الحب الخفي الجزء الثاني
صدفة على رصيف الأمل
بقلم فاطمة النجار
شقت سيارة ليلى السوداء طريقها بصعوبة عبر شوارع جدة المزدحمة. كانت الشمس لا تزال في كبد السماء، تسلط أشعتها الذهبية على المباني الحديثة والأسواق التقليدية على حد سواء. كان الهواء يحمل مزيجاً من روائح العطور الشرقية، وتوابل البهارات، وبخار السيارات. كل شيء كان ينبض بالحياة، لكن ليلى كانت تشعر وكأنها تسير في عالم آخر، عالم مغلق على آلامها.
كانت متجهة إلى مكتب المحامي سليمان، الذي حددت موعداً معه في وقت متأخر من بعد الظهر. كانت قد حجزت الموعد عبر وسيط، ولم تتحدث معه مباشرة. كل ما سمعته عنه كان مجرد قصص، لكنها كانت كافية لتشعل شمعة أمل في قلبها.
عندما وصلت إلى الحي الراقي الذي يقع فيه مكتبه، توقفت ليلى لتستجمع أنفاسها. كان المبنى فخماً، حجرياً، يشي بالفخامة والهدوء. كانت واجهة المكتب تعكس صورته، جادة، مهيبة، لا تقبل المساومة. ترجلت من سيارتها، وشعرت بنظرات بعض المارة تتجه نحوها. كانت ترتدي عباءة زرقاء داكنة، وحجاباً بلون اللافندر، تحاول أن تبدو أنيقة ولكن متواضعة.
فتحت باب المكتب، ودخلت إلى بهو واسع، تتناثر فيه نباتات خضراء مورقة، وتتدلى منه ثريات كريستالية متلألئة. كان هناك موظف شاب يجلس خلف مكتب استقبال أنيق، ويرتدي زياً رسمياً. "أهلاً بكِ." قال الشاب بابتسامة مهذبة. "هل لديكِ موعد؟" "نعم، لدي موعد مع المحامي سليمان. اسمي ليلى الغامدي." رقّب الشاب اسمها على قائمة، ثم قال: "تفضلي بالجلوس، يا سيدة ليلى. الأستاذ سليمان على وشك الانتهاء من اجتماعه."
جلست ليلى على أريكة جلدية مريحة، وبدأت تتصفح مجلة فنية كانت على الطاولة. كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكن قلبها كان يخفق بسرعة. كانت تعلم أن مواجهة عائلة زوجها، وخاصة عائلة والدته، ستكون معركة شاقة. عائلة الغامدي كانت من العائلات المعروفة في جدة، ذات نفوذ واسع، لا تخاف في الله لومة لائم.
بعد دقائق معدودة، خرج رجل طويل القامة، يبدو في أواخر الأربعينات، يرتدي بدلة داكنة أنيقة. كان وجهه صارماً، وله هيبة خاصة. نظر الشاب إلى ليلى وقال: "الأستاذ سليمان جاهز لاستقبالكِ." نهضت ليلى، وتتبعت الشاب إلى داخل مكتب فسيح. كان المكتب فوضوياً بعض الشيء، لكنه كان يعكس شخصية صاحبه: شخص يعمل بجد، ولا يكترث بالمظاهر. كانت هناك رفوف مليئة بالكتب، وأوراق مبعثرة على المكتب، ورسومات بيانية معقدة. "تفضلي يا سيدة ليلى." قال المحامي سليمان، مشيراً إلى كرسي أمامه. "اجلسي." جلست ليلى، ووضعت حقيبتها الصغيرة على ساقيها. كانت تنظر إلى المحامي، تحاول أن تقرأ في عينيه شيئاً. كانتا رماديتين، حادتين، وكأنهما تخترقان الروح. "أعلم أنكِ هنا لأمر جلل." قال سليمان بصوت عميق وهادئ. "وقد سمعتُ عن قضيتكِ من