الحب الخفي الجزء الثاني
لعبة الظلال على طاولة المفاوضات
بقلم فاطمة النجار
في ذلك المساء، كانت غرفة المعيشة في فيلا ليلى مضاءة بنور خافت. السيدة فاطمة كانت جالسة على أريكة، تقلب صفحات كتاب، لكن عينيها كانتا شاردتين. ليلى كانت واقفة عند النافذة، تراقب أضواء جدة البعيدة، وتتأمل في المكالمة التي تلقتها.
"هل أنتِ متأكدة من قراركِ يا ليلى؟" سألت السيدة فاطمة، وقلقها واضح في صوتها. "مقابلة السيدة سعاد ليست بالأمر الهين. إنها امرأة شديدة، وماكرة." "أعلم يا أمي. لكن مها وعدتني بأن تكون معي. وهي لم تكن دائماً شريرة. كانت لطيفة." "اللطف في تلك العائلة ليس دائماً صادقاً. وقد يكون مجرد فخ." "ربما. لكنني لا أستطيع أن أستمر هكذا. كل يوم يمر، أشعر بأن سارة تبتعد أكثر. يجب أن أحاول." "أتمنى أن يكون اختياركِ صائباً. هل تحدثتِ مع المحامي سليمان عن هذا اللقاء؟" "لا. أردتُ أن أفكر ملياً قبل أن أخبره. أخشى أن يعتبره تصرفاً متهوراً." "هو على حق، قد يكون كذلك. تذكري، يا ابنتي، أن بعض النساء لا يعرفن الرحمة عندما يتعلق الأمر بمصالح عائلاتهن. والسيدة سعاد، بالتأكيد، ترى في هذه القضية مسألة كرامة ونفوذ." "لكنها جدة سارة أيضاً." "نعم، لكن قوة الأمومة لا تبرر دائماً التصرفات الخاطئة. خاصة عندما تتشابك مع الأحقاد القديمة."
في اليوم التالي، اتصلت مها بليلى، وأخبرتها بأن الموعد تم تحديده. سيكون اللقاء في مقهى راقٍ في وسط المدينة، في الساعة الرابعة عصراً. وعدت مها بأنها ستكون هناك قبل ليلى بعشر دقائق، لتتأكد من أن كل شيء على ما يرام.
في الموعد المحدد، وصلت ليلى إلى المقهى. كانت ترتدي عباءة سوداء محتشمة، وحجاباً بلون الرمادي. جلست في زاوية هادئة، وطلبت لنفسها كوباً من الماء. شعرت ببرودة تسرى في أطرافها. كانت تتظاهر بالهدوء، لكن قلبها كان يدق بعنف.
بعد دقائق، رأت مها تدخل المقهى. كانت مها ترتدي فستاناً أنيقاً، ووشاحاً حريرياً يغطي شعرها. اقتربت من ليلى بابتسامة. "أهلاً بكِ." قالت مها، وهي تجلس مقابل ليلى. "هل انتظرتِ طويلاً؟" "لا، لم أنتظر كثيراً." "والدتي ستصل قريباً. كن مستعدة. لا تدعيها تشعر بأنكِ ضعيفة." "سأبذل قصارى جهدي." "جيد. لدي بعض النصائح. لا توافقي على أي شيء فوراً. حاولي أن تأخذي وقتكِ للتفكير. ولا تستمعي إلى تهديداتها. إنها تحب أن ترهب الناس." "شكراً لكِ مها. أنا ممتنة جداً لمساعدتكِ." "لا شكر على واجب. أنتِ والدة سارة، وهذا يكفي."
بعد حوالي خمس دقائق، دخلت السيدة سعاد المقهى. كانت تتقدم بخطى ثابتة، وترافقها سيدة أخرى، تبدو كسكرتيرة أو مساعدة. كانت السيدة سعاد ترتدي ثوباً ملوناً، وتضع كمية كبيرة من المجوهرات. كان وجهها خالياً من التعبيرات، ونظراتها حادة، تتفحص المكان كله.
اقتربت السيدة سعاد من الطاولة. لم تبتسم. "أهلاً بكِ." قالت ببرود. "أهلاً بكِ سيدتي." قالت ليلى، وهي تحاول أن تبدو واثقة. "مها أخبرتني أنكِ تريدين التحدث. حسناً. تحدثي. لكن لا تضيّعي وقتي." "سيدتي، أنا هنا لأجل سارة." بدأت ليلى. "ابنتي. أريد فقط أن أراها، وأن أكون جزءاً من حياتها." "وهذا لن يحدث." قالت السيدة سعاد بلهجة قاطعة. "أحمد هو ابن العائلة. