الحب الخفي الجزء الثاني

ثمن الماضي

بقلم فاطمة النجار

جلست سارة في مجلس والدها، وقلبها يخفق بشدة. كانت رؤية والدها في تلك اللحظة، وهو يحتسي قهوته الصباحية بهدوء، تبعث فيها مزيجاً من الطمأنينة والقلق. وجهه الأبيّ، وعيناه اللتان تحملان حكمة السنين، كانتا دائماً مصدر إلهام لها. لكن اليوم، كانت تبحث عن إجابات، عن نور يخترق الظلال التي تراكمت.

"يا أبي،" بدأت سارة بصوت حاولت أن تجعله ثابتاً، "أود أن أتحدث معك في أمر هام."

رفع والدها رأسه، ورأى في عينيها إصراراً لم يعهده فيها من قبل. "تفضلي يا ابنتي، ما الذي يشغل بالك؟"

"أعلم أنك أجلت الخطبة لأسباب تعتقد أنها في مصلحتي، ولكني أشعر بأن هناك ما هو أعمق. الحاج إبراهيم سألني أمس، والحاج إبراهيم رجل حكيم، ولا يقول شيئاً من فراغ. شعرت وكأنه يعرف شيئاً، أو يلمح إلى شيء."

نظر والد سارة إلى فنجان قهوته، ثم إلى سارة. كانت هناك لحظة صمت ثقيل، تحمل في طياتها ثقل سنين من الذكريات. "الحاج إبراهيم رجل طيب، ويحب لك الخير،" قال والدها أخيراً، "ولكن بعض الأمور، يا ابنتي، تظل في طي الكتمان، لأجل حفظ ماء الوجه، ولأجل منع الفتنة."

"لكن يا أبي، الشك والخوف هما فتنة في حد ذاتهما. أنا أحب أحمد، وأرى فيه الرجل الذي أريد أن أبني معه حياتي، على شرع الله وسنة رسوله. لكن هذا التأجيل، وهذا الصمت، يزرعان في قلبي الشك. ما هو الثمن الذي تخشى أن ندفعه؟"

تنهد والدها بعمق، ووضع فنجان قهوته جانباً. "الثمن يا سارة، هو ثمن الماضي. ثمن قرار اتخذته قبل سنين طويلة، قرار كان يبدو لي حينها هو الصواب، ولكني اليوم أرى عواقبه. أنتِ لا تعرفين كل شيء عن تاريخ عائلتنا، ولا عن الالتزامات التي يحملها اسمنا."

"التزامات؟ أي التزامات يا أبي؟" سألت سارة بلهفة.

"هناك دين قديم، يا ابنتي، دين يتعلق بوالد أحمد، رحمه الله. كان بيني وبينه اتفاق، اتفاق لم أكن أرغب في أن أورط ابنتي فيه. ولكن يبدو أن الأقدار لها رأي آخر."

بدأت سارة تشعر بالدوار. والد أحمد؟ اتفاق؟ "ما هذا الاتفاق يا أبي؟"

"حين كنت شاباً، يا سارة، مررت بضائقة مالية شديدة. كان الحاج أحمد، والد أحمد الشاب، رجلاً كريماً، وساعدني كثيراً. مد لي يد العون، ووقف بجانبي في أصعب الظروف. وعندما سألته عن مقابل، رفض في البداية. ولكني ألححت عليه، وقلت له: 'سأرد لك الجميل حين يأتي الوقت المناسب، وسأجعله ضعفاً.' فابتسم وقال: 'ليس المال ما أريده، بل أردت أن أراك ناجحاً. ولكن إن أردت أن تفعل شيئاً، فتذكر أن بين عائلتينا ديناً، سيأتي يوم أسدده لك.' لم أفهم ما كان يقصده تماماً حينها، ولكن بعد سنوات، حين بدأت أرى بعض المشاكل في تجارة العائلة، وبدأت أبحث عن طريقة لتأمين مستقبل أبنائي، تذكرت كلماته."

"ثم ماذا يا أبي؟" سألت سارة، وعيناها معلقتان بوالدها.

