الفصل 2 / 25

حب الأوطان

واحة الذكريات وصدى الأحلام

بقلم سارة العمري

كانت خيوط الفجر الأولى ترسم لوحاتٍ بألوانٍ دافئة على صفحة السماء، مبشرةً ببداية يومٍ جديد. واصلت لمى وسالم المسير، "الصهباء" تشق رمال الصحراء برشاقة، وسالم على ناقته الهادئة، التي تسير بخطىً ثابتة. لم يكن بينهما الكثير من الكلام، فكل واحدٍ منهما كان يغوص في عالمه الداخلي، لكن صمتًا كهذا كان أبلغ من ألف كلمة. كانت لمى تشعر بنظرات سالم العابرة، تلك النظرات التي تحمل فضولاً ممزوجًا باحترام. كانت تعرف أنها لم تعد وحيدةً في رحلتها، وأن هناك رفيقًا لها، لا تعرف الكثير عنه، لكن وجوده بث فيها طمأنينةً لم تشعر بها منذ زمن.

"هل أنتِ من هذه الديار يا أخت لمى؟" سأل سالم أخيرًا، وصوته يكسر سكون الصباح.

نظرت إليه لمى، ثم حولت بصرها نحو الأفق. "ولدت وترعرعت في مدينةٍ قريبة، لكن روحي كانت دائمًا هنا، في أحضان هذه الصحراء. جدّي كان له فيها مكانةٌ عظيمة، وكان دائمًا يوصيني ببركتها."

"جدّك،" ردد سالم، وكأنه يتأمل الاسم. "هل كان رجل علمٍ ودين؟"

"كان رجلًا حكيمًا،" أجابت لمى بابتسامةٍ خفيفة. "علمني كيف أقرأ الشمس والنجوم، وكيف أستمع إلى همسات الريح، وكيف أجد الهدوء في قلب العاصفة. ترك لي وصيةً، وكنزًا لا يفنى."

"كنزًا؟" استدار سالم نحوه، وعيناه تلمعان بالاهتمام. "ما هو هذا الكنز؟"

"خريطةٌ قديمة،" قالت لمى، ثم رفعت من محفظتها الجلدية قطعةً بالية، مرسوم عليها رموزٌ غريبة. "هذه الخريطة تقود إلى 'أرض السلام'. وهذا ما دفعني للمجيء إلى هنا، بحثًا عن هذه الأرض."

نظر سالم إلى الخريطة طويلاً، وبدا على وجهه مزيجٌ من الدهشة والإدراك. "خريطة 'أرض السلام'. لقد سمعت عنها في حكايات الأجداد. قيل إنها ليست أرضًا بالمعنى المادي، بل هي حالةٌ روحية، مكانٌ تتلاقى فيه القلوب الطاهرة."

"هذا ما كنت أحاول فهمه،" قالت لمى. "جدّي كان يؤمن بأن هذه الأرض هي مفتاح السعادة الحقيقية، وأن من يصل إليها يجد بغيته."

"ربما،" قال سالم، وصوته يعمّه التأمل. "لكن الطريق إليها ليس سهلاً. الصحراء تختبر كل من يدخلها، وتكشف عن معادنه الحقيقية."

"أنا مستعدةٌ للاختبار،" أجابت لمى بعزم. "وقد بدأت ألمس ذلك بالأمس."

"نعم،" قال سالم، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة. "لقد رأيت شجاعتكِ. أنتِ لستِ كالكثيرات ممن رأيت. فيكِ قوةٌ وجرأةٌ لا تليق إلا بمن تحمل في قلبها هدفًا ساميًا."

"أشكرك على ثقتك،" قالت لمى، وشعرت بدفءٍ يسري في صدرها. "وأنت، ما الذي أتى بك إلى هنا؟ هل تبحث عن شيءٍ أيضًا؟"

تنهد سالم بعمق، وبدا على وجهه شيءٌ من الحزن. "كنت في رحلةٍ بحثٍ عن ذاتي. تركت خلفي حياةً كنت فيها أسيرًا، حياةٌ مليئةٌ بالضجيج والقلق. سمعت عن هذه الصحراء، وعن هدوئها، وعن الأساطير التي تحوم حولها. جئت أبحث عن سكينةٍ لم أجدها في زحام المدن."

