الفصل 12 / 25

حب الأوطان

اعترافاتٌ مؤجلةٌ وخطواتٌ حذرة

بقلم سارة العمري

شهدت الأيام القليلة التالية مزيجاً من الشكوك الحذرة والاقتراب المتزايد بين نور وأحمد. لقد أصبحت كل محادثةٍ بينهما تحمل ثقلاً إضافياً، ثقلاً من المعلومات المكتشفة، والتحديات المتوقعة. كانت نور تشعر بأنها تقف على حافة عالمٍ لم تكن تعرف بوجوده، عالمٍ تتداخل فيه القصص القديمة مع الواقع المعاصر.

جلست نور مع والدتها، محاولةً استكشاف المزيد عن صداقتها القديمة. "أمي،" قالت بصوتٍ خفيض، "هل كنتِ تعرفين زميلةً لخالتكِ أميرة اسمها ليلى؟"

نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بابتسامةٍ حانية. "ليلى؟ نعم، كانت زميلةً مميزةً جداً لخالتكِ. لقد كانتا مثل الأختين. أذكر أنها كانت تأتي إلى منزلنا كثيراً."

"وهل كان هناك شخصٌ آخر في حياتهما؟" سألت نور، محاولةً أن تبدو طبيعية. "شخصٌ كان يحاول التقرب من خالتكِ؟"

ارتسمت على وجه السيدة فاطمة علاماتٌ من التفكير. "رامي… نعم، أتذكر هذا الاسم. كان شاباً طموحاً، لكنه كان غريباً بعض الشيء. أحب أن يفرض رأيه. وقد سمعتُ أن خالتكِ لم تكن مرتاحةً له. لكنني لم أعرف أن الأمر وصل إلى هذا الحد."

"أمي،" قالت نور بجدية، "هل تعرفين إن كانت هناك أي صلةٍ بين هذه القصة وبين مجالات عملكِ، أو عمل عائلة أحمد؟"

ترددت السيدة فاطمة. "والله يا ابنتي، لم يكن الأمر في تفكيري. الأمور القديمة غالبًا ما تُنسى. ولكن… كانت هناك بعض الخلافات التجارية في الماضي، بين شركاتٍ مختلفة. ولستُ متأكدةً إن كان رامي طرفاً فيها."

"هل يمكنكِ أن تتذكري أي شيءٍ عن هذه الخلافات؟" سألت نور.

"لا، ليس الآن،" قالت السيدة فاطمة. "لكنني سأبحث في أوراقي القديمة. ربما وجدت شيئاً قد يفيد. ولكن، لماذا كل هذه الأسئلة عن الماضي يا نور؟ هل هناك شيءٌ يقلقكِ؟"

شعرت نور بأنها لا تستطيع إخفاء الحقيقة أكثر من ذلك. "أحمد، الرجل الذي تقدم لخطبتي، هو شخصٌ رائعٌ جداً. وقد اكتشفت أن هناك صلةً بين عائلتيهما وبين تاريخٍ معقدٍ. ويبدو أن هناك من يحاول إيذائه، وقد يكون مرتبطاً بـ… رامي."

نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بذهولٍ، ثم ببعض القلق. "رامي؟ هل أنتِ متأكدة؟"

"نعم يا أمي،" قالت نور، وشرحت كل ما عرفته. "أحمد قلقٌ جداً، وأنا أيضاً. نحن نحاول كشف الحقيقة، ولكن الأمور معقدة."

"يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، وعيناها تلمعان بالدموع، "لقد كنتُ أرى في أحمد ما لم أره في غيره. لقد كان رجلاً محترماً، وله أخلاقٌ رفيعة. ولكن، إذا كان هذا الماضي يحمل معه خطرًا، فعليكم أن تكونوا أشد حذرًا. ربما يجب أن نستشير شخصًا أكبر سنًا، لديه خبرةٌ في هذه الأمور."

"من تقصدين يا أمي؟" سألت نور.

"ربما… عم أحمد، السيد خالد. إنه رجلٌ حكيمٌ، ولديه بصيرةٌ في الأمور التجارية والاجتماعية. يمكن أن يساعدنا في فهم ماضي هذه الأعمال."

في نفس الوقت، كان أحمد يلتقي بعمه السيد خالد، رجلٌ وقورٌ ذو شاربٍ أبيض، وعينين تحملان حكمة السنين.

"لقد أخبرني والدي أنكِ تواجهين بعض المشاكل يا أحمد،" قال السيد خالد بصوتٍ هادئ. "هل الأمر يتعلق بالعمل؟"

"ليس تماماً يا عمي،" قال أحمد، وبدأ يشرح كل شيءٍ له، عن نور، وعن قصة رامي، وعن المخاوف التي تحيط بهم.

