الفصل 16 / 25

حب الأوطان

همس الأقدار وصخب الذكريات

بقلم سارة العمري

كان الهواء في قصر الشيخ عبد العزيز يثقل بخليط من الترقب والخشية. لم تكن الليلة مجرد ليلة عادية، بل كانت نقطة تحول، حيث تتلاقى خيوط القدر المتشابكة لتنسج مصائر أبطالنا. كانت الأضواء الخافتة لغرفة الاستقبال تعكس هالة من الجدية على الوجوه الحاضرة. جلست نورة، ابنة الشيخ، في ركن بعيد، وعيناها تتفحصان بعمق متزايد خطوط وجه والدها المتعبة، وبدا في عينيه بريق لم تعهده من قبل، بريق يحمل ثقل سنوات وتجارب. أمامها، كان المهندس أحمد، الذي طالما أحبته سرًا، يتململ في جلسته، وكأنه يحاول فك شيفرة معقدة تظهر على ملامح الشيخ.

كان الشيخ عبد العزيز قد طلب هذا الاجتماع العائلي العاجل، وكانت دوافعه غامضة، مما أثار قلق الجميع. تحدث بصوت رخيم ولكن مشوب بمسحة من الحزم، "يا أبنائي وبناتي، لقد حان الوقت لنفض الغبار عن بعض الأمور التي طالما دفنت في أعماق الماضي، أمور تمس حاضرنا ومستقبلنا." ثم نظر إلى نورة نظرة تحمل الكثير، "خصوصًا يا ابنتي، فهناك أمر يتعلق بمن أراد الله له أن يكون جزءًا من هذه العائلة."

تجمعت عينا نورة على والدها، وقلبها يخفق بعنف. كانت تعلم أن الحديث سيتمحور حول مستقبلها، وحول ما يخطط له والدها. سمعت همسات عن خطبة قادمة، وعن رجل أعمال ثري سيتمم زواجها. لكن كل هذه الهمسات لم تكن تحمل صورة واضحة، بل مجرد ظلال تتراقص في أرجاء القصر.

"منذ زمن بعيد،" بدأ الشيخ عبد العزيز، "وقبل أن تولد نورة، كانت هناك اتفاقية بيني وبين صديق عزيز، رجل عظيم القدر، أسس شراكة لم تكن مجرد تجارة، بل كانت أساسًا لوحدة عائلتين." توقف قليلاً، وكأنه يستجمع كلماته، "هذه الشراكة كانت تنص على ربط مستقبل العائلتين بزواج مبارك بين أحد أبناء المرحوم حسن، وبين إحدى بناتنا."

تتسع عينا نورة. هل كان والدها يتحدث عن أحمد؟ لكن أحمد لم يكن من أبناء حسن. تذكرت أنها سمعت عن قصة سابقة، عن علاقة قديمة جمعت والدها بأسرة أخرى.

"للأسف،" تابع الشيخ، "لم تتحقق هذه الشراكة في حينها، ولكن الوفاء بالعهد هو دين في رقبة كل مؤمن. وبعد وفاته، كان حسن يوصيني دائمًا بهذا الأمر. وقد عاد أحدهم ليذكرني به."

كانت كلمات الشيخ تقطر غموضًا، وتزيد من حيرة نورة. من هو هذا "الذي عاد ليذكرني به"؟ هل هو شخص جديد، أم شخص قديم؟

"الرجل الذي أراد الله له أن يكون جزءًا من هذه العائلة،" قال الشيخ، ونظر مباشرة إلى أحمد، "هو ابنه. حسن، الابن الوحيد لبدر بن حسن."

اتسعت حدقتا نورة. بدر بن حسن؟ هذا الاسم لم يتردد في أذنها من قبل. من هو هذا الرجل؟ وما علاقته بأحمد؟ ثم انحرفت نظرتها نحو أحمد. كان أحمد قد شحب وجهه، وبدت عليه علامات المفاجأة والصدمة. هل كان أحمد يعرف بهذا؟

"ولكن يا والدي،" قاطع أحمد بصوت خفيض، "ألم تكن الشراكة تتعلق بـ...؟" لم يكمل جملته، وكأنه يتراجع في لحظة حرجة.

"أعلم ما كنت ستقوله يا أحمد،" قال الشيخ عبد العزيز بصرامة، "ولكن الأمور تتغير، والرجال يرحلون. حسن لم يترك وراءه سوى هذا الابن. وقد كان لوصية أبيه وقعها في قلبي. ورغم أنني كنت أرى لك يا أحمد دورًا آخر في حياتي، إلا أن إتمام هذا الوعد يظل أولوية."

