكون صعبة، لكن ما كانت تسمعه من ليلى بدا مختلفاً.

"يا رب، احفظ لي ابنتي، واجعلها في عين زوجها أحسن النساء." همست الحاجة فاطمة، وهي تضع المصحف جانباً.

كانت شقيقتها الصغرى، سارة، لا تزال تعيش معهم. كانت سارة فتاة مرحة، لكنها كانت تحمل في قلبها حباً صامتاً لأحمد، وإن كانت تدري أنها مجرد أخت. كانت تراقب ليلى بحذر، وترى التغير الذي طرأ عليها. شعرت بسارة ببعض الذنب، وكأنها المسؤولة عن هذا التغيير، مع أنها لم تفعل شيئاً سوى الاستماع لحديث ليلى.

في صباح اليوم التالي، حين استيقظت ليلى، وجدت أحمد قد غادر مبكراً. لم يترك لها أي رسالة، لكنها عرفت أنه ذهب إلى عمله. احتضنت وسادته، واستشعرت رائحة عطره الخفيفة. كانت تعرف أن ما قاله لها لم يكن سوى جزء من الحقيقة. كان هناك شيء أكبر، شيء أعمق، يثقل كاهله.

قررت ليلى أن تتصل بصديقتها المقربة، زينب. كانت زينب متزوجة منذ سنوات، وكانت مرجعاً لليلى في أمور الحياة الزوجية.

"مرحباً زينب، كيف حالك؟" قالت ليلى، وهي تجلس على طرف السرير.

"ليلى! يا حبيبتي. كيف حالك؟ لم أسمع صوتك منذ فترة."

"بخير، الحمد لله. أردت أن أتحدث معك قليلاً."

"تفضلي، أنا أسمعك."

حكت ليلى لزينب كل شيء، عن غياب أحمد، عن صمته، عن حديثهما الأخير، وعن شكوكها.

"أتفهم قلقك يا ليلى. الأهم هو أنكما تحدثتما. هذا هو المفتاح. لا تدعي الأمور تتراكم."

"ولكنه لم يخبرني بكل شيء. أشعر بأنه يخفي عني شيئاً مهماً."

"ربما هو يحاول حمايتك. الرجال أحياناً يعتقدون أنهم أقوياء بما يكفي ليحملوا كل شيء وحدهم. دورك الآن هو أن تظلي قريبة منه، أن تبثي فيه الثقة، وأن تذكريه بأنكما فريق."

"لكن كيف؟ أشعر بأنني أقف أمام جدار."

"الصبر يا ليلى. والصلاة. ادعي كثيراً. وأظهري له حبك ودعمك بطرق عملية. حاولي أن تخلقي جواً مريحاً في المنزل، أن تكوني له الملاذ الآمن."

"فعلت ذلك، لكن يبدو أنه لم يكن كافياً."

"لا تيأسي. ربما يحتاج وقتاً. ربما هو يحاول حمايتك من مشكلة حقيقية، لا تريدين أن تكوني جزءاً منها."

"ولكن كيف أكون جزءاً من حياته إذا لم أكن جزءاً من مشاكله؟"

"هذا هو التحدي. ابقي قوية يا ليلى. أنتِ امرأة صالحة، ورزينة. ستجدين الطريقة."

بعد أن أنهت ليلى المكالمة، شعرت ببعض الراحة، لكن القلق لم يتبدد تماماً. كانت تعرف أن طريق العلاج طويل، وأن عليها أن تتحلى بالصبر والقوة.

وفي المساء، حين عاد أحمد، وجد ليلى قد أعدت عشاءً بسيطاً. جلسا يتناولان الطعام في صمت، صمت مريح هذه المرة، لم يكن يحمل الثقل الذي كان يحمله بالأمس. ثم، حين كانا يجلسان في الصالة، قالت ليلى: "أحمد، هل يمكننا أن نجلس ونتحدث بهدوء؟"

نظر إليها أحمد، وبدت عيناه أقل انقباضاً. "بالتأكيد يا ليلى."

"أعلم أن هناك شيئاً يزعجك، وأعلم أنك تحاول حمايتي. ولكن أريدك أن تعرف شيئاً واحداً." توقفت ليلى، وأخذت نفساً عميقاً. "أنا أؤمن بك. أؤمن برجولتك، وقدرتك على حل المشاكل. ولكن، أنا أيضاً مؤمنة بقوة الشراكة. أريد أن أكون شريكتك الحقيقية، في السراء والضراء."

نظر إليها أحمد طويلاً، بدت على وجهه علامات التأثر. ثم قال بصوت خافت: "أنا أقدر لك ذلك يا ليلى. جداً."

"إذاً، ما رأيك أن نبدأ بوضع الأمور في نصابها؟ ربما نستطيع أن نرى الأمور بشكل أوضح معاً. أنت تحدثني، وأنا أستمع. لا أحكم، ولا أضغط. فقط أستمع."

ابتسم أحمد ابتسامة باهتة، لكنها كانت أول ابتسامة حقيقية تراها منذ أيام. "ربما... ربما يكون هذا هو الحل."

كانت تلك الكلمات بداية. بداية طريق طويل، لكنه طريق مليء بالأمل. عبق الياسمين لا يزال يملأ المكان، لكن هذه المرة، كان يحمل معه رائحة الوحدة، ورائحة بداية المصالحة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%