حب الأوطان
همسة الريح في صحراء العمر
بقلم سارة العمري
كانت الصحراء تحكي أسرارها القديمة تحت سماءٍ لا تعرف سوى الله، تتلألأ فيها النجوم كألماسٍ نثرته يد القدر. رمالٌ بلون الذهب حين يداعبها شعاع الشمس، ولون الشفق حين يلوح الغروب، ولون العاج حين يغمرها ضوء القمر. هنا، حيث تتجلى عظمة الخالق في كل ذرة رمل، وحيث يتنفس الإنسان نقاء الوجود، كانت "لمى" تشق طريقها. لم تكن مجرد فتاةٍ تعبر الصحراء، بل كانت رحلةٌ بأكملها، تحمل في قلبها هواجسٍ تضطرب كأعاصير خفية، وعزمٍ لا يلين كصلابة الصخر.
كانت فرسها "الصهباء" تنفخ بخارًا من فمها في صقيع الليل الباكر، وعيناها سوداوان كبحرٍ عميق، تبديان الوفاء والذكاء. لمى، بشالها المنسدل على كتفيها، وغطاء رأسها الذي يحجب سوى لمحةٍ من وجهها ذي الملامح الحادة، بدت كفارسةٍ من زمن الأساطير. كانت تمسك بزمامها بيدٍ قوية، أصابعها مغطاةٌ بالقفازات الجلدية، وعيناها ترصدان الأفق بعينٍ خبيرة، لا تخطئ أي حركةٍ غريبة أو ظلٍ عابر.
كانت وجهتها معروفة، وقصتها بدأت قبل سنواتٍ طوال. قصةٌ نسجتها أقدارٌ متشابكة، وعلاقاتٌ امتزج فيها الحب بالواجب، والشوق بالألم. وصلت إلى قلب هذه الفيافي الشاسعة، ليس بحثًا عن كنزٍ مادي، بل عن كنزٍ روحي، عن إجابةٍ تتردد أصداؤها في جوفها منذ زمن. لقد ورثت عن جدها، الذي كان من سادة هذا البيداء، خريطةً قديمة، لا تدل على مكانٍ أرضي، بل على مكانٍ في القلب. خريطةٌ مرسومةٌ بأحرفٍ عربيةٍ كلاسيكية، مزينةٍ برسومٍ غريبة، تتحدث عن "أرض السلام"، وعن "لقاء الأرواح".
ارتعش صوتها وهي تنادي على "الصهباء" بهمسٍ، وكأنها تخشى أن توقظ سكون الصحراء. "هيا يا حبيبتي، لم يبق الكثير."
كانت قد قطعت مسافاتٍ شاسعة، تحمل زادها القليل، وتستلهم قوتها من إيمانها العميق. لم تكن وحيدةً في سعيها، فقد كانت ترافقها ذكرى جدها، ووصيته الأخيرة: "يا لمى، إن أعظم كنوز الدنيا ليست في الذهب والفضة، بل في معرفة النفس، وفي إدراك سر الخلق، وفي العثور على السكينة التي تتجلى في قلوب الأتقياء. ابحثي عن 'أرض السلام'، فهي مفتاح كل ما ضاع."
فجأة، سمعت صوتًا غريبًا، ليس صوت الريح، ولا صوت دابةٍ معروفة. صوتٌ أشبه بتمتماتٍ خافتة، تأتت من بعيد. جمدت "الصهباء" في مكانها، وأرجعت أذنيها. وضعت لمى يدها على مقبض السيف المعلق على خصرها، وبدأت تشد انتباهها لكل شبرٍ من حولها. هل هي مجرد هلوساتٍ سببتها الوحدة والتعب؟ أم أن هناك من يتربص بها؟
حركت "الصهباء" رأسها باتجاهٍ معين، وبدأت تمشي بخطواتٍ حذرة. لمى، وإن كانت تتملكها شجاعةٌ نادرة، إلا أن قلبها بدأ يخفق بعنف. لم تكن تخشى الموت، لكنها كانت تخشى أن تفقد فرصة تحقيق ما تسعى إليه.
تسلل الضوء الباهت للقمر ليكشف عن منظرٍ لم تتوقعه. كان هناك رجلٌ يقف وحيدًا، متربصًا بين الصخور. لم تكن هيئته واضحةً تمامًا في الظلام، لكن وقفته كانت توحي بالثبات والقوة. ثم، حدث ما جعلها تشعر بقشعريرةٍ تسري في عروقها. رفع الرجل يده، وسمعت صوتًا آخر، أعلى هذه المرة، صوتٌ فيه نبرةٌ قاسية، وكأنه يأمر شيئًا ما.
