الحب الخفي الجزء الثاني
همسات الماضي المشتعل
بقلم فاطمة النجار
كانت رائحة الهيل والقهوة تفوح من فناء دار آل سليم، تملأ الأجواء بعبقٍ شرقي أصيل، ممزوجةً بحفيف أوراق النخيل التي داعبتها نسمةٌ باردة. جلست "ليلى" على مصطبةٍ حجريّةٍ مزخرفة، تتأمل هلال المساء الذي لاح كوشمٍ فضيٍّ على قماش السماء المخملي. كان قلبها ينبض بقلقٍ مكتوم، كطائرٍ حبيسٍ يرتجف في قفصٍ ضيق. منذ الأمس، لم تغادرها صورة "أحمد" وهو يغادر المكتب بخطواتٍ سريعة، وعيناه تلمعان بنوعٍ من الإصرار الذي لم تعهده فيه.
استيقظت "ليلى" اليوم مبكرًا، وقد ارتسمت على وجهها علامات القلق. حاولت أن تتظاهر بالهدوء أمام والدتها، "فاطمة"، التي كانت تتبادل الأحاديث مع نساء الجيران في الفناء. لكن "فاطمة" كانت تدرك ابنتها جيدًا، تلك العيون التي كانت تبرق بالحياة دائمًا، كانت الآن تحمل ثقلًا غريبًا.
"ما بالك يا ابنتي؟" سألت "فاطمة" بلطف، وهي تضع يديها على كتفي "ليلى". "هل ثمة ما يقلقك؟"
ابتسمت "ليلى" ابتسامةً باهتة. "لا شيء يا أمي، مجرد بعض الأفكار التي تدور في رأسي."
"الأفكار التي تدور في رأسك دائمًا ما تكون مرتبطةً بأحمد، أليس كذلك؟" قالت "فاطمة" بنبرةٍ حانية، لكنها تحمل لمسةً من الاستفهام.
احمرّ وجه "ليلى" خجلًا. "أحمد... هو فقط... لم يأتِ لزيارتنا منذ يومين."
تنهدت "فاطمة". "لم أرَ في حياتي شابًا أكثر شغفًا بعملٍ من أحمد. ربما انشغل بأمرٍ مهم في شركته. لا تقلقي يا ابنتي، هو دائمًا ما يعود."
لكن "ليلى" لم تكن مقتنعة. كانت تعلم أن اختفاء "أحمد" المفاجئ، وصمته الغريب، يحمل في طياته ما هو أعمق من مجرد انشغالٍ بالعمل. كان لديها شعورٌ بأن هناك شيئًا ما يحدث، شيئًا قد يغير مجرى حياتها.
في هذه الأثناء، كان "أحمد" في مكتبه، يحدق في أوراقٍ متناثرة أمامه. وجهه كان كخريطةٍ ترسم عليها خطوط القلق والهم. بجانبه، كان يقف "خالد"، صديقه وزميله، وقد انتابه مزيجٌ من التعاطف والدهشة.
"لم أكن أتوقع أبدًا أن يصل الأمر إلى هذا الحد، يا أحمد." قال "خالد" بصوتٍ منخفض. "هل أنت متأكدٌ مما تفعله؟"
أخذ "أحمد" نفسًا عميقًا، وأغلق عينيه للحظة. "لا أملك خيارًا آخر، يا خالد. لقد اكتشفتُ شيئًا لا يمكنني تجاهله. إنها مسؤوليةٌ تفوق قدرتي على التحمل."
"لكن... ليلى؟ كيف ستفسر لها هذا؟" سأل "خالد" بتردد. "قلبها متعلقٌ بك، يا صديقي."
"هذا ما يجعل الأمر أصعب." أجاب "أحمد" بصوتٍ مختنق. "إنها البريئة الوحيدة في هذه القصة. كل ما أريده هو حمايتها، حتى لو كان ذلك يعني ألمًا مؤقتًا."
"ما هو هذا السر الذي جعلك تقرر قطع كل شيء؟"
بدأ "أحمد" يروي لـ"خالد"، بينما كانت خيوط الماضي تتشابك مع الحاضر في سرده. كان الأمر يتعلق بتفاصيل دقيقةٍ اكتشفها في سجلات الشركة، تفاصيل تثبت تورط "شخصٍ قريب" في مخالفاتٍ ماليةٍ جسيمة، وقد امتدت هذه المخالفات لتطال مصالح عائلة "ليلى" بشكلٍ غير مباشر. كان الأمر معقدًا، يتعلق بسمعةٍ، ومستقبلٍ، وربما حياة.