"فلا تقلق،" قالت لمى. "هذه الصحراء واسعةٌ جدًا، وتحتضن الكثير من الأسرار. ربما تجد هنا ما تبحث عنه."

"أتمنى ذلك،" قال سالم، ثم أشار إلى الأفق. "سنصل إلى 'واحة الأسرار' قريبًا. هناك، قيل إن الحكماء القدماء كانوا يجتمعون، ومنها تنطلق الأرواح نحو 'أرض السلام'."

كانت "الواحة" بالفعل مكانًا ساحرًا. خضرةٌ نادرةٌ وسط الصحراء، أشجار نخيلٍ باسقة، وسماءٌ صافيةٌ تلمع فيها زرقةٌ عميقة. تدفقت المياه من ينابيع خفية، لتشكل بركًا صغيرةً تعكس صورة السماء. كان هناك هدوءٌ مطبق، لا يقطعه سوى حفيف أوراق الشجر، وصوت الماء المتدفق.

"هنا،" قال سالم، وبدا أن عينيه تتأملان كل شيءٍ بعمق. "هنا يلتقي ما كان بما سيكون. هنا، يشعر الإنسان بقربٍ من الله، وبحقيقة الوجود."

جلست لمى بجانب نبعٍ صغير، تشعر براحةٍ غريبة. كانت "الصهباء" تشرب الماء بهدوء، وسالم يجلس قبالتها، صامتًا.

"تذكرت الآن،" قالت لمى، وبدت عليها علامات التأثر. "جدّي كان يحكي لي عن هذه الواحة. كان يقول إنها مكانٌ مقدس، وأن من يدخلها بقلبٍ طاهر، يرى فيها ما لا يراه الآخرون."

"وماذا رأيتِ يا أخت لمى؟" سأل سالم، وبدا أن صوته يحمل رقةً خاصة.

نظرت لمى إلى سطح الماء، ورأت انعكاس وجهها. لكن شيئًا آخر قد ظهر، شيئًا لم تتوقعه. رأت صورةً لجدها، واقفًا أمامها، مبتسمًا. ثم، رأى ذلك الفتى الشاب الذي قابلته في طريقها، سالم، يقف بجانبها، يمسك بيدها. لم يكن لقاءً عاديًا، بل كان لقاءً فيه نورٌ يغمر المكان.

"رأيت... رأيت جدّي،" قالت لمى بصوتٍ مختنق. "ورأيتك يا سالم... واقفًا معي."

ابتسم سالم ابتسامةً واسعة، وارتسمت على وجهه علامات الدهشة والسعادة. "وها أنا ذا، معكِ. ربما، كانت هذه الواحة بوابةً، تحمل لنا لقاءً لم نتوقعه، لكنه كان مقدرًا لنا."

"لقاءً... مقدرًا؟" رددت لمى، وشعرت بارتباكٍ جميل.

"نعم،" قال سالم، ونظر إلى عينيها بصدق. "في رحلة البحث عن 'أرض السلام'، قد نجد ما هو أعظم من مجرد أرض. قد نجد رفيقًا يشاركنا الطريق، وروحًا تشبه أرواحنا."

ثم، سمعا صوتًا آخر، صوتٌ يأتي من عمق الواحة. صوتٌ فيه موسيقى غريبة، نغماتٌ كأنها قادمةٌ من عالمٍ آخر.

"هذا صوت 'الناي القديم'،" قال سالم. "يقال إن من يسمعه، يأتيه الإلهام، وتتفتح له أبواب المعرفة."

نهض سالم، ومد يده إلى لمى. "هيا بنا. قد يكون هذا هو المفتاح الذي كنا نبحث عنه."

شعرت لمى بترددٍ يسير، ثم استجابت لدعوة سالم. أمسكت بيده، وتقدما معًا نحو مصدر الصوت، نحو قلب الواحة، نحو المجهول الذي يخبئ بين طياته أسرارًا أكبر مما تخيلت. كانت "الصهباء" تتبعهما، كأنها تعلم أن رحلتهما قد بدأت حقًا، رحلةٌ تجمع بين البحث عن مكانٍ أسطوري، وعن شخصٍ سيكتب معها أجمل فصول الحياة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%