الفصل 4 / 25

حب الأوطان

عاصفة الماضي ورياح التغيير

بقلم سارة العمري

كانت العودة إلى المدينة أشبه بالدخول إلى عالمٍ آخر. عالمٌ يعج بالضجيج، وبالناس، وبالقصص المتشابكة. بعد رحلة الصحراء الطويلة، وبعد لقاءٍ كان فيه الكثير من النور والأمل، كان على لمى وسالم أن يعودا إلى واقعٍ يحمل في طياته تحدياتٍ جديدة.

وقفت لمى أمام باب منزل عائلتها، تشعر بارتياحٍ ممزوجٍ بالرهبة. جدّتها، السيدة "فاطمة"، كانت امرأةً صالحة، تملك قلبًا كبيرًا، لكنها كانت أيضًا امرأةً لها رأيها، ولها تقديرها للتقاليد. كانت تعرف أن إعلان رغبتها في الزواج من سالم، الشاب الذي قابلته في رحلةٍ غير تقليدية، قد يحتاج إلى الكثير من الإقناع.

"مرحبًا يا جدتي،" قالت لمى، وهي تحتضنها بحنان. "لقد عدت."

"يا ابنتي! الحمد لله على سلامتك،" قالت السيدة فاطمة، وعيناها تلمعان بالدموع. "لقد اشتقت إليكِ كثيرًا. أين كنتِ كل هذه الفترة؟"

شعرت لمى بصعوبةٍ في الإجابة. كيف ستبدأ؟ كيف ستشرح لجدتها أنها ذهبت في رحلةٍ بحثًا عن "أرض السلام"، ووجدت فيها رجلًا أرادت أن تبني معه وطنًا؟

"كنت في رحلةٍ يا جدتي،" قالت لمى بحذر. "رحلةٌ إلى الصحراء، لأتعلم عن نفسي، وعن ما تركه لي جدّي."

"الصحراء؟" استغربت السيدة فاطمة. "وماذا وجدتِ في الصحراء يا ابنتي؟"

"وجدتُ الكثير،" قالت لمى، وبدأت تحكي عن رحلتها، عن لقائها بسالم، وعن ما اكتشفته. شرحت لها عن جدها، وعن وصيته، وعن خريطة "أرض السلام".

استمعت السيدة فاطمة بصمت، وكانت عيناها تتنقلان بين وجه لمى، وبين حديثها. كان يبدو عليها أنها تتذكر بعضًا من كلام والدها، والد لمى، الذي كان رجلًا يؤمن بالأساطير والحكم القديمة.

"جدّك،" قالت السيدة فاطمة بعد لحظةٍ من الصمت. "لقد كان دائمًا يقول إن الله يخلق لكل روحٍ روحًا أخرى، وأن البحث عن هذه الروح هو السعي نحو السعادة الحقيقية."

"وهذا ما وجدته في سالم،" قالت لمى. "لقد وجدت فيه نصف روحي، وشريك حياتي."

"سالم؟" سألت السيدة فاطمة. "من هو هذا الشاب؟"

"هو شابٌ صالح، يا جدتي،" قالت لمى. "تقيٌ، ذو أخلاقٍ عالية، يحمل في قلبه حب الله والوطن. قابلته في رحلتي، وشعرنا بقربٍ لا يوصف. نريد أن نتزوج، وأن نبدأ ببناء بيتٍ مسلم، يكون قدوةً حسنة."

نظرت السيدة فاطمة إلى لمى بعينين تحملان عمق التجارب. "الحب الأول، يا ابنتي، هو شعلةٌ قوية، لكن بناء بيتٍ مسلم، يتطلب أكثر من مجرد الشعلة. يتطلب صبرًا، وتضحيةً، وتفهمًا. هل أنتِ مستعدةٌ لكل ذلك؟"

"نعم، يا جدتي،" قالت لمى بثبات. "أنا مستعدةٌ لكل شيءٍ من أجل بناء وطنٍ يرضي الله."

ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامةً خفيفة، بدت فيها علامات الرضا. "ما دمتِ اخترتِ طريقًا يرضي الله، وما دمتِ وجدتِ رجلًا فيه الصفات التي ذكرتِ، فلا أملك إلا أن أبارك لكِ. لكن، يجب أن نرى هذا الشاب، ونتأكد من أنه أهلٌ لهذه الثقة."

في نفس الوقت، كان سالم يواجه تحدياته الخاصة. كان يعيش في بيتٍ أبوي، مليءٍ بالضغوط والتوقعات. والده، السيد "أحمد"، كان رجلًا عصاميًا، حقق نجاحًا كبيرًا في عمله، لكنه كان يرى الحياة من منظورٍ عملي بحت.

