الحب الخفي الجزء الثاني

همساتٌ وقراراتٌ حاسمة

بقلم فاطمة النجار

بعد أيامٍ قليلة من إعلان الخطبة، عادت والدة يوسف، السيدة زينب، من سفرها. كانت عائدةً محمّلةً بأخبارٍ عن تحسن حالة أختها، لكنها كانت عائدةً لتجد مفاجأةً تنتظرها.

"أهلاً بكِ يا أمي!" استقبلها يوسف بعناقٍ حار، وابتسامةٍ تعلو وجهه. "كيف حال أختي؟"

"الحمد لله، أصبحت أفضل حالاً. لكن... ما هذا الخبر السعيد الذي سمعتُ به؟ خطبتي؟" سألت السيدة زينب، وقد استقبلت الخبر بانبهارٍ وسعادة.

"نعم يا أمي! لقد قررتُ أخيرًا أن أستقر، وأن أتقدم لخطبة سلمى."

"سلمى! ما شاء الله! ابنة عمكِ سلمى؟ يا لها من أخبارٍ رائعة! لقد كنتُ أتمنى هذا منذ زمنٍ طويل!"

انفرج وجه السيدة زينب، وارتسمت على محياها ابتسامةٌ مشرقة. كانت تحب سلمى كثيرًا، وكانت ترى فيها خير زوجةٍ لابنها. "متى تم الأمر؟ وكيف؟"

"لقد تقدمتُ بطلبٍ رسمي، وتمت الموافقة. سنبدأ في التحضير للخطبة قريبًا."

"الحمد لله. الحمد لله الذي جمع قلوبكما. سلمى فتاةٌ مباركة، ذات خلقٍ ودين. إنها الاختيار الأفضل لابني."

بعد أن استقرت الأم في منزلها، جلست مع يوسف لتتحدثا عن التفاصيل. كانت متحمسةً جدًا، وبدأت تقترح أفكارًا للزفاف، وللمهر، وللضيافة.

"يوسف، هل تحدثتَ مع والدك؟" سألت.

"نعم يا أمي. والدي سعيدٌ جدًا، ويريد أن يشاركني في كل شيء."

"جميل. وأنا أيضًا أريد أن أشارك. أريد أن أرى ابني أسعد إنسانٍ في الدنيا."

"ولكن يا أمي، هناك أمرٌ أردتُ أن أتحدث معكِ فيه." قال يوسف، وقد بدا عليه بعض الجدية. "أعلم أنكِ كنتِ على خلافٍ بسيطٍ مع عائلة الشيخ عبد الرحمن بشأن أمرٍ قديم."

تغير وجه السيدة زينب قليلاً. "آه، ذلك الأمر... لقد مضى عليه زمنٌ طويل. كانت سوء فهمٍ بسيطٍ بين والدتي ووالدة الشيخ عبد الرحمن."

"نعم، لقد سمعتُ عن ذلك. لكنني أخشى أن يكون هذا الخلاف قد أثر على علاقتكما. وأنا لا أريد لأي شيءٍ أن يعكر صفو خطبتنا، أو خطبة سلمى."

"لا تقلق يا يوسف. لقد تجاوزتُ كل هذا. والأهم من ذلك، أنني أريد أن أكون سعيدةً لك. وأن أرى سلمى سعيدةً لك. سأبذل قصارى جهدي لأتقرب من عائلة الشيخ عبد الرحمن، وأصلح ما يمكن إصلاحه."

"بارك الله فيكِ يا أمي. هذا ما كنتُ أتمناه."

في هذه الأثناء، كان محمد قد قرر أن يتخذ قرارًا حاسمًا. لم يستطع أن يقف مكتوف الأيدي، وأن يرى سلمى تتزوج من غيره دون أن يذكرها ببعض الذكريات الجميلة. لم يكن يريد أن يفسد عليها سعادتها، لكنه كان يريد أن يقول لها وداعًا، وداعًا يليق بحبهما.

كتب رسالةً طويلة، يصف فيها مشاعره، وأحلامه التي لم تتحقق، ويتمنى لها السعادة. لم يذكر اسم يوسف، ولا يذكر أنه يعلم بخطبتها. كان يريد فقط أن يتحدث إلى سلمى، إلى تلك الفتاة التي أضاءت حياته.

"سلمى العزيزة،" بدأ يكتب. "أكتب إليكِ هذه الكلمات، وأنا أعلم أن هناك مسافةً تفصلنا، ليس فقط بالمسافة الجغرافية، بل بالمسافة التي تخطها الأيام. أتذكرين تلك الأيام التي كنا فيها نجلس تحت ظلال النخيل، نستمع إلى همسات الريح، ونتخيل مستقبلًا نراه أمامنا؟ كانت تلك الأيام تحمل لنا أملًا كبيرًا، وأحلامًا وردية. الآن، يبدو أن الأيام قد سارت بنا في دروبٍ مختلفة."

