حب الأوطان
همسات الشك وأمل المستقبل
بقلم سارة العمري
جلست لينا في غرفتها، وقد أطبقت الباب خلفها، وكأنها تريد أن تعزل نفسها عن العالم بأكمله. لم تكن الغرفة ضيقة، بل كانت واسعة وكبيرة، مليئة بالكتب والدفاتر، ورائحة الورق القديم. ولكنها شعرت بأنها أصبحت أصغر، وكأن الجدران تضيق عليها، وتضغط على صدرها.
كيف يمكن أن يحدث هذا؟ مجرد لقاءٍ بالصدفة بالأمس، ثم زيارةٌ مفاجئة من والدة فادي اليوم، لتطلب يد ابنتها. هل كان كل شيءٍ مرتباً؟ أم أن القدر كان يلعب لعبته مرة أخرى؟
تذكرت تفاصيل زيارة السيدة عائشة. نظراتها، كلماتها، ابتسامتها الواثقة. كانت واضحة، وصريحة، ومباشرة. لم تترك مجالاً للشك في رغبتها. كانت تبحث عن زوجةٍ لابنها، وفادي، كما قالت، أصبح شاباً مسؤولاً.
ولكن، هل كان فادي نفسه يعرف بما كانت والدته تخطط له؟ هل كان موافقاً؟ هذه الأسئلة كانت تزن على قلب لينا كالصخر. لم تستطع أن تتخيل أن فادي قد عاد ليطلب يدها، بعد كل ما حدث. بعد سنواتٍ من الصمت، والبعد، والألم.
"لينا؟ هل أنتِ بخير؟" صوت والدتها يكسر صمت الغرفة.
فتحت لينا الباب، ورأت وجه والدتها القلق. "أهلاً يا أمي."
"ما الذي حدث؟ تبدين شاحبةً جداً." قالت الحاجة فاطمة، وهي تضع يدها على جبين لينا.
"لا شيء يا أمي. مجرد بعض التفكير."
"التفكير في فادي؟" سألت والدتها بحذر.
أومأت لينا برأسها.
"وهل تعتقدين أن ما قالته أم فادي كان من عند نفسها؟ أم أن فادي كان يعرف؟"
"هذا ما يقلقني يا أمي. إذا كان فادي لم يكن يعلم، فإن الأمر قد يكون محرجاً له. وإن كان يعلم، فهذا يعني أنه يفكر في الأمر جدياً."
"فادي شابٌ ذكي. وبالتأكيد، يعرف كيف يتحدث مع والدته. ربما تحدث معها قبل أن تأتي إلينا."
"لكن، هل هو حقاً يريد ذلك؟ هل أراد أن يعود؟" تساءلت لينا، وشعرت بدموعٍ تتجمع في عينيها.
"العودة إلى الماضي لا تكون دائماً سهلة، يا ابنتي. ولكن، إذا كانت هناك فرصة لبناء مستقبلٍ سعيد، فلا يجب أن نرفضها بمجرد الخوف."
"لكنني خائفة يا أمي. خائفة من أن أتعلق به مرة أخرى، ثم يرحل. خائفة من أن يتكرر الألم."
"الألم جزءٌ من الحياة، يا لينا. ولكن، ليس كل ما يبدأ بالألم، ينتهي به. أحياناً، تكون التجارب القاسية هي التي تعلمنا كيف نحب بصدق، وكيف نبني علاقاتٍ قوية."
"لكن فادي... لم يرسل لي أي شيء. لم يكلمني. لقد اختفى."
"ربما كان لديه أسبابه. كل إنسان لديه أسبابٌ لأفعاله. ولكن، إذا كان يريد العودة، فهذه هي الفرصة. فرصتكِ لتعرفيه من جديد، وفرصته ليعرفكِ من جديد."