خلال وسيط. قضية انفصالكِ عن أحمد الغامدي، وصراعكِ على حضانة ابنتكِ سارة." "نعم يا أستاذ سليمان." قالت ليلى، وشعرت بأن صوتها يرتجف قليلاً. "لقد أصبحتُ في موقف صعب جداً. عائلة أحمد، خاصة والدته، لا يريدون لي أي فرصة. لقد هددوني." "ما هي التهديدات بالتحديد؟" سأل سليمان، وعيناه لا تفارقان وجهها. "قالوا لي، إذا لم أتنازل عن كل شيء، بما في ذلك حقوقي في رؤية سارة، فسيقومون باتهامي بأشياء لم أفعلها. سيشوهون سمعتي، وسيدمرون ما تبقى لي من حياة." "وما هي مطالبتكِ أنتِ؟" "أنا أريد فقط حضانة ابنتي. هي كل ما أملك. هي روحي." بدأت ليلى تشعر بالدموع تتجمع في عينيها. "لا أريد مالاً، لا أريد شيئاً. فقط سارة." "أفهم. لكن القضية معقدة، يا سيدة ليلى. عائلة الغامدي لها نفوذ كبير. والمحكمة قد تميل إلى إعطاء الحضانة للأب إذا كانت الأم في وضع ضعيف." "ما هو وضعي الضعيف؟" سألت ليلى، وقد شعرت باليأس يتسلل إلى روحها. "الانفصال عن زوجكِ، وتاريخ ارتباطكِ به، قد يُستخدم ضدكِ. هل هناك أي أمور يمكن أن تستغل ضدكِ؟" "لا شيء." قالت ليلى بحزم. "لقد حافظتُ على ديني، على سمعتي، على كل شيء. لم أفعل شيئاً قد يمسّ بسمعتي." "جيد." قال سليمان، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه. "هذا مهم جداً. الآن، أخبريني عن طبيعة علاقتكِ بأحمد. هل كان هناك عنف؟ خيانة؟" بدأت ليلى بسرد القصة. قصة حب بدأت تتلاشى، ليحل محلها صراع على المال والسلطة. قصة أحمد الذي تحوّل من زوج محب إلى رجل قاسٍ، لا يهمه سوى تحقيق مصالحه. قصة والدته، السيدة سعاد، التي كانت ترى فيها غريمة، تهديداً لمكانتها في حياة ابنها. "لقد حاولتُ مراراً أن أحل الأمور بشكل ودي." قالت ليلى. "لكنهم رفضوا. يريدون إبعادي عن حياة سارة تماماً." "وهذا لن يحدث." قال سليمان، وتغيّر صوته قليلاً، أصبح أكثر قوة. "إذا كنتِ صادقة في كل ما تقولين، ولستِ تخفين أي شيء، فسأكون معكِ. لن أدعهم يأخذون ابنتكِ منكِ." شعرت ليلى بارتياح كبير. لأول مرة منذ أشهر، رأت بصيص أمل حقيقي. "أنا مستعدة لتقديم كل ما تحتاجونه." "ممتاز. أحتاج إلى وثائق زواجكِ، وأي مستندات تثبت علاقتكِ بسارة. وشهادات شهود، إن وجدوا. وسأقوم بالباقي." نهض سليمان، ومد يده إلى ليلى. صافحت يده، وشعرت بقوة غامضة تتنقل عبر جسدها. "الأمر لن يكون سهلاً." قال سليمان. "لكننا سنفعل ما بوسعنا." "شكراً لك يا أستاذ سليمان." قالت ليلى، وابتسامة امتنان صادق تلوح على وجهها. "لا شكر على واجب. الآن، عدتِ إلى المنزل، وأنا سأبدأ العمل. وسنلتقي مرة أخرى قريباً."
عندما خرجت ليلى من مكتب سليمان، شعرت بخفة غريبة. الهواء بدا أنقى، والشمس أشرق. لم تكن متأكدة من النتيجة، لكنها كانت متأكدة من أنها في يد أمينة. رجل يحمل بين طياته عدلاً، ولن يخشى أحداً.