حب الأوطان
وهج الذكريات وقيود الواقع
بقلم سارة العمري
كانت الأيام تتقافز في حياة "نور" كأنها أيلٌ طليق، تتناثر بين حوافرها شذرات من ضوءٍ خافت، وبين ظلالٍ داكنةٍ تلوح بوعدٍ مجهول. كل صباحٍ تستيقظ فيه، تجد نفسها تستقبلُ يوماً جديداً بنفسِ الوجعِ الذي يعتصرُ قلبها، وكأنَّ الزمنَ قد توقفَ عندَ لحظةٍ معينةٍ، رفضت أن تتجاوزها. كانَ "عمر" قد غادرَ المدينةَ قبلَ أسابيعَ، ولكنَّ طيفهُ كانَ ما يزالُ يسيطرُ على كلِّ زاويةٍ في منزلها، وعلى كلِّ نفسٍ تتنفسهُ.
في غرفتهِ، التي لم يجرؤ أحدٌ على لمسِ شيءٍ فيها، كانت روائحُهُ العطرةُ باقيةً، تهمسُ بقصصٍ عن أيامٍ مضت. قميصهُ المعلقُ على كرسيِّ مكتبهِ، كتابهُ الذي تركهُ مفتوحاً على صفحةٍ معينةٍ، وحتى كوبُ قهوتهِ الذي ما زالَ يحملُ أثراً لشفتيهِ، كلُّها كانتْ شواهدَ صامتةً على حضورٍ غابَ جسدهُ ولم يغبْ روحهُ. كانت "نور" تجلسُ لساعاتٍ طوالٍ في غرفتهِ، تحتضنُ وسادتهُ، تستنشقُ عبيرَهُ، وتبكي بصمتٍ على ما فقدتْ.
كانتْ تلكَ الرغبةُ الجامحةُ في رؤيتِهِ، في سماعِ صوتِهِ، قد تحولتْ إلى إدمانٍ قاسٍ، إدمانٍ لا يُباعُ في صيدليةٍ، ولا يُخففُ بجرعةٍ من دواءٍ. كانَ كلُّ تواصلٍ معهُ، مهما كانَ قصيراً أو مقتضباً، يمنحها جرعةً من الراحةِ اللحظيةِ، سرعانَ ما تتبخرُ لتتركَ فراغاً أشدَّ وأعمق. كانتْ تخجلُ من نفسها، من ضعفها هذا، ولكنها لم تستطعْ أن تقاومَ. كانَ "عمر" هوَ نقطةَ ارتكازِ حياتها، بل وكانَ قد أصبحَ حياتها كلها.
في إحدى الليالي، بينما كانتْ سماءُ الليلِ ترصعُ بالنجومِ كأنها جواهرُ مبعثرةٌ، تلقتْ رسالةً من "عمر". كانتْ مجردَ بضعِ كلماتٍ، ولكنها أحدثتْ في قلبها زلزالا. "اشتقتُ إليكِ يا نور. أتمنى أن تكوني بخير." كانتْ هذهِ الكلماتُ كفيلةً بأن تُذيبَ جليدَ الحزنِ الذي غلفَ روحها. ردتْ عليهِ فوراً، بحروفٍ مرتعشةٍ، تعبرُ عن شوقٍ لا يوصف. دارَ بينهما حديثٌ مقتضبٌ، عن أحوالِهما، عن بعضِ ذكرياتِهما الجميلة. كلُّ كلمةٍ من "عمر" كانتْ كبلسمٍ يشفي غليلَ القلبِ، ولكنها كانتْ أيضاً تغذي الأملَ في عودةٍ قد لا تكونُ قريبةً.
في المقابل، كانتْ حياةُ "أمجد" تسيرُ على وتيرةٍ مختلفةٍ تماماً. لم يكنْ يملكُ تلكَ الرفاهيةَ في الانغماسِ في أحزانِ الماضي، أو التشبثِ بذكرياتٍ باتتْ جزءاً من تاريخِ الزمنِ. كانَ يواجهُ واقعاً قاسياً، مسؤولياتٍ تتزايدُ، ومهاماً تتراكمُ فوقَ كتفيهِ. لقدْ كانَ الابنَ الوحيدَ لأبويهِ، وكانَ يحملُ على عاتقهِ آمالَ عائلةٍ بأكملها.