"ماذا لو أننا وافقنا، ثم اكتشفنا أنه لم يعد الرجل الذي أردته؟"
"عندما تتزوجين، يا ابنتي، لن يكون الزواج مجرد ارتباطٍ جسدي. سيكون بناءً مشتركاً، وتعاوناً، وتفاهماً. إذا كان هناك حبٌ صادق، فستتغلبون على أي صعوبات. وإذا لم يكن، فالعلاقة ستكون صعبة."
"ولكن، كيف أعرف ما إذا كان يحبني حقاً؟"
"هذا هو ما سيكتشفه الزمن. عليكِ أن تثقي بقلبكِ، ولكن أيضاً بعقلكِ. فكري ملياً، وتوكلي على الله. ومهما كان القرار، فالله معنا."
شعرت لينا بأن كلمات والدتها كانت كالبلسم على جراحها. كانت والدتها دائماً قادرة على إخراجها من دوامات القلق.
"هل تحدثتِ مع أبي؟" سألت لينا.
"نعم. لقد ناقشت الأمر معه. إنه قلقٌ أيضاً، ولكنه وافق على أن نفكر ملياً. وهو يريد أن يتحدث إلى فادي بنفسه."
"سيكون جيداً لو تحدث معه." قالت لينا.
"بالتأكيد. إن والد فادي، السيد أحمد، صديقٌ قديم لوالدكِ. يمكن أن يتحدثا كرجلين، ويفهمان الأمور بشكلٍ أفضل."
مرّت الأيام التالية ببطءٍ شديد. كل لحظة كانت تمرّ، تشعر لينا بأنها تنتظر شيئاً. كانت تتجنب الذهاب إلى السوق، أو إلى الأماكن التي قد تلتقي فيها بفادي. كانت تشعر بأنها لم تكن مستعدة لمواجهته بعد.
في أحد الأيام، وبينما كانت تعمل في المكتبة، جاءها أحد الأطفال، وقال: "يا أستاذة لينا، عمي فادي يقول لكِ أن يراكِ في المقهى القديم بعد العصر."
ارتعش قلب لينا. فادي نفسه يطلب رؤيتها؟ لم تستطع أن تتجاهل الدعوة. لقد حان الوقت لمواجهة ماضيها، ولمواجهة حاضرها.
بعد صلاة العصر، توجهت لينا بخطواتٍ مترددة نحو المقهى القديم. كان مقهىً بسيطاً، بجدرانٍ حجرية، وطاولاتٍ خشبية، تفوح منه رائحة القهوة العربية والهيل. كان مكان لقاءٍ للكثيرين من أبناء القرية.
عندما دخلت، رأت فادي جالساً على إحدى الطاولات، ينتظرها. كان يرتدي ثياباً بسيطة، ولكنها أنيقة. وبدت علامات الترقب على وجهه.
أسرعت لينا في خطواتها، وجلست مقابله. ساد الصمت للحظات، وهما ينظران إلى بعضهما البعض.
"شكراً لأنكِ جئتِ، لينا." قال فادي أخيراً، بصوتٍ هادئ.
"لم أكن أتوقع أن تتصل بي بنفسك." أجابت لينا، وهي تحاول أن تبدو قوية.
"لقد فكرت كثيراً منذ أن رأيتكِ. ولم أكن أعرف كيف أبدأ. والدتي، على ما يبدو، سبقتني." قال بابتسامةٍ خفيفة.
"نعم. لقد جاءت لزيارتنا بالأمس."
"وماذا قال والداكِ؟" سأل فادي، وهو ينظر إليها بجدية.
"لقد قالوا إنهم سيفكرون في الأمر."
"وهل أنتِ تفكرين؟" سأل فادي، ونظراته تثبت على وجهها.
"أفكر. ولكني خائفة." قالت لينا بصدق.
"خائفة؟ من ماذا؟"
"من الماضي. من أن يتكرر ما حدث. من أن ترحل مرة أخرى."