"لقد حاولتُ أن أجد مخرجًا آخر، يا خالد. حاولتُ أن أتعامل مع الأمر بهدوء، دون أن يمس أحدًا بسوء. لكن الأدلة كانت تتزايد، والضغوط تتصاعد. شعرتُ بأنني أحاصر، وبأنني أتحمل عبءًا لا ينبغي أن أتحمله وحدي."
"ومن هو هذا الشخص؟" سأل "خالد" بفضولٍ أكبر، لكن "أحمد" هز رأسه.
"هذا ما لا يمكنني الإفصاح عنه الآن. ولكن اعلم يا خالد، أن هذا الشخص يملك نفوذًا كبيرًا، وأن كشفه سيجلب معه عواقب وخيمة. و"ليلى"... هي في مرمى النيران دون أن تدري."
كانت كلمات "أحمد" تزيد من قلق "خالد". كان يعرف مدى صدق "أحمد" والتزامه بالمبادئ. ولذلك، كان يدرك أن الموقف خطيرٌ جدًا.
"إذًا، ما هي خطتك؟"
"يجب أن أبتعد." قال "أحمد" بحزمٍ قاطع. "يجب أن أفصل "ليلى" عن هذا الموضوع تمامًا. سأدّعي أنني لم أعد أهتم، أو أنني وجدتُ طريقًا آخر. يجب أن أكرهها على الابتعاد عني، حتى لا تصبح هدفًا."
"لكن هذا مؤلم، يا أحمد. سيكون ألمًا بالغًا لها."
"الألم الذي سأسببه لها الآن، هو أهون من الألم الذي قد يصيبها إذا انكشف كل شيء وهي قريبةٌ مني." قال "أحمد" وعيناه مليئتان بالأسى. "لقد اتخذتُ قراري. سأذهب إلى بيت عمي غدًا، وسأتحدث معه. سأنسحب من كل شيءٍ يتعلق بـ"ليلى" علنًا. هذا هو الحل الوحيد لضمان سلامتها."
كان "خالد" يشعر بالعجز. لم يستطع أن يجد الكلمات المناسبة لمواجهة تصميم "أحمد". كان يرى في عينيه تصميمًا لا يلين، وإحساسًا بالواجب لا يعرف الرحمة.
في ذلك المساء، كانت "ليلى" جالسةً في غرفتها، تتصفح صورها مع "أحمد" على هاتفها. كل صورة كانت تحكي قصةً، كل ابتسامة كانت تحمل ذكرى. شعرت بدموعٍ تتجمع في عينيها، وابتلعها اليأس.
"لماذا يا أحمد؟" همست لنفسها. "ما الذي فعلته لأستحق هذا؟"
كانت قد حاولت الاتصال به مراتٍ عديدة، لكن هاتفه كان مغلقًا. حتى رسائلها لم تجد ردًا. كان هذا الصمت، هذا الغياب المفاجئ، أقسى عليها من أي كلام.
فجأة، سمعت صوت خطواتٍ تقترب من باب غرفتها. كان قلبها يخفق بعنف. هل هو؟ هل عاد؟
فتحت الباب بلهفة، لتجد والدها "سليم" يقف أمامها، وجهه يحمل تعابير قلقة.
"ماذا بك يا بنيتي؟" سأل "سليم" وهو ينظر إلى عينيها المنتفختين.
"أبي... هل سمعت شيئًا عن أحمد؟"
تنهد "سليم" بصوتٍ مسموع. "لقد اتصل بي قبل قليل. طلب مني أن أذهب إليه غدًا صباحًا في بيت عمك. قال إن لديه أمرًا مهمًا جدًا يريد التحدث فيه معي."
جمدت "ليلى" في مكانها. شعرت بأن الأرض تدور بها. "بيت عمك؟" كررت بصوتٍ خافت. "ماذا يريد أن يتحدث فيه مع أبي؟"
"لا أعلم يا ابنتي." أجاب "سليم" وهو يضع يده على رأسها. "لكنني أخشى أن يكون الأمر جدّيًا."
كانت ليلةً طويلةً وقلقةً لـ"ليلى". كل همسةٍ من الرياح، كل صوتٍ من الخارج، كان يزيد من توترها. كانت تشعر بأن هناك عاصفةً قادمة، وأنها على وشك أن تواجه شيئًا سيغير كل شيء. كانت تعلم، في أعماقها، أن صمت "أحمد" لم يكن مجرد انشغالٍ بالعمل، بل كان بدايةً لنهايةٍ ما، نهايةً لم تكن مستعدةً لها أبدًا. ولم تدرك بعد أن هذا الصمت كان درعًا، درعًا يهدف إلى حمايتها من نيرانٍ كانت تحيط بها دون علمها.