الفصل 7 / 25

حب الأوطان

بوادر التغيير ولقاء القدر

بقلم سارة العمري

بدأتْ "نور" تشعرُ بوطأةِ قرارها، وبفراغِ الحياةِ الذي خلفهُ غيابُ "عمر" المتعمد. لم يكنْ الأمرُ سهلاً، فالقلبُ الذي اعتادَ على حبٍّ كبيرٍ، وعلى شوقٍ لا ينتهي، يحتاجُ وقتاً ليُشفى، ولينسى. لكنَّ إصرارها على بناءِ مستقبلٍ جديدٍ كانَ أقوى من أيِّ شوقٍ أو حنين. بدأتْ تستعيدُ نشاطها تدريجياً، وتعيدُ ترتيبَ حياتها، وتنظيمَ وقتها.

في يومٍ من الأيام، بينما كانتْ تتصفحُ كتاباً قديماً لوالدتها، وجدتْ فيهِ ورقةً صغيرةً تحملُ عنوانَ دورةٍ تدريبيةٍ في مجالِ التصميمِ الداخلي. كانتْ والدتها قد سجلتْ فيها منذُ سنواتٍ، ولكنها لم تستطعْ إكمالها بسببِ انشغالها. شعرتْ "نور" بأنَّ هذهِ فرصةٌ جديدةٌ، فرصةٌ لتوجيهِ طاقتها وإبداعها نحو شيءٍ مفيدٍ وبناء.

سجلتْ "نور" في الدورةِ، وشعرتْ بالحماسِ يتجددُ بداخلها. وجدتْ في مجالِ التصميمِ متنفساً لها، ومساحةً للتعبيرِ عن ذوقها الفني. بدأتْ تقضي ساعاتٍ طويلةٍ في الدراسةِ والتصميم، وترسمُ أحلامها على الورقِ، وتُحولُ الأفكارَ إلى تصاميمَ واقعية.

في أولِ يومٍ لها في الدورةِ، جلستْ "نور" في الصفِّ، تشعرُ ببعضِ التوترِ، ولكنهُ توترٌ ممزوجٌ بالشغف. وبينما كانتْ تُرتِّبُ أوراقها، لمحَ شابٌ يجلسُ في الصفِّ المقابلِ ينظرُ إليها بفضول. كانَ شاباً ذا ملامحَ هادئةٍ، وعينينِ لامعتينِ تحملانِ ذكاءً. كانَ "أمجد".

كانَ "أمجد" قد وصلَ إلى الدورةِ بدعوةٍ من "ليلى"، التي كانتْ تتمنى أن تساعدَ "نور" في تجاوزِ أزمتها، وأن يجدَ "أمجد" في هذا المجالِ شيئاً يشغلُ تفكيره. لم يكنْ "أمجد" مهتماً بالتصميمِ في حدِّ ذاتهِ، ولكنهُ رأى في هذهِ الدورةِ فرصةً للقاءِ "نور"، وللتواصلِ معها بشكلٍ أفضل، بناءً على طلبِ "ليلى".

عندما لاحظَ "أمجد" نظرةَ "نور" إليه، ابتسمَ لها ابتسامةً خفيفةً، فبادلتْهُ "نور" الابتسامةَ بخجل. لم تعرفْ "نور" أنَّ هذا الشابَ هوَ نفسه الذي تحدثتْ عنهُ "ليلى"، ولم يكنْ "أمجد" يعرفُ أنَّ هذهِ الفتاةَ الهادئةَ الأنيقةَ هيَ "نور" التي كانتْ تذبلُ أيامها.

بدأتْ الدورةُ، وتفاعلتْ "نور" معَ المحاضراتِ بحماسٍ. في استراحةِ الغداء، وبينما كانتْ "نور" تحتسي قهوتها، اقتربَ منها "أمجد".

"مرحباً،" قالَ "أمجد" بصوتٍ هادئٍ وعذب. "أظنُّ أننا لم نلتقِ بعد. أنا أمجد."

"أهلاً بكَ،" ردتْ "نور" بصوتٍ يكادُ يكونُ هامساً. "أنا نور."

"سعيدةٌ بلقائكِ يا نور. تبدينَ مهتمةً جداً بالدورةِ."

"نعم، أجدُ فيها الكثيرَ من الإلهام. وأنتَ؟"

"أنا هنا لأتعلمَ شيئاً جديداً، ولأرى ما يمكنُ أن أقدمهُ."