كانت كل كلمة تنزل على نورة كالصاعقة. يبدو أن خططها، أحلامها، كل ما كانت تكنه لأحمد، قد تكون مجرد سراب. هل هذا هو السبب وراء التردد الذي كانت تشعر به من أحمد في بعض الأحيان؟ هل كان يخفي أمرًا؟

"أنا أفهم صدمتك يا أحمد،" قال الشيخ، "ولكن الأمور قد حُسمت. لقد تحدثت مع والدك، الشيخ خالد، وهو موافق. وقد حان الوقت لكي تعلن الخطبة رسميًا."

"خطبة؟" همست نورة، وكان الصوت يكاد لا يخرج من حلقها. خطبة لمن؟ لأحمد؟ أم لابن حسن؟

"نعم يا نورة،" أجاب الشيخ، موجهاً كلامه إليها مباشرة، "ولكن ليس كما قد تتصورين. ليست خطبتك لأحمد. خطبتك ستكون لابن حسن، الشاب الذي اختاره القدر ليكون شريكًا لك في هذه الرحلة."

انهارت نورة داخليًا. لم تكن تعلم ما الذي تشعر به. خيانة؟ خداع؟ أم مجرد القدر الذي يعبث بها؟ نظرت إلى أحمد، الذي كان هو الآخر في حالة ذهول.

"من هو هذا الشاب؟" سألت نورة بصوت مختنق.

"إنه... إنه الشاب الذي كنتِ تلتقين به سرًا يا نورة،" قال الشيخ عبد العزيز، وبدت عليه علامات الألم. "إنه... بدر."

اتسعت حدقتا نورة بدهشة لم تكن تتوقعها أبدًا. بدر؟ الشاب الذي كانت تكن له مشاعر بريئة، الشاب الذي كانت تتحدث معه عن أحلامها، الشاب الذي ظنت أنه يحمل لها نفس المشاعر... هل هو نفسه ابن حسن؟

"بدر... هو ابن حسن؟" سألت نورة، وكأنها لا تصدق ما تسمعه.

"نعم يا ابنتي،" أجاب الشيخ، "وهو الشاب الذي رآه والدك فيكِ. وهو الشاب الذي لم يسمح له قدره بالظهور لكِ كاملًا. الآن، أصبح الأمر واضحًا. وعد والدي، ووصية حسن، تلتقيان في هذا الزواج. أحمد، أنت تعلم بمدى أهمية الوفاء بالعهود. وهذا هو وقت التضحية."

كان أحمد صامتًا، وعيناه مثبتتان على الأرض. هل كان يعرف بهذا؟ هل كان يعلم أن بدر هو ابن حسن؟ وإذا كان يعلم، فلماذا لم يقل شيئًا؟

"وأنا،" قال الشيخ عبد العزيز، "لا أريد أن أرى دموعًا أو تمردًا. هذا أمر قدري، أمر كتبه الله لنا. وسيحفظ بيوتنا، ويجمع شمل عائلتنا. أحمد، مهمتك الآن هي دعم هذا القرار. ونورة، عليكِ أن تفهمي واجبك. هذه هي مشيئة القدر."

شعرت نورة بأنها تفقد توازنها. لم تكن تتوقع أبدًا أن تكون هذه هي النهاية. كل أحلامها، كل آمالها، قد تحطمت في لحظة. نظرت إلى أحمد، ورأت في عينيه مزيجًا من الأسف والخجل. ثم نظرت إلى والدها، ورأت فيه إصرارًا لا يتزعزع.

"ولكن يا والدي..." بدأت نورة، لكن صوتها تبخر في الهواء.

"لا يوجد ولكن يا نورة،" قاطعها الشيخ بحزم. "الأمر قد تقرر. وسيعلن الخبر قريبًا."

انسحبت نورة من الغرفة، وقلبها يتخبط بعنف. كان الهواء الخارجي باردًا، لكنه لم يبرد نار الألم التي اشتعلت في صدرها. لم تكن تعرف كيف ستواجه المستقبل. هل سيتم زواجها من شخص لم تتخيله قط؟ وهل سيظل أحمد مجرد صديق؟

وقفت في الشرفة، تنظر إلى النجوم المتلألئة في سماء الليل. كانت كل نجمة تبدو وكأنها تحمل سرًا. سر الأقدار، سر الذكريات، وسر هذا الحب الذي يبدو أنه قد حُكم عليه بالضياع قبل أن يبدأ. كانت تلك الليلة، ليلة الفصل السادس عشر، هي بداية النهاية، وبداية تحدٍ لم تكن تتخيل أنه سيواجهها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%