حب الأوطان
الفجر الذي حمل معه أسرار الأمس
بقلم سارة العمري
كان نسيم الصباح العليل يتسلل من نافذة غرفة لينا، ليوقظها بلطف من سبات عميق. لم يكن مجرد نسيم، بل كان يحمل معه رائحة الياسمين المتفتحة في بساتين جبل الزيتون، ممزوجة بعبق البخور الذي يتصاعد من بيوت القرية النائمة. فتحت عينيها ببطء، تشعر بثقل الأفكار يثقل قلبها. بالأمس، كانت خطواتها تقودها إلى حيث تتلاقى دروب الأمل مع أشباح الماضي. لقاءٌ لم يكن مخططاً له، بل ألقى به القدر في غير موعده، ترك في نفسها أثراً عميقاً، وفتح باباً إلى ذكريات لوّنت حياتها بلونٍ لم تكن تتوقعه.
نظرت إلى يديها، وكأنها ما زالت تشعر بلمسةٍ قديمة، بوجودٍ كان يوماً جزءاً من روحها. تذكرت نظرة عيني فادي، تلك النظرة التي حملت مزيجاً من الأسف والدهشة، وكأنما الزمن لم يمر بينهما. كيف له أن يتغير إلى هذا الحد؟ وكيف لأيامٍ مضت أن تمحو كل شيء؟ كانت تتساءل، وقلبها يتمزق بين الحقيقة التي فرضها الواقع، وبين صدى المشاعر التي أبت أن تندثر.
نهضت من فراشها، وتوجهت نحو المرآة. ألقت نظرة على وجهها، ترى فيه تعب سهرٍ طويل، وعلامات أسئلةٍ لا تجد لها جواباً. شعرها الطويل، الذي كان يوماً ينسدل كليلٍ بهيج، بدا اليوم كأنه يحمل هموم السنين. وضعت يدها على وجنتها، محاولةً استعادة دفء الأيام الخوالي. لكن الدفء كان باهتاً، كأن الشمس تخجل من إرسال أشعتها الكاملة.
نزلت إلى المطبخ، حيث كانت والدتها، الحاجة فاطمة، تعدّ الفطور. رائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح في المكان، ممزوجة بعبق الخبز الطازج. ابتسمت الحاجة فاطمة لابتسامةٍ مرهقة، وقالت بصوتٍ حنون: "صباح الخير يا ابنتي. هل نمتِ جيداً؟ تبدين شاحبة اليوم."
أجابت لينا بوهن: "صباح النور يا أمي. قليلاً من الأرق، لا أكثر."
جلست الحاجة فاطمة مقابلها، وأخذت تضع أمامها صحناً من اللبنة الطازجة، وخبزاً ساخناً، وزيتوناً أسود. "لا بأس. ربما تحتاجين إلى بعض الراحة. أنتِ تعملين بجدٍ كبير في المكتبة."
"العمل ممتع يا أمي، لكنه يحتاج إلى تركيز." قالت لينا، محاولةً إخفاء ما تشعر به. لم تكن تريد أن تقلق والدتها. لكن رؤية فادي، رؤية الأثر الذي تركه غيابه عليها، كان أمراً لا يمكن تجاوزه بسهولة.
بعد الفطور، توجهت لينا إلى مكتبتها الصغيرة، تلك الواحة الهادئة التي كانت ملاذها ومقرّ أعمالها. أمسكت بكتابٍ قديم، صفحاته صفراء، ورائحته تعبق بعبق التاريخ. جلست على مقعدها المفضل قرب النافذة، وشعرت بأن دفء الشمس يغمرها. بدأت تقرأ، لكن الكلمات لم تعد تستقر في ذهنها. كانت صور فادي، وكلماته، ونظرته، تتداخل مع سطور الكتاب.
كيف يمكن لشخصٍ غاب عن حياتها سنواتٍ طويلة، أن يعود ليقلب موازين كل شيء؟ كيف له أن يجعل قلبها يخفق بتلك السرعة، وكأنها فتاةٌ في مقتبل العمر؟ كانت تعلم أن هذا الشعور خطير، أنه دربٌ قد يقودها إلى حيث لا تريد. كانت تحرص دائماً على التزام حدود الله، وعلى صون قلبها من كل ما يغضبه. لكن فادي كان يمثل لها ماضياً جميلاً، ماضياً لم تكن ترغب في نسيانه، ولكنه كان أيضاً حاضراً يحمل معه ألف سؤالٍ وسؤال.
