الفصل 18 / 25

حب الأوطان

مواجهة الذات وسؤال القدر

بقلم سارة العمري

لم تجد نورة مفراً من مواجهة أحمد. بعد تلك الليلة التي هزت أركان عالمها، وبعد تلك الكلمات التي ألقتها في أذن والدها، بدأت تشعر بأن هناك ثقلاً أكبر يقع على عاتقها. لم يعد الأمر يتعلق فقط بتفاصيل الزواج، بل بات يتعلق بفهم أعمق للمشاعر التي جمعتها بأحمد، وللصمت الذي كان يخيمه على علاقتهما.

في اليوم التالي، وبعد أن انتشر خبر إلغاء بعض الخطط التي كانت معلنة سابقًا، وجدت نورة نفسها في حديقة القصر، حيث اعتادت أن تقضي بعض الوقت هادئة. كان أحمد قد أرسل لها رسالة موجزة، يطلب فيها لقاءً ضروريًا. انتظرت تحت ظلال شجرة السدر العتيقة، وقلبها يعتصر قلقًا.

عندما رأت أحمد يقترب، لم تستطع إلا أن تلاحظ التغيير الذي طرأ على وجهه. كانت عيناه تعكسان ثقلاً لم تعهده من قبل، وكأنه يحمل أسرارًا أكبر من أن يحتمل.

"صباح الخير يا نورة،" قال أحمد بصوت خفيض، وكأنه يخشى أن يكسر الصمت.

"صباح النور،" أجابت نورة، وهي تحاول أن تخفي رعشة صوتها. "لقد طلبت لقائي. هل هناك أمر مهم؟"

نظر إليها أحمد طويلاً، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "نورة، ما حدث بالأمس… أعرف أنكِ مصدومة، وأتفهم ذلك تمامًا."

"مصدمة؟" كررت نورة، وشعرت بأن كلمة "صدمة" لا تكفي لوصف ما تشعر به. "أشعر بأن كل شيء قد انقلب رأسًا على عقب. أشعر بأنني كنت أعيش في وهم، وأن الحقيقة كانت مخفية عني."

"لم يكن الهدف إخفاء الحقيقة عنكِ،" قال أحمد، وكأنه يدافع عن نفسه. "ولكن… كان هناك ما يجعل الأمر معقدًا."

"ما الذي يجعله معقدًا يا أحمد؟" سألت نورة، وبدأت تشعر باليأس. "هل كنت تعلم بهذا كله؟ هل كنت تعلم أن بدر… ابن حسن؟"

تردد أحمد قليلاً، ثم أومأ برأسه ببطء. "نعم، كنت أعرف. ولكن… ليس بنفس التفاصيل التي عرفتها بالأمس."

اتسعت حدقتا نورة. "كنت تعرف؟ إذن لماذا لم تقل شيئًا؟ لماذا سمحت لي أن… أن أتوهم؟"

"حاولتُ أن أحميكِ يا نورة،" قال أحمد، وبدا عليه الانفعال. "حاولتُ أن أجد لكِ مخرجًا. كنتُ أرى فيكِ روحًا نقية، وقلبًا طيبًا، ولم أكن أرغب في أن يُلقى بكِ في هذا المستنقع من الوعود والالتزامات القديمة."

"ولكن هذه التزامات عائلية!" قالت نورة، وشعرت بأن صوتها يرتفع. "هذه ليست مجرد لعبة، أحمد. هذه حياتي، ومستقبلي!"

"أعلم ذلك،" قال أحمد بهدوء، وكأنه يتحمل هجومها بصدر رحب. "ولكن… الأمور لم تكن واضحة دائمًا. كنتُ أعلم أن هناك وعدًا بين الشيخ عبد العزيز وحسن. وكنتُ أعلم أن بدر هو الابن الوحيد لحسن. ولكن التفاصيل الدقيقة، لم تكن تتضح دائمًا. وعندما تحدثتُ مع والدي، الشيخ خالد، أدركتُ أن الأمر أكثر تعقيدًا مما ظننت."

"ماذا تقصد؟" سألت نورة، وتشعر بأنها تقترب من اكتشاف جزء من الحقيقة.

"حسن، رحمه الله، كان لديه رؤية خاصة. لم يكن يريد للارتباط أن يكون مجرد اتفاق تجاري، بل كان يريد له أن يكون ارتباطًا روحيًا. أراد أن يترك مجالاً للحب لينمو بين أبنائه. ولذلك، لم يحدد وقتًا معينًا للزواج، بل ترك الأمر للظروف وللأقدار."

"ولكن… إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تصرون الآن على هذا الزواج؟" سألت نورة.

"لأن الشيخ عبد العزيز، وبدر، قد استشعرا أن الوقت قد حان،" قال أحمد. "ربما لأنهم رأوا في هذا الارتباط استقرارًا للعائلتين، واستمرارًا لإرث حسن."

"وماذا عنك يا أحمد؟" قالت نورة، وشعرت برغبة قوية في فهم موقفه. "هل كنت تريد لي أن أتزوج بدر؟ هل كنت تريدني أن أكون سعيدة مع شخص آخر؟"

نظرت إلى أحمد، ورأت في عينيه حزنًا عميقًا. "نورة، لطالما كنتِ في قلبي. منذ أن عرفتكِ، رأيتُ فيكِ كل ما يتمناه الرجل في شريكة حياته. ولكن… عندما علمتُ أن القدر قد سلك بكِ طريقًا آخر، طريقًا يؤدي إلى وعد قديم، حاولتُ أن أتقبل الأمر. حاولتُ أن أرى مصلحتكِ فوق كل شيء."

"ولكن أنت تعلم أن والدي الشيخ عبد العزيز، كان يريدني لك!" قالت نورة، بصوت مرتفع. "لقد تحدث عن خطبتنا، وعن مستقبلي معك!"

"وهذا هو الجزء المعقد يا نورة،" قال أحمد، وعيناه تلمعان بدموع بالكاد يكتمها. "الشيخ عبد العزيز، حاول أن يجد حلاً. حاول أن يحقق وعد حسن، وفي نفس الوقت، يحقق ما كان يريده لكِ. ولكن… يبدو أن هناك سرًا آخر، سر متعلق بي وبوالدي، وبحسن. سر لم أكشفه إلا مؤخرًا."

"ما هو هذا السر؟" سألت نورة، وشعرت بأنها تدخل إلى منطقة خطرة.

"والدي، الشيخ خالد، كان قريبًا جدًا من حسن،" قال أحمد، وبدأ يتحدث بصوت يرتجف قليلاً. "لقد كانا صديقين مقربين، يتشاركان كل شيء. ولكن… كان هناك خلاف قديم بينهما، خلاف لم يُكشف عن سببه الحقيقي. وعندما عاد الشيخ خالد ليؤكد على وصية حسن، كان يبدو وكأنه يريد أن يصلح هذا الخلاف، وأن يضمن استمرار الشراكة بين العائلتين."

"وما علاقة هذا بي؟" سألت نورة، وشعرت بأن الأمور تتعقد أكثر وأكثر.

"حسن، قبل وفاته، منح والدي… قطعة أرض كبيرة، وثيقة مهمة، كان يعتقد أنها ستكون مصدر أمان للعائلتين. ولكن… حدث شيء ما، جعل هذه الوثيقة تفقد قيمتها، أو ربما… تُسرق. وعندما تحدث الشيخ خالد عن الوعد، كان يبدو وكأنه يريد أن يؤكد على استمرارية هذه الشراكة، وفي نفس الوقت، يطلب من بدر… أن يكون مستعدًا لتحمل المسؤولية، وأن يرد لـ… لعائلتنا، ما فقدناه."

"ما الذي فقدتموه؟" سألت نورة، وقلبها يخفق بشدة.

"لا أعرف التفاصيل الدقيقة،" قال أحمد، وعيناه تلمعان بالأسف. "ولكن والدي قال لي إن هناك شيئًا قيمًا، شيئًا كان سيحمي عائلتنا، قد ضاع. وأن الارتباط ببدر، ربما يكون هو الحل لإعادة هذا الشيء."

"وهل… هل أنت متأكد من هذا؟" سألت نورة، وشعرت بالبرد يتسرب إلى عظامها.

"كل ما أعرفه هو أن والدي كان يريد مصلحة العائلتين،" قال أحمد. "وأن بدر، بدا وكأنه يفهم كل هذا. ولكنه… لم يرغب في إثقال كاهلكِ بهذه التفاصيل. ربما كان يعتقد أن مشاعركِ تجاهي، أو مشاعري تجاهكِ، ستكون عقبة. ولكنه كان على حق. لقد كان هناك دائمًا شيء ما، شيء كان يمنعني من الاقتراب منكِ، من التعبير عن مشاعري الحقيقية."

"وما هو هذا الشيء؟" سألت نورة، بصوت مختنق.

"كان… كان خوفي من أن يكون هذا الوعد، هو الطريق الوحيد لكي نكون معًا. كنتُ أخشى أن يكون الارتباط بكِ، نابعًا من واجب، لا من حب حقيقي. وربما… ربما كنتُ أخشى أن أفسد كل شيء، لو حاولتُ أن أخالف هذا القدر."

نظرت نورة إلى أحمد، ورأت فيه رجلاً يعاني، رجلاً يتصارع مع ماضٍ لم يكن يعرف كل خباياه. وفهمت شيئًا واحدًا، أن حبها له لم يكن من فراغ، وأنه كان هناك دائمًا رابط غير مرئي يجمع بينهما.

"إذن… إذن ما الحل؟" سألت نورة، وقد اختلطت مشاعرها بين الحزن والأمل.

"الحل… هو في أن نثق بالقدر، يا نورة،" قال أحمد، وعيناه تلمعان بالدموع. "وأن نختار ما فيه رضا الله. إذا كان هذا الزواج هو ما يريده الله لنا، فإننا يجب أن نتقبله. ولكن… هذا لا يعني أن نتخلى عن مشاعرنا. هذا لا يعني أن ننسى ما كان بيننا."

"وماذا عن بدر؟" سألت نورة. "هل سيبقى الأمر على ما هو عليه؟"

"بدر شاب نبيل،" قال أحمد. "وسيتفهم. ربما… ربما يمكننا جميعًا أن نجد طريقة للعيش بسلام. ربما يمكننا أن نجعل هذه الشراكة، بداية لشيء أجمل."

وقفت نورة صامتة، تفكر في كل ما سمعت. كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا مما تخيلت. كانت هناك طبقات من الأسرار، وطبقات من المشاعر. ولكنها أدركت شيئًا واحدًا: أن عليها أن تتحدث إلى بدر، وأن تفهم منه ما لم تستطع فهمه من الآخرين.

"شكرًا لك يا أحمد،" قالت نورة، وهي تشعر ببعض الراحة، رغم كل الألم. "لقد وضحت لي الكثير."

"أتمنى أن نجد جميعًا طريقنا، يا نورة،" قال أحمد، وعيناه تنظران إليها بحب صادق.

وقفت نورة، تتأمل الشمس التي بدأت تغيب، وترسم ألوانًا حمراء وبرتقالية في السماء. كان هذا الفصل من حياتها، فصل مواجهة الذات، وفهم القدر، قد بدأ للتو. وكان عليها أن تجد القوة لتواجه ما هو قادم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%