تجمعت حوله ظلالٌ أخرى، لا ترى تفاصيلها، لكنها تدرك أنها ليست مجرد أشباح. بدأت تشعر بأنها محاصرة. رفعت لمى سيفها، وقلبها يدق بقوةٍ تصل إلى حلقها. صرخت بصوتٍ مدوٍ، تحدٍّ لم يخرج إلا من روحٍ قوية: "من أنتم؟ وماذا تريدون؟"
لم يأتِ ردٌ مباشر، بل تحركت الظلال باتجاهها. شعرت بأن الصحراء، التي كانت ملجأها، قد تحولت إلى فخٍ كبير. وفي تلك اللحظة، وبينما كانت تستعد للمعركة، انبعث صوتٌ من بعيد، صوتٌ يحمل نغمةً أخرى، نبرةٌ مختلفة تمامًا، نبرةٌ تشبه النداء.
استدارت "الصهباء" فجأة، وكأنها سمعت شيئًا لم تسمعه لمى. رأى لمى في تلك اللحظة، من بين الظلال المتجمعة، وجهًا واحدًا، وجهًا شابًا، كان يتقدم ببطء، يحمل في يده مصباحًا صغيرًا يلقي بضوئه الخافت على طريقه. لم يكن وجهًا قاسيًا، بل كان يحمل تعبيرًا غريبًا، مزيجًا من الدهشة والتردد.
وإذ بالظلال الأخرى تتراجع قليلًا، وكأن وجود هذا الشاب قد أحدث تغييرًا. تقدم الشاب أكثر، وبدأت ملامحه تظهر بوضوح. كانت لديه عينان واسعتان، تحملان بريقًا غامضًا، وشعرٌ أسودٌ فاحم. تقدم نحوها، وبيده مسبحةٌ من الخرز الخشبي، يحركها ببطء.
"لا تخافي أيتها الأخت،" قال بصوتٍ هادئ، لكنه كان يحمل صدىً قويًا. "أنا لست منهم."
كانت لمى تقف متأهبة، وعيناها لا تفارقان الشاب، ولا الظلال خلفه. من هو هذا الشاب؟ ولماذا جاء في هذا الوقت؟ ومن هم هؤلاء الذين يحيطون بها؟
"من تكون؟" سألت لمى، وصوتها لا يزال متوترًا.
"اسمي 'سالم'. وأنا هنا بسبب صوتٍ سمعته، صوتٌ استغاثةٍ خفية. أما هؤلاء،" أشار بيده إلى الظلال، "فهم حراسٌ قدامى، لا يسمحون لأحدٍ بالعبور."
"العبور إلى أين؟" سألت لمى، وشعرت بفضولٍ يتسلل إلى قلبها، إلى جانب الخوف.
"إلى 'واحة الأسرار'،" أجاب سالم، وبدا أن عينيه تلمعان في ضوء القمر. "إلى المكان الذي تقود إليه الأساطير. هل تبحثين عن شيءٍ يا أخت؟"
لم تستطع لمى أن تنكر، لم تستطع أن تخفي ما تحمل. "نعم، أبحث. أبحث عن إجابات."
تلاقت عيناهما للحظة، وفيهما شيءٌ من الدهشة، وشيءٌ من التقارب غير المفهوم. كانت "الصهباء" لا تزال متأهبة، والظلال خلف سالم تتحرك ببطء، وكأنها تنتظر إشارة.
"يبدو أننا نبحث عن نفس الشيء،" قال سالم، وبدأت نبرة صوته تتغير، تحمل شيئًا من الأمل. "ربما، يمكننا البحث معًا. فالصحراء لا تحكي أسرارها إلا لمن يبحث عنها بقلبٍ واحد."
وقف سالم بين لمى والظلال، وبدأ يتحدث إلى الظلال بلغةٍ لم تفهمها لمى، لغةٌ قديمة، كأنها همسات الريح. وببطء، بدأت الظلال تتلاشى، وكأنها تستجيب لكلامه.
ثم التفت سالم إلى لمى، وابتسامةٌ خفيفة علت وجهه. "لقد استجابوا. يبدو أنكِ تحملين نورًا يشع في هذه الظلمات."
شعرت لمى بارتياحٍ غريب. هل هذا هو الحظ؟ أم أن القدر يلعب لعبته؟ "شكرًا لك يا سالم. لم أكن أتوقع هذا."
"نحن في صحراءٍ واحدة،" قال سالم. "ومن واجب المسلم أن يعين أخاه، أو أخته، في دروب الحياة. فلنكمل معًا. فواحة الأسرار تنادينا."
نظرت لمى إلى الصحراء الشاسعة، ثم إلى سالم، وبدا أن قلبها قد وجد شيئًا من السكينة، شيئًا من الأمل. هل كانت هذه بداية رحلةٍ جديدة، رحلةٌ ستقودها إلى ما تبحث عنه، أم إلى ما لم تتوقعه أبدًا؟