حب الأوطان
لقاء العواصف وصراحة القلوب
بقلم سارة العمري
بعد لقاء نورة مع أحمد، شعرت بأن جدارًا عظيمًا قد انهار، ولكن خلفه كان هناك جدار آخر أكثر صلابة، جدار يحمل أسرار بدر، وأسرار هذا الوعد الغامض. كان عليها أن تتحدث إليه، أن تواجهه، وأن تكشف عن كل ما يشغل بالها.
في المساء، بينما كانت نسائم الليل تهب معطرة برائحة الياسمين، استأذنت نورة والدها للقاء بدر. كانت كلماتها هذه المرة أكثر هدوءًا، ولكنها كانت تحمل في طياتها عزيمة قوية. لم يعد الأمر يتعلق بالصدف، بل بحقيقة لا مفر منها.
عندما وصلت إلى المكان المتفق عليه، وهو استراحة صغيرة مطلة على البحر، وجدت بدر ينتظرها. كان واقفًا، يحدق في الأمواج المتلاطمة، وكأنه في صراع داخلي. عندما رآها تقترب، استدار، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، ولكنها كانت ابتسامة تخفي وراءها الكثير من الأسى.
"نورة،" قال بصوت رخيم، "كنت أنتظركِ."
"بدر،" قالت نورة، وهي تقترب منه. "يجب أن نتحدث."
"أعلم،" قال بدر، وعيناه تثبتان عليها. "لقد توقعتُ هذا."
"لماذا كل هذا الغموض يا بدر؟" سألت نورة، وقد شعرت بأن كلماتها تخرج بصعوبة. "لماذا لم تخبرني شيئًا؟ لماذا سمحت لي أن أتعلق بكِ، وأنا لا أعرف أن هذا هو المصير؟"
تنهد بدر، وبدت على وجهه علامات الألم. "يا نورة، لو كان الأمر بيدي، لكان كل شيء مختلفًا. ولكن… هناك ما يعلو على رغباتنا، ما يعلو على مشاعرنا."
"ما هو هذا الشيء؟" سألت نورة، بصوت أصبح أكثر حدة. "هل هو هذا الوعد؟ هذا الوعد الذي يبدو أنه يتحكم في حياتنا؟"
"نعم،" قال بدر، بصدق مؤلم. "إنه الوعد. وعد والدي، حسن، ووالدك، الشيخ عبد العزيز. وعد كان الهدف منه بناء شراكة قوية، ليس فقط تجارية، بل عائلية. وعد كان ينص على ربط مستقبل العائلتين بزواج مبارك."
"ولكن… لم تخبرني أبدًا،" قالت نورة، وشعرت بأن الدموع تتجمع في عينيها. "كنتُ ألتقي بكِ، نتحدث، نضحك… بدا لي أننا… قريبون."
"لقد كنتُ أقرب ما أملك، يا نورة،" قال بدر، وصوته أصبح أكثر عمقًا. "كنتُ أحاول أن أجعل هذه العلاقة، علاقة طبيعية، علاقة حب حقيقي، لا مجرد التزام. كنتُ أرى فيكِ كل ما كنتُ أحلم به. ولكن… كان عليّ أن أتحمل مسؤوليتي. كان عليّ أن أفي بوعد والدي."
"وهل كنت تعرف أنني… أحب أحمد؟" سألت نورة، وهي تشعر بأن هذه هي اللحظة الحاسمة.
نظر بدر إليها طويلاً، وكأنه يحاول أن يفهم ما وراء سؤالها. "كنتُ أرى ما بينكِ وبين أحمد من ود واحترام، يا نورة. وكان هذا يجعل الأمر أصعب. ولكني… حاولتُ أن أرى ما هو أعمق. حاولتُ أن أرى أن مشاعركِ تتجه نحوي أيضًا، بطريقة مختلفة. ربما لأننا… كنا دائمًا مقدرين لبعضنا البعض."
"مقدرين؟" كررت نورة. "هل كنت تعرف أنني… سأكون جزءًا من هذا؟"
"لم أكن أعرف على وجه اليقين،" قال بدر. "ولكن والدي، حسن، كان دائمًا يتحدث عنكِ. كان يرى فيكِ شريكة مناسبة. وكان يرى في الارتباط بكِ، ضمانة لمستقبل العائلتين. وعندما اقترب وقت إعلان الخطوبة، تحدثتُ مع والدي، الشيخ خالد، ووضح لي كل شيء."
"والشيخ خالد؟" سألت نورة، وكأنها تسمع هذا الاسم لأول مرة. "وما علاقته بكل هذا؟"
"الشيخ خالد، صديق والدي، كان جزءًا لا يتجزأ من هذه الشراكة،" قال بدر. "بل أكثر من ذلك. يبدو أن هناك أمرًا متعلقًا به، وبوالدي، وبوالدك، الشيخ عبد العزيز، يتعلق بأمانة، أو وثيقة، ضاعت. وكان الشيخ خالد، يحاول أن يجد طريقة لاستعادة هذه الأمانة. وبدا أن هذا الارتباط، هو أفضل طريقة لتحقيق ذلك."
"استعادة أمانة؟" قالت نورة، وشعرت بأن الحقيقة تتشابك وتتعقد أكثر. "ما هي هذه الأمانة؟"
"لا أعرف التفاصيل الدقيقة،" قال بدر، وعيناه تلمعان بالحيرة. "ولكن والدي، رحمه الله، ترك هذه الوثيقة، أو الأمانة، مع الشيخ خالد، قبل وفاته. وعندما عاد الشيخ خالد ليؤكد على الوعد، كان يبدو وكأنه يريد أن يطمئن إلى أن هذه الأمانة ستظل في مكان آمن، وأن مستقبل عائلتينا سيكون مضمونًا."
"وهل… هل أحمد على علم بكل هذا؟" سألت نورة، بصوت خافت.
"أحمد؟" قال بدر، وكأنه يتفاجأ بالسؤال. "أحمد… لا أعتقد أنه يعرف كل التفاصيل. ولكن والدي، الشيخ خالد، كان يتحدث معه عن أهمية هذه الشراكة. وربما… ربما كان أحمد يحاول أن يحميكِ بطريقته، بطريقته الخاصة."
"بطريقته الخاصة؟" كررت نورة، وهي تفكر في كلمات أحمد. "لقد قال لي إنه كان يريد أن يحميني."
"نعم،" قال بدر، وكأنه يفهم. "ربما كان يخشى أن يؤثر هذا الأمر عليكِ. ربما كان يخشى أن يتأثر حبكِ، أو مشاعركِ. ولكن… يا نورة، ما بيننا ليس مجرد واجب، بل هو قدر. وقد رأيتُ في عينيكِ، وفي قلبي، دائمًا، شيئًا حقيقيًا."
نظرت نورة إلى بدر، ورأت في عينيه صدقًا عميقًا، وصدقًا مؤلمًا. أدركت أن هذا الحب الذي نشأ بينهما، لم يكن من فراغ، ولكنه كان محاطًا بالظروف، وبأسرار الماضي.
"ولكن… ماذا عن أحمد؟" سألت نورة، وبدأت تشعر بالشفقة عليه. "لقد قال لي إنه…"
"أحمد شاب عظيم،" قاطعها بدر، بكلمات تحمل احترامًا كبيرًا. "لقد كان دائمًا في ظلي، ولكن بطريقة نبيلة. وربما… ربما كان يحاول أن يمنحكِ الفرصة لتكتش