تنهد فادي. "أعلم أنني أخطأت كثيراً يا لينا. لقد كنت شاباً طائشاً، وأنانيّاً. لقد تركتكِ، وتركتُ ماضينا، وسافرتُ لأبحث عن نفسي. ولكنني لم أجد نفسي في الغربة. لقد وجدتُ نفسي فقط عندما عدتُ إلى هنا."
"ولماذا عدتَ؟"
"عدتُ لأعتذر. ولأصحح أخطائي. وعدتُ لأجدكِ. لقد ظننتُ أنني نسيتكِ، ولكني لم أنسَ أبداً. كل يومٍ كنتُ أتذكركِ، وأتذكر الأيام الجميلة التي قضيناها معاً."
"لماذا لم تتصل بي؟ لماذا لم تكتب لي؟" سألت لينا، وقلبها يرتجف.
"كنتُ خائفاً. خائفاً من أن أسمع منكِ كلمة رفض. خائفاً من أن أكون قد جرحتكِ كثيراً. وخائفاً من أن تكوني قد وجدتِ شخصاً آخر."
"لم أجد أحداً." قالت لينا بصوتٍ خافت.
"الحمد لله." قال فادي، وشعرت لينا بلمسةٍ من الارتياح في صوته.
"ولكن، هل أنتَ متأكدٌ من قرارك؟ هل أنتَ مستعدٌ لتكون زوجاً وأباً؟ هل أنتَ مستعدٌ لتحمل المسؤولية؟" سألت لينا، وهي تبحث عن إجاباتٍ تطمئن قلبها.
"أنا متأكدٌ يا لينا. لقد تعلمتُ من تجاربي. وأريد أن أبني حياةً جديدة، حياةً مباركة، معكِ. إذا وافقتِ. أريد أن أحبَّكِ، وأحميكِ، وأكون سنداً لكِ. أريد أن تكوني زوجتي، وأم أولادي."
نظر فادي إلى لينا بعينين صادقتين، وعينين تحملان رجاءً عميقاً. شعرت لينا بأنها ترى فيه الرجل الذي عرفته قديماً، ولكنه أصبح أقوى وأكثر نضجاً.
"لقد أصبحتَ مختلفاً، فادي." قالت لينا.
"أردتُ أن أتغير. وأردتُ أن أكون الرجل الذي تستحقينه."
"ولكن... لا يزال لديّ الكثير من الأسئلة."
"يمكنكِ أن تسألي كل ما تريدين. وسأجيبكِ بصراحة. وسنواجه كل شيءٍ معاً. المهم هو أن نبدأ."
جلست لينا، تشعر بأنها تقف على مفترق طرقٍ حقيقي. أمامها ماضيٌ مؤلم، وحاضرٌ يحمل وعداً، ومستقبلٌ غير معلوم. ولكن، في عينَي فادي، رأت شيئاً لم تره من قبل. رؤيةً لرجلٍ يريد بصدقٍ أن يبني مستقبلاً، ويبدأ صفحةً جديدة.
"هل سنذهب إلى الخطبة قريباً؟" سأل فادي، وهو يمد يده ليلمس يدها.
ترددت لينا للحظة، ثم وضعت يدها في يده. شعرت ببرودةٍ بسيطة، ولكنها تبددت بسرعة، ليحل محلها دفءٌ قوي.
"إذا كان هذا ما تريده، نعم." قالت لينا.
ابتسم فادي ابتسامةً واسعة، وشعر بارتياحٍ كبير. "الحمد لله. سأتحدث مع والدي. وسنطلب يدكِ رسمياً. وسيكون هذا أجمل يومٍ في حياتي."
شعرت لينا بأن قلبها بدأ يخفّف من ثقلِه. ربما، كان هذا هو المستقبل الذي تنتظره. ربما، كان هذا هو الفجر الجديد الذي بشرت به. ولكن، ظلت هناك ظلالٌ من الشك، وأسئلةٌ معلقة، تنتظر الإجابات.