"لقد تعلمتُ في غربتي الكثير. تعلمتُ معنى الحياة، ومعنى الفراق، ومعنى الشوق. تعلمتُ أن الحب لا يموت، ولكنه قد يتغير. وأردتُ أن أقول لكِ، يا سلمى، أنني لن أنساكِ أبدًا. ستبقى ذكراكِ محفورةً في قلبي، وستظلين دائمًا تلك الزهرة النقية التي أضاءت أيامي."

"أتمنى لكِ كل السعادة، يا سلمى. أتمنى أن تجدي في حياتكِ كل ما تتمنينه. وأن تكون أيامكِ مليئةً بالحب، والخير، والبركة. اعلمي أنني دائمًا أدعو لكِ، وأتمنى لكِ كل التوفيق."

"مع خالص الحب والتقدير، محمد."

طوى محمد الرسالة، ووضعها في ظرفٍ أنيق. كان يعلم أن هذه هي الخطوة الأخيرة، الخطوة التي ستمكنه من المضي قدمًا.

في منزل الشيخ عبد الرحمن، كانت سلمى تشعر بسعادةٍ غامرة. كانت تستعد لاستقبال والدة يوسف، السيدة زينب، في زيارةٍ أولى، ليتعرفن على بعضهن البعض بشكلٍ أعمق.

"يا أمي،" قالت سلمى لوالدتها، "أشعر أننا على وشك بدء فصلٍ جميلٍ في حياتنا."

"والله أسأل الله أن يتممه على خير يا ابنتي. السيدة زينب امرأةٌ كريمة، وسمعتها طيبة. أظن أنكما ستكونان صديقتين."

"آمل ذلك. أنا حقًا أرغب في أن تكون علاقتنا قويةً ومباركة."

بينما كانت سلمى تجهز نفسها، جاءت الخادمة تبشرها بوصول رسولٍ يحمل ظرفًا. فتحت سلمى الظرف، ورأت الرسالة. كانت تعرف الخط. كانت تعرف أن هذه الرسالة من محمد.

شعرت بقلبها يخفق بعنف. لم تكن تتوقع هذا. لم تكن تتوقع أن يتواصل معها بعد كل هذا الوقت. بدأت تقرأ الرسالة، وكلماتها تتردد في أذنيها. كان هناك حزنٌ في كلماته، وحنينٌ واضح، لكنه كان مليئًا بالحب، وبالتمني لها الخير.

"يا إلهي..." همست سلمى.

شعرت بمشاعر متضاربة. كانت سعيدةً بخطبتها ليوسف، وكانت ترى فيه مستقبلها. لكن كلمات محمد، وحنينه، أشعلت فيها شيئًا من الماضي.

"لقد أحبني..." فكرت. "لقد أحبني بصدق."

شعرت بمسؤوليةٍ تجاه مشاعره. لم تستطع أن تتجاهلها.

"يا أمي،" قالت لوالدتها، وقد بدت عليها علامات التأثر. "أتتني رسالةٌ من محمد."

نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بقلق. "من محمد؟ وماذا يقول؟"

"إنه يتمنى لي السعادة. ويتذكر الأيام التي مضت."

"محمد..." قالت السيدة فاطمة، وقد عادت إليها ذكريات الخلاف القديم. "هو شابٌ طيب، لكن والديه... كانا سببًا في الكثير من المشاكل. أظن أنكِ كنتِ محقةً في اختيار طريقكِ."

"أنا سعيدةٌ يا أمي، حقًا. لكنني لا أريد أن أؤذي مشاعره."

"بالطبع يا ابنتي. لا يجب أن تؤذي أحدًا. لكن عليكِ أن تكوني حازمةً في قراركِ. أنتِ الآن مخطوبةٌ لشابٍ كريم، ولعائلةٍ طيبة. لا تدعي الذكريات القديمة تعكر صفو حاضركِ، أو مستقبلكِ."

"أتفهم يا أمي."

لكن سلمى لم تستطع أن تنسى بسهولة. كانت كلمات محمد، وحنينه، أشبه بصدىً لحبٍ ضائع، لحلمٍ لم يكتمل. شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، طريقٌ يؤدي إلى مستقبلٍ مشرق، وطريقٌ يتجه نحو ذكرياتٍ مؤثرة.

كانت السيدة زينب على وشك الوصول. شعرت سلمى بضرورة اتخاذ قرارٍ سريع. كيف ستتصرف؟ هل ستتحدث إلى محمد؟ هل ستترك الرسالة دون رد؟

كانت هذه اللحظة حاسمة، لحظةٌ ستحدد مسار علاقاتها، وتؤثر على مشاعر الكثيرين.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%