"ذهبت إليه، وأخبرته بأنني مستعد لرد الدين. حينها، كان أحمد الشاب صغيراً، ولم تكن هناك أي ترتيبات رومانسية بينهما. ولكن الحاج أحمد، رحمه الله، قال لي: 'ابنتي، ابنتي التي لم أنجبها. أرى فيها ما لم أره في غيرها. أريد أن أرى ابني أحمد مرتبطاً بابنتك سارة، عندما يكبران. هذا هو رد الدين الذي أريده.' في ذلك الوقت، لم أكن أرى الأمر بالشكل الذي أراه اليوم. رأيته كعربون صداقة، وكوعد سأحفظه. ولكن مع الأيام، ومع نمو سارة، ومع إصرار الحاج أحمد، وافقت على هذا الوعد."

صدمت سارة. لم تتوقع أبداً أن يكون هناك اتفاق كهذا. "يعني الخطبة لم تكن مجرد قرار عاطفي، بل كانت ديناً؟"

"بالضبط يا ابنتي. كان وعداً قطعته على نفسي، ووعداً لم أستطع أن أخبرك به تفاصيله، خوفاً من أن تشعري بالضغط. ولكن عندما تقدم أحمد للشاب لخطبتك، وشعرت بأن قلوبكما تميل لبعضكما البعض، رأيت أن هذا هو القدر. ولكني أيضاً، عندما بدأت أرى بعض علامات المقاومة من عائلة أحمد، وبعض المطالب التي بدأت تظهر، بدأت أشعر بالقلق. يبدو أن الحاج أحمد، رحمه الله، كان لديه رؤية أعمق، وكان يتوقع أن تكون الأمور معقدة."

"ما هي المطالب التي ظهرت يا أبي؟" سألت سارة، وشعور بالغربة بدأ يتسلل إلى روحها.

"هناك بعض الأمور التجارية، يا سارة. عائلة أحمد، كانت دائماً مرتبطة بعلاقات قوية في عالم التجارة. ويبدو أن هناك بعض الاستثمارات المشتركة التي يريدون تأمينها من خلال هذا الزواج. وهذا ما جعلني أتردد. لا أريد أن أراكِ مجرد أداة في صفقة تجارية، ولا أريد أن أرى عائلة أحمد تستغل صلتها بوالدك القديم لمصالحهم. ولكن في الوقت نفسه، لا يمكنني نقض وعد قطعته. والد أحمد، رحمه الله، كان رجلاً كريماً، وأنا لا أريد أن أكون ناكراً للجميل."

"ولكن يا أبي، إذا كانت المشاعر ليست هي الأساس، وإذا كانت الأمور مرتبطة بالديون والمصالح، فكيف يمكن أن يكون هذا الزواج مباركاً؟" سألت سارة، والدموع تتجمع في عينيها.

"هنا يكمن صراعي يا ابنتي. الحب بينك وبين أحمد، هو ما يدفعني للأمام. وأحمد، رجل طيب، وقلبه نظيف. ولكنه أيضاً، ابن لعائلته، وسيظل ملزماً ببعض الالتزامات. لم أكن أرغب في أن أضعك في هذا الموقف. كنت أتمنى أن يكون زواجكما مبنياً على الحب الصادق، وعلى اختياركما الحر، لا على دين قديم."

"إذاً، ما الحل يا أبي؟" سألت سارة.

"لا أعرف يا ابنتي. كل ما أعرفه، أن الأمور لم تعد بالبساطة التي بدت عليها. أعتقد أن الحاج إبراهيم، سمع بعض الهمسات، ولذلك سأل. هو يعرف تاريخ العائلتين، ويعرف الالتزامات المتبادلة. ولكن ما كان يقصده بتأجيل الخطبة، هو أن نحتاج لبعض الوقت لنرى إلى أين تتجه الأمور، ولنرى إذا ما كان يمكن حل هذه التعقيدات دون أن تضري أنتِ."

نظرت سارة إلى والدها، وشعرت بعبء هائل يقع على كتفيها. لقد كان والدها يحاول حمايتها، ولكنه في الوقت نفسه، كان يضعها في وسط شبكة من الالتزامات المعقدة. هل كان حبها لأحمد قوياً بما يكفي لتجاوز هذه العقبات؟ هل كانت عائلة أحمد ترغب في الزواج منها لأجلها، أم لأجل تحقيق أهدافهم؟

فجأة، شعرت سارة بحاجتها للحديث مع أحمد. لم يعد الأمر يتعلق بمجرد مشاعر رومانسية، بل يتعلق بمستقبل مشترك، مستقبل يحتاج إلى صدق وشفافية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%