"ابني سالم،" قال السيد أحمد، وهو يحتسي قهوته الصباحية. "لقد عدت. ألم يحن الوقت لتستقر؟"

"إنني أبحث عن الاستقرار يا أبي،" قال سالم، محاولًا أن يكتم ضيقه.

"الاستقرار،" سخر السيد أحمد. "الاستقرار يأتي من بناء مستقبلٍ متين. من شركةٍ ناجحة، ومن زواجٍ يضمن لكَ سلالةً قوية. ماذا وجدتَ في تلك الرحلة؟"

"وجدتُ ما هو أهم من كل ذلك، يا أبي،" قال سالم، وشعر بأن قلبه يمتلئ بالقوة. "وجدتُ من ستبني معي هذا المستقبل، ومن ستكون امتدادًا لهذه السلالة التي تتحدث عنها."

"أتتحدث عن زواج؟" سأل السيد أحمد، وبدا على وجهه شيءٌ من المفاجأة. "من هي؟ وهل هي من عائلةٍ تعرفها؟"

"اسمها لمى،" قال سالم. "وهي من عائلةٍ كريمة، تربت على القيم الإسلامية الأصيلة. قابلتها في رحلتي، وشعرت بأنها هي الإنسانة التي أريد أن أقضي حياتي معها. هي من ستكون سندي، وشريكة دربي."

"لمى،" ردد السيد أحمد، وبدا أن الاسم لا يعني له شيئًا. "وهل لديها ما يجعلها مناسبة؟ هل لديها المال، أم المكانة الاجتماعية؟"

"أبي،" قال سالم، وشعر بأن غضبًا خفيفًا بدأ يتسلل إلى صوته. "أنا لا أبحث عن امرأةٍ تجلب لي المال، بل عن امرأةٍ تجلب لي السعادة، والرضى، والأجر عند الله. لمى تحمل في قلبها كل الصفات التي يتمناها أي رجلٍ مسلم في زوجته."

"أتتتحدث عن السعادة والأجر عند الله؟" قال السيد أحمد. "وهل سيؤجرك الله على زواجٍ قد يكون سببًا في إضعاف ما بنيته؟ هل تفكر في المستقبل؟ في سمعة العائلة؟"

"إن بناء بيتٍ مسلمٍ صالح، هو أعظم مستقبلٍ يمكن أن نبنيه، يا أبي،" قال سالم. "وإن سعادة لمى، هي سعادتي، ورضاها، هو رضاي. فهل ستدعمني في قراري؟"

نظر السيد أحمد إلى ابنه، إلى الشاب الذي كان يومًا ما طفلًا، والآن يقف أمامه برجلٍ وشخصية. رأى في عينيه إصرارًا لم يره من قبل، رأى فيه رجلاً اتخذ قراره.

"لم أعهدك هكذا يا سالم،" قال السيد أحمد. "لقد كنت دائمًا هادئًا، لكنك الآن تحمل في صوتك قوةً جديدة. أتمنى أن تكون هذه القوة في طريق الخير."

"إنها في طريق الخير، يا أبي،" قال سالم. "إنها في طريق بناء وطنٍ جديد، وطنٌ اسمه 'لمى'."

لم يكن أمام السيد أحمد إلا أن يمنح ابنه فرصة. "حسنًا. سنرى هذه الفتاة. وسنرى عائلتها. لكن تذكر، يا سالم، أن الزواج ليس مجرد مشاعر، بل هو مسؤوليةٌ عظيمة."

في تلك الأثناء، كانت لمى وسالم قد اتفقا على اللقاء مجددًا. لم يعد البحث عن "أرض السلام" مجرد رحلةٍ صحراوية، بل أصبح بناءً حقيقيًا، يبدأ بخطواتٍ مدروسة، ويتطلب موافقة الأهل، وجمع القلوب.

لكن، بينما كان يبدو أن الأمور تسير نحو نهايةٍ سعيدة، بدأ شبح الماضي يطل برأسه. كانت هناك قوىً خفية، لم ترغب في أن يكتمل هذا البناء. قوىً لم ترق لها رؤية رجلٍ صالحٍ يبني وطنًا مباركًا.

كانت لمى تسير في أحد أسواق المدينة، تتفقد بعض الأقمشة لزواجها المرتقب. وفجأة، رأت ظلًا غريبًا يتربص بها. ظلٌ لم تألفه، ظلٌ يحمل رائحة الخطر.

"هل تذكرين ما حدث في الصحراء؟" همس صوتٌ خبيث، اخترق أذنيها. "تلك الأماكن ليست لكِ. وهذا الطريق ليس لكِ."

شعرت لمى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لقد بدأ الخطر يلاحقها، وبدأت عاصفة الماضي تعصف بحاضرها. لم يكن الطريق إلى "وطن السلام" مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحذيرات، وبالتحديات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%