مرّت ساعاتٌ ثقيلة، ولينا تتأرجح بين محاولة استعادة تركيزها، وبين التفكير فيما جرى. أغمضت عينيها، واسترجعت مشهد اللقاء. فادي، بشعره الذي شاب قليلاً، ولحيته التي أصبحت أكثر كثافة، وعينيه اللتين لم تفقد بريقهما. لقد كان رجلاً مختلفاً، لكن روحه بدت مألوفة.
"هل أنتِ بخير يا لينا؟" صوتٌ مفاجئ أيقظها من شرودها. كانت خديجة، زميلتها في المكتبة، تقف أمامها بابتسامةٍ قلقة.
"أهلاً خديجة. نعم، بخير." أجابت لينا، محاولةً استعادة رباطة جأشها.
"تبدين شاردة الذهن منذ الصباح. هل هناك ما يقلقك؟" سألت خديجة، وهي تجلس على الكرسي المقابل.
ترددت لينا قليلاً. لم تكن تريد مشاركة ما تشعر به مع أحد، لكن خديجة كانت صديقةً مقربة، وتثق بها. "لقد قابلت شخصاً بالأمس... شخصٌ كنت أعتقد أنني لن أراه مرة أخرى."
"ومن هو هذا الشخص؟" سألت خديجة باهتمام.
"إنه فادي." قالت لينا بصوتٍ خافت.
اتسعت عينا خديجة دهشة. "فادي؟ فادي الذي...؟"
أومأت لينا برأسها. "نعم. إنه هو."
"لا أصدق! كيف؟ أين؟" تتابعت أسئلة خديجة.
"لقد كان في السوق. رأيته بالصدفة. تحدثنا قليلاً." قالت لينا، وتشعر بأن قلبها يدق بقوة.
"وماذا قال؟ وماذا قلتي له؟" كان صوت خديجة يحمل فضولاً ممزوجاً ببعض القلق.
"لا شيء مهم. أسئلةٌ عابرة، وذكرياتٌ قديمة. لكن... رأيته مختلفاً يا خديجة. تغير كثيراً."
"بالتأكيد تغير. لقد مرت سنواتٌ طويلة. هل ما زلتِ تفكرين فيه؟" سألت خديجة بصراحة.
تنهدت لينا. "لا أعرف. لقد كان جزءاً من ماضيّ. جزءٌ لم أستطع نسيانه تماماً. ورؤيته مجدداً... أثارت فيّ شيئاً."
"شيئاً؟ هل هو الحب يا لينا؟" سألت خديجة، وهي تنظر إلى صديقتها بعينين متفهمتين.
"لا أعرف. ربما. لكنني لا أريد أن أقع في نفس الأخطاء. لقد تعلمت درساً قاسياً." قالت لينا، متذكرةً الألم الذي عاشته.
"أعلم. لكن الماضي قد يكون درساً، وليس قيداً. ربما هو عاد ليعتذر؟ أو ليصحح أخطاءه؟"
"لا أعرف. لكنني أفضل أن أبقى في مكاني. لا أريد أن أفتح أبواباً مغلقة."
"أفهمكِ. ولكن لا يمكنكِ دائماً إغلاق الأبواب التي يفتحها القدر. أحياناً علينا مواجهة ماضينا لنمضي قدماً." قالت خديجة، وهي تضع يدها على يد لينا.
شعرت لينا بدفءٍ يغمرها. صديقتها كانت على حق. لم يكن ممكناً أن تنكر ما شعرت به. رؤية فادي كانت كافية لإعادة فتح جروحٍ قديمة، ولإثارة مشاعرٍ ظنت أنها ماتت. لكنها كانت تعلم أيضاً أن عليها أن تكون حذرة، وأن تحافظ على نفسها، وعلى قلبها، وعلى مبادئها.
ابتسمت لينا بخفوت. "شكراً لكِ يا خديجة. أنتِ دائماً تفهمينني."
"هذا ما فعله الأصدقاء. والآن، فلنعد إلى العمل. لديّنا كتبٌ لتنظيمها، وأوراقٌ لتصنيفها. الحياة تستمر، يا لينا."
عادت لينا إلى مهامها، لكن قلبها ظلّ يخفق بنبضٍ مختلف. لم يعد هادئاً كما كان. لقد حمل معه نسمةً من الماضي، وعطراً لفجرٍ لم يكتمل بعد. هل كانت هذه اللقاءات محض صدفة، أم بدايةً لقصةٍ جديدة؟ لم تكن تعلم، لكنها شعرت بأن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير.