الحب الخفي الجزء الثاني

زهرةٌ في مهب الريح

بقلم فاطمة النجار

في تلك الأثناء، كان محمد، الشاب ذو العينين الحزينتين والابتسامة الباهتة، يقف على شرفة غرفته المتواضعة في المدينة التي هاجر إليها بحثًا عن رزقٍ جديد. كانت السماء صافية، والسماء مرصعة بالنجوم، لكن قلب محمد كان مثقلًا بضبابٍ لا ينقشع. كان قد استلم رسالةً من صديقه المقرب، يعلمه فيها بخطبة سلمى ليوسف.

"يا سلمى... يا سلمى..." همس محمد، والاسم يخرج من بين شفتيه كأنه نداءٌ أخير.

تذكر أيام مضت، أيامٌ كان فيها يجلس مع سلمى في نفس الحديقة، يستمع إلى صوتها، ويتأمل جمالها، ويحلم بمستقبلٍ كان يظنه ممكنًا. كانت سلمى بالنسبة له أكثر من مجرد فتاةٍ أحبها، كانت تمثل له الأمل، والجمال، والحياء الذي كان يفتقده في عالمٍ قاسٍ.

لقد غادر المدينة، ليس هربًا من سلمى، بل هربًا من واقعه. كان فقيرًا، وبلا أفقٍ في بلدته. كان يخشى أن يكون عبئًا عليها، أو أن يجلب لها التعاسة. لقد ظن أنه سيجد طريقه، ثم يعود إليها ك فارسٍ يعرض عليها حياته. لكن الحياة لم تسر كما خطط.

"هل حقًا أحببتني يا سلمى؟" سأل نفسه، والدموع تتجمع في عينيه. "أم كان ذلك مجرد إعجابٍ عابر؟"

كان يعلم أنها أحبته، كان يرى ذلك في عينيها، يسمعه في نبرة صوتها. كانت قصة حبهما قصةً نقية، طاهرة، لم تتجاوز حدود الشرع. كانا يلتقيان في المناسبات، ويتبادلان النظرات، ويتحدثان بحياءٍ وإعجاب. لقد رآها يومًا تشتكي من إرهاقها، فذهب وأحضر لها الماء، ولمس يدها برفقٍ شديد، شعرت حينها بلهيبٍ في قلبها، شعر هو به في قلبه.

الآن، كل شيءٍ قد تغير. يوسف، ابن العم، الشاب الطموح، الكريم، هو من سيحقق لها ما لم يستطع هو تحقيقه. يشعر بالغصة في حلقه، بالغصة التي لا يستطيع أن يبصقها.

"حتى لو كان يحبها، هل أحبها حقًا؟" فكر محمد. "هل يعرف قيمتها؟ هل يعرف أنها زهرةٌ تحتاج إلى رعاية؟"

كان يعلم أن يوسف رجلٌ طيب، وأنه سيصونها. لكنه كان يخشى أن لا يدرك يوسف عمق مشاعرها، أن لا يرى فيها تلك الروح المرهفة، وذلك الحياء الذي كان يغطي وجهها كوشاحٍ فضفاض.

"ربما كان قدرًا،" قال لنفسه. "ربما كان هذا ما كتبه الله لنا. أن نلتقي، ونحب، ونفترق."

كان يعلم أن والده، الذي كان على خلافٍ مع عائلة سلمى بسبب ميراثٍ قديم، لن يرضى أبدًا بزواج محمد من سلمى. كانت هذه العائلة، لعائلة الشيخ عبد الرحمن، تعتبر من النخبة، بينما عائلته كانت تقع في فقرٍ مدقع. لقد حاول مرارًا أن يصلح ما فسد، لكن الأبواب كانت مغلقة.

"لو كان أبي أكثر لينًا..." تمتم محمد.

نظر إلى الهاتف الذي في يده. هل يتصل بسلمى؟ هل يقول لها شيئًا؟ لكن ماذا سيقول؟ "أتمنى لكِ السعادة، وأنا أموت قهرًا؟" لا، لن يفعل ذلك. لن يكون سببًا في إزعاجها، أو في إرباك سعادتها.

"لكن... هل سأستطيع أن أنساها؟" سأل نفسه. "هل سأستطيع أن أرى وجهها في أحلامي، وأنا أعلم أنها لغيري؟"

الشعور باليأس بدأ يتغلغل في روحه. لقد كان يأمل، في قرارة نفسه، أن تكون سلمى قد انتظرته. أن تكون قد أدركت أن حبه لها كان صادقًا، وأنه كان يبحث عن طريقةٍ ليكون أهلًا بها.

"لكن يوسف... إنه جيد. إنه يستحق. إنها ستكون معه سعيدة."

هذه الفكرة كانت تزيد من عذابه. أن يرى من يحب، تتجسد سعادته مع شخصٍ آخر.

"هل أتمنى لها الخير، أم أتمنى أن أجد سعادتي؟"

كانت هذه معضلةٌ أخلاقية، صراعٌ داخلي. لكن محمد، الذي كان يعيش في عالمٍ قاسٍ، كان يمتلك قلبًا طيبًا، قلبًا يعرف معنى التضحية.

"سأتمنى لها السعادة،" قال لنفسه بصوتٍ مكتوم. "ولن أكون سببًا في تعاستها. سأحاول أن أنسى، وأن أجد طريقي. ربما... ربما أجد سعادتي في مكانٍ آخر."

لكنه كان يعلم أن نسيان سلمى لن يكون سهلًا. كانت مثل الزهرة التي زرعها في قلبه، وريّها بدموع عينيه. كانت هذه الزهرة، الآن، في مهب الريح، تتجه نحو أرضٍ أخرى، لتنمو في بستانٍ آخر.

"يوسف،" همس محمد، "اعتني بها. اعتني بتلك الزهرة. إنها تستحق كل الحب."

في تلك الليلة، لم يستطع محمد أن ينام. كان يقلب ذكرياته، ويبحث عن معنى لكل ما حدث. كان يعلم أن حياته ستكون أصعب بدونها، لكنه كان يعلم أيضًا أنه يجب أن يمضي قدمًا.

"سأفعل،" قال بصوتٍ مهتز. "سأحاول."

كانت النجوم تتلألأ في السماء، وكأنها تشاركه وحدته. لكنها كانت أيضًا تذكره بأن هناك دائمًا نورًا، حتى في أحلك الليالي. هل سيجد محمد طريقه نحو هذا النور؟ أم سيظل أسيرًا لظلام حبه الضائع؟

في الغد، سيبدأ فصلٌ جديدٌ في حياته، فصلٌ سيكتب بمدادٍ من الألم، والأمل، والتضحية. فصلٌ سيكون فيه وحيدًا، يتصارع مع مشاعره، ويتعلم كيف يعيش مع ذكرى حبٍ لم يكتمل.

كانت الريح تهب، تحمل معها أصداء أحلامٍ لم تتحقق، وأشواقًا لا تعرف الاستقرار. وبقي محمد واقفًا على الشرفة، ينظر إلى السماء، ويبحث عن إجاباتٍ لا يجدها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%