الحب الخفي الجزء الثاني
صدى الليل الأول
بقلم فاطمة النجار
هبت الرياح في ذلك المساء، عاصفة تحمل معها رائحة الطين المبلل ووشوشات نخيل الساحل، وكأنها تستحثّ شيئاً دفيناً في روح ليلى. وقفت عند شرفة فيلتها المطلة على بحر جدة الهادئ، ولكن هدوء السطح الخارجي لم يكن يعكس اضطراب أعماقها. كانت ترتدي عباءة سوداء أنيقة، وحجابها بلون السماء قبل الغروب، تتناغم ألوانهما مع خيال الحزن العميق الذي استقر في عينيها. بعيداً، كانت أضواء المدينة تتلألأ كنجوم سقطت على الأرض، لكنها بدت لها باردة، بعيدة، لا تملك دفء اللحظات التي تفتقدها.
"ليلى؟" صوت والدتها، السيدة فاطمة، اخترق سكون الليل. كانت تقف عند المدخل، تحمل صينية فضية عليها فنجان قهوة عربي وزهرة ياسمين وحيدة. استدارت ليلى، ابتسامة خفيفة شقت وجهها، ابتسامة لم تصل إلى عينيها. "نعم يا أمي؟" "ماذا تفعلين هنا وحدك؟ البرد بدأ يتسلق." اقتربت السيدة فاطمة، وعيناها تفحصان وجه ابنتها بقلق لا يخفى. "تفكّرين في الماضي مرة أخرى؟" تنهدت ليلى، واحتضنت فنجان القهوة بين يديها. "الماضي يا أمي، له غبار لا يمكن نفضه تماماً." "لكن الحاضر يا ابنتي، له نور لا ينبغي تجاهله." وضعت السيدة فاطمة الصينية على طاولة صغيرة بجانبها. "جهزت لكِ بعض الحلوى الشرقية. لعلكِ تشعرين ببعض السعادة."
لم تجب ليلى. كانت تتذكر. تتذكر ذلك اليوم قبل خمس سنوات، حين فتحت ذراعيها للحياة، مؤمنة بأن كل شيء سيكون مختلفاً. تزوجت من أحمد، الشاب الوسيم، المثقف، الذي بدت أحلامهما وكأنها تنسج من خيوط الذهب. كان حبهما حديث المدينة، مثالاً للزواج الراقي، الممزوج بالعادات الأصيلة والتطلع إلى مستقبل مشرق. لكن القدر، كالعادة، كان له رأي آخر. لم تمضِ شهور على زواجهما حتى بدأ القناع يسقط، وبدأت تظهر الشرور الكامنة خلف ابتسامته الساحرة. لم يكن الخلاف بسيطاً، بل كان صراعاً أعمق، يتعلق بقيم ومبادئ.
"هل وصل أحمد؟" سألت ليلى بصوت خافت، وكأنها تسأل عن شبح. تغير وجه السيدة فاطمة. "لا يا ابنتي. لم يصل بعد. ولا أعتقد أنه سيأتي اليوم." هذه الكلمات كانت كصاعقة أخرى، رغم أنها كانت تتوقعها. أحمد، زوجها، كان يمثل لعنة تتجدد. قضية انفصالهما كانت معقدة، لم تتعلق فقط بالحب المفقود، بل بميراث كبير، ومقاضاة شرسة، وصراع بين عائلتين. كانت ليلى، رغم كل شيء، ما زالت تحمل اسمه، وهذا كان يكفي لإبقاء الأبواب مفتوحة للقضاء والخصوم.