دارَ بينهما حديثٌ لطيفٌ، مقتضبٌ، ولكنَّه كانَ كافياً ليبدأَ خيطاً رفيعاً من التواصل. لم تشعرْ "نور" بأيِّ حرجٍ معَ "أمجد"، بل وجدتْ فيهِ نوعاً من الراحةِ والهدوء. كانَ حديثُهُ منظماً، وأفكارُهُ واضحة، وهذا ما جعلها تشعرُ بأنها تتحدثُ معَ شخصٍ ناضجٍ وموثوق.

في الوقتِ نفسِهِ، كانَ "أمجد" يشعرُ بجاذبيةٍ غريبةٍ تجاهَ "نور". لم تكنْ مجردَ فتاةٍ جميلةٍ، بل كانتْ تحملُ في عينيها عمقاً، وفي ابتسامتها براءةً، وفي حديثها رقةً. بدأَ يشعرُ بأنَّ ما كانتْ "ليلى" تقولهُ عن حزنها، لم يعدْ ظاهراً بوضوحٍ في تعابيرها الآن. لقدْ استعادتْ بعضاً من بريقها، وبعضاً من قوتها.

معَ مرورِ الأيام، أصبحَ لقاءُ "نور" و "أمجد" في الدورةِ جزءاً من روتينهما اليومي. كانا يتبادلانِ الأفكارَ حولَ المشاريعِ، ويتعاونانِ في بعضِ المهامِ. كانَ "أمجد" يقدِّمُ لها النصائحَ، وتشجعهُ "نور" على استكشافِ إمكانياتهِ.

في أحدِ الأيام، وبينما كانا يعملانِ على مشروعٍ مشتركٍ، سألَ "أمجد" "نور" عن سببِ دخولها هذهِ الدورة. ترددتْ "نور" قليلاً، ثمَّ قررتْ أن تكونَ صريحةً.

"لقدْ مررتُ بفترةٍ صعبةٍ في حياتي،" قالتْ "نور" بنبرةٍ هادئة. "كنتُ بحاجةٍ إلى شيءٍ جديدٍ، شيءٍ يُعيدُ لي الأملَ، ويُساعدني على بناءِ مستقبلٍ خاصٍ بي. هذا المجالُ أعطانى ذلك."

ابتسمَ "أمجد" بحنان. "أنا أفهمُ تماماً. كلُّنا نحتاجُ إلى لحظاتٍ نُعيدُ فيها اكتشافَ أنفسنا."

كانَ "أمجد" يشعرُ بأنَّه ينجذبُ إلى "نور" أكثرَ فأكثر. لم يكنْ يعرفُ ما إذا كانتْ هذهِ المشاعرُ مجردَ صداقةٍ، أم أنها بدايةُ شيءٍ أعمق. ولكنهُ كانَ يشعرُ بالراحةِ والأمانِ عندما يكونُ معها.

في هذهِ الأثناء، لم يكنْ "أمجد" قد نسيَ مهمتهُ الأصليةَ. كانَ لا يزالُ يبحثُ عن معلوماتٍ تخصُّ والدهُ، وعن طبيعةِ الديونِ التي كانَ يتحملها. ولكنَّ انشغالهُ بـ "نور" وبدورةِ التصميمِ قد قللَ من تركيزهِ على هذا الجانب.

في إحدى الليالي، وبينما كانَ "أمجد" يتصفحُ رسائلَ بريدٍ إلكتروني قديمةً لوالدهِ، عثرَ على بريدٍ إلكتروني من شخصٍ يدعى "كمال". كانَ البريدُ يحملُ تهديداً خفياً، ويتحدثُ عن اتفاقياتٍ لم يتمَّ الوفاءُ بها. شعرَ "أمجد" بأنَّ هذا "كمال" هوَ أحدُ الأشخاصِ الذينَ تسببوا في مشاكلَ لوالده.

قررَ "أمجد" أن يبدأَ في التحقيقِ في أمرِ "كمال". لم يكنْ يعرفُ كيفَ يبدأ، ولكنهُ كانَ مصمماً على كشفِ كلِّ الحقيقة. شعرَ بأنَّ اكتشافَ ماضي والدهِ قد بدأَ يأخذُ منعطفاً جديداً، وأنَّ الأمورَ قد تكونُ أكثرَ تعقيداً مما كانَ يتوقع.

وبينما كانتْ خيوطُ علاقةٍ جديدةٍ تنسجُ بينَ "نور" و "أمجد"، كانتْ خيوطُ مؤامرةٍ قديمةٍ تتكشفُ أمامَ "أمجد". لم يكنْ يعرفُ أنَّ هذينِ المسارينِ، مسارُ القلبِ ومسارُ الغموضِ، سيتقاطعانِ بطرقٍ غيرِ متوقعة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%