في يومٍ من الأيام، بينما كانَ "أمجد" يتفقدُ مذكراتِ والدهِ القديمة، عثرَ على شيءٍ أثارَ فضوله. كانتْ هناكَ ورقةٌ مطويةٌ بعنايةٍ، لا تحملُ سوى اسمٍ غريبٍ وبعضِ الأرقامِ. لم يفهمْ معناها، ولكنَّ شيئاً في أعماقهِ أخبرهُ بأنَّ هذهِ الورقةَ تحملُ سراً. سراً قد يغيرُ مجرى حياتهِ، أو حياةَ الآخرين.
ذهبَ "أمجد" إلى عمِّهِ، السيدَ "سعيد"، الرجلَ الحكيمَ الذي كانَ مرجعاً لهُ في كلِّ أمرٍ. عرضَ عليهِ الورقةَ، وسألهُ عن معناها. نظرَ "سعيد" إلى الورقةِ بدهشةٍ، ثمَّ تنهدَ تنهيدةً عميقةً. قالَ: "هذهِ الورقةُ يا أمجد، تحملُ تاريخاً ثقيلاً، وندوباً لا تزالُ تؤلمُ. إنها تتعلقُ بشيءٍ من الماضي، بشيءٍ حاولَ والدكَ أن يدفنهُ، ولكنهُ لم يستطعْ."
بدأ "سعيد" يروي لـ "أمجد" قصةً قديمةً، قصةً عن ديونٍ قديمةٍ، وعن اتفاقياتٍ غامضةٍ، وعن شخصٍ كانَ لهُ يدٌ في تعقيدِ حياةِ والدهِ. كانتْ القصةُ تترابطُ معَ الورقةِ التي وجدها "أمجد"، وتكشفُ عن جانبٍ مظلمٍ في حياةِ والدهِ لم يكنْ يعرفهُ من قبل. شعرَ "أمجد" بأنَّ كرةَ الثلجِ قد بدأتْ بالتدحرجِ، وأنَّ هناكَ الكثيرَ مما يجبُ أن يكشفهُ.
في هذهِ الأثناء، كانتْ "نور" تعيشُ صراعاً داخلياً مريراً. كانتْ تعلمُ جيداً أنَّ تمسكها بـ "عمر" بهذا الشكلِ غيرُ صحيٍ، بل وقد يكونُ مدمراً. كانتْ تشعرُ بأنها تفقدُ بوصلتها، وتتركُ حياتها تتأرجحُ على حبلٍ رفيعٍ من الأملِ المتبخر. والدتها، السيدةَ "فاطمة"، كانتْ تراقبها بقلقٍ، تحاولُ أن تفهمَ سببَ حزنها العميق، ولكنَّ "نور" كانتْ تبتعدُ عنها، وتفضلُ العزلةَ.
في إحدى الأمسيات، بينما كانتْ "نور" تتصفحُ صورَها القديمةَ معَ "عمر"، وقعَ بصرها على صورةٍ لهما في حديقةٍ، يضحكانِ معاً. تذكرتْ تلكَ اللحظةَ، يومَ أهدى لها وردةً حمراءَ، وقالَ لها كلماتٍ جعلتها تشعرُ بأنها أغلى إنسانةٍ في الكون. شعرتْ بوخزةٍ في قلبها، مزيجٍ من الحنينِ والألم. كانتْ تلكَ الأيامُ قد ولتْ، ولم يبقَ منها سوى ذكرى.
لكنَّ شيئاً ما تغيرَ فيها تلكَ الليلة. نظرتْ إلى الصورةِ مرةً أخرى، وبدلاً من أن تبكي، ابتسمتْ ابتسامةً باهتةً. بدأتْ تفكرُ في مستقبلها، في حياتها التي تنتظرها. هل ستظلُّ سجينةَ الماضي إلى الأبد؟ هل ستسمحُ لذكرى رجلٍ أحبتهُ أن تدمرَ حياتها؟
معَ بزوغِ فجرِ اليومِ التالي، اتخذتْ "نور" قراراً. قراراً صعباً، ولكنهُ ضروري. قرارٌ سيغيرُ مسارَ حياتها، وسيعيدُ لها قوتها. لم يكنْ الأمرُ سهلاً، فالقلبُ الذي اعتادَ على الشوقِ لن يتخلى عنهُ بسهولة. ولكنَّ الروحَ البشريةَ قادرةٌ على التكيفِ، وعلى إيجادِ النورِ حتى في أشدِّ الظروفِ قتامة. كانتْ "نور" على وشكِ اكتشافِ مدى قوتها الحقيقية.