استمع السيد خالد بانتباهٍ شديد، ثم قال: "رامي… هذا الاسم يذكرني ببعض الأمور. كان هناك رجلٌ يعمل في مجال الاستثمار، وكان له سمعةٌ سيئةٌ في ممارساته. كان يحب أن يأخذ ما ليس له. لقد كانت هناك بعض القضايا التجارية التي ربما تورط فيها، لكن الأمور لم تكن واضحةً تماماً. هل أنت متأكدٌ أن هذا هو رامي؟"

"أنا لست متأكداً تماماً،" قال أحمد. "ولكن، كل الدلائل تشير إلى ذلك. والسيدة أميرة، خالة نور، كانت ضحيةً لمحاولاته في الماضي."

"هذا يجعل الأمور أخطر،" قال السيد خالد. "إذا كان لديه تاريخٌ مع عائلة نور، فقد يكون هذا هو الدافع. ولكن، إذا كان رجلاً وحيداً، كما تقول، فمن أين له القدرة على تهديدك الآن؟"

"هذه هي النقطة التي نحتاج إلى فهمها يا عمي،" قال أحمد. "لقد شعرتُ بوجوده، وكأن هناك من يراقبني. ولكنني لم أستطع تحديد هويته."

"علينا أن نكون حذرين جداً،" قال السيد خالد. "إذا كان هذا الشخص لديه القدرة على التخفي، فقد يكون لديه شبكةٌ من المساعدين. ولكن، بما أنكِ وجدتِ رابطاً قوياً بينه وبين عائلتكِ، وعائلة نور، فقد يكون لديه دافعٌ شخصيٌ قوي. لا تدعوا حبكما يعيق حكمتكم. كونوا أذكياء، وكونوا متيقظين."

"شكراً لك يا عمي،" قال أحمد. "كلماتك مطمئنةٌ ومفيدة."

"علينا أن نجمع المعلومات،" قال السيد خالد. "سأتحدث مع بعض معارفي القدامى في عالم الأعمال، لعلهم يذكرون شيئاً عن رامي. ولكن، في الوقت نفسه، لا تزال هناك نقطةٌ غامضة: كيف أثرت قصة رامي على عائلة أحمد؟"

"هذا ما سنحاول اكتشافه،" قال أحمد. "نور والدتها، والسيدة ليلى، والدتي، كانتا صديقتين. ربما هناك شيءٌ في تلك الصداقة، ربما شيءٌ يتعلق برامي، أثر على حياتهما."

"هذا هو الخيط الذي يجب أن تتشبثا به،" قال السيد خالد. "وإذا كان الأمر يتعلق بالعمل، فالمال غالبًا ما يكون الدافع."

عادت نور إلى منزلها، تشعر بثقلٍ أكبر. لقد اكتشفت أن والدتها قد تحدثت مع خالتها، وأنهم قد استقروا على استشارة السيد خالد. لقد بدأت تتشكل خطةٌ، ولكنها كانت لا تزال في بدايتها.

في المساء، تحدث أحمد مع نور. "لقد تحدثتُ مع عمي،" قال. "وهو وعد بالمساعدة في البحث عن معلوماتٍ عن رامي. وعلمتُ أن والدتكِ قد تحدثت مع خالتكِ أيضاً."

"نعم،" قالت نور. "والتقت والدتي مع خالتكِ، وسيتحدثون مع عمكِ خالد. يبدو أننا بدأنا نتجمع، كعائلاتٍ، لمواجهة هذا الأمر."

"هذا جيد،" قال أحمد، وشعر بارتياحٍ طفيف. "ولكن، هل أنتِ مستعدةٌ لمزيدٍ من البحث؟ لقد وجدنا بعض الوثائق القديمة في مكتبة والدي. وثائقٌ تتعلق ببعض الاستثمارات القديمة. قد نجد فيها شيئاً عن رامي، وعن صلةٍ له بعائلتنا."

"بالتأكيد،" قالت نور. "أنا مستعدةٌ لأي شيءٍ لمعرفة الحقيقة. ولكن… هل تعتقد أننا يجب أن نخبر والدينا بكل التفاصيل؟"

"لقد أخبرتُ والدي،" قال أحمد. "وهو على درايةٍ كاملة. ولكن، والدتي… لم أخبرها بكل شيءٍ بعد. أخشى أن أُقلقها. ولكن، ربما حان الوقت. هي أيضاً جزءٌ من هذه القصة، وجزءٌ من هذه العائلة."

"نعم،" وافقت نور. "علينا أن نكون صريحين تماماً. لا يمكننا أن نترك أسراراً تغذي الظلام."

نظر أحمد إلى نور، وشعر بقوةٍ جديدةٍ تجمع بينهما. لم تكن مجرد قوة الحب، بل قوة الحقيقة، وقوة العائلة. لقد أدرك أنهم يسيرون في طريقٍ لا رجعة فيه، طريقٌ يجمع بين الماضي والحاضر، طريقٌ سيكشف عن المزيد من المفاجآت، وربما… عن المزيد من الألم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%