"الأمر لا يتعلق به الآن يا أمي." قالت ليلى، وعادت عيناها تبحثان في أفق البحر. "الأمر يتعلق بمن سيأتي بعده." كانت تشير إلى قرار مجلس العائلة الذي صدر قبل أيام. قرار كان بمثابة نهاية لكل ما كانت تبنيه. فقدان حضانة طفلها الوحيد، سارة، كان أشد وطأة من أي جرح غائر. سارة، التي كانت نور عينيها، قرة قلبها. كيف يمكن لقرار قانوني أو عائلي أن يفصل بين أم وابنتها؟ "سيجدون حلاً يا ليلى. نحن عائلة واحدة، وسنتجاوز هذه المحنة." حاولت السيدة فاطمة أن تطمئنها، لكن نبرة صوتها كانت تخلو من الثقة. "وما هو الحل يا أمي؟ أن أتنازل عن كل شيء؟ أن أقبل بشروطهم التي تقتلني؟" ضاقت عينا ليلى، وعادت ذكريات الاجتماع الأخير مع شيوخ العائلة. وجوه متجهمة، نظرات قاسية، وكلمات أشبه بالسهام. "لقد قالوا لي بوضوح، إما أن تتخلي عن كل ادعاءاتك، بما في ذلك حقوقك في رؤية سارة، وإلا فستجدين نفسك في مواجهة ليس لديكِ منها مخرج."
تنهدت ليلى بعمق، ومررت يدها على شعرها، تتلمس خصلات الحجاب. شعرت ببرودة غريبة، وكأن روحها قد تجمدت. كانت تتذكر أيام قوتها، أيام ما قبل الزواج، حين كانت طالبة متفوقة، طموحة، تحلم بمستقبل مشرق. ثم جاء أحمد، ليبدل كل شيء. حب، زواج، أمومة، ثم سقوط مدوٍّ. "أنا أفكر في أمر آخر." قالت ليلى، بصوت متهدج. "إذا لم يكن هناك حل سلمي، فربما يجب أن أبحث عن حلول خارج إطار العائلة." "ماذا تقصدين؟" ارتعبت السيدة فاطمة. "أقصد أن هناك من قد يساعدني. شخص يفهم القانون، وشخص لديه نفوذ." "وهل لديكِ أمل في هذا؟ من سيقف معكِ في وجه عائلة الغامدي؟" "لدي أمل واحد، يا أمي. أمل لا يمكن أن ينطفئ." نظرت ليلى إلى الأعلى، نحو السماء الصافية، وكأنها تتحدث إلى قدرها. "هناك في جدة، رجل لا يخشى أحداً. رجل سمعته تسبقه. يقولون إنه لا يرد مظلوماً." "من هو هذا الرجل؟" سألت السيدة فاطمة بقلق. "إنه المحامي سليمان." صمتت السيدة فاطمة للحظة. اسم سليمان كان معروفاً، لكنه كان أيضاً اسماً محاطاً بالغموض. قيل إنه رجل قليل الكلام، حاد الذكاء، ولا يتهاون أبداً في حقوق موكليه. كان يُقال إنه يملك القدرة على قلب الموازين. "المحامي سليمان؟ هل أنتِ متأكدة؟" "لا شيء يضمن النجاح، يا أمي. لكنه أملي الأخير. سأذهب إليه غداً." لم تستطع السيدة فاطمة أن تخفي قلقها. "أتمنى أن يكون اختيارك حكيماً يا ليلى. تذكري، أنتِ امرأة، وعلينا أن نكون أكثر حذراً." "سأكون حذرة، يا أمي. لكنني سأقاتل من أجل سارة."
وقفت ليلى، وتناولت فنجان القهوة، شربت منه رشفة، ومررت لسانها على شفتيها. مرارة القهوة لم تكن شيئاً مقارنة بمرارة ما تشعر به. لكن في تلك اللحظة، شعرت بوخزة صغيرة من القوة تتسلل إلى روحها. قوة المرأة التي لا تستسلم، حتى عندما يبدو كل شيء ضدها. نظرت إلى البحر مرة أخرى، وبدا لها أن أمواجه تحمل وعداً بالأمل. وعد بأن الليل لن يدوم، وأن الفجر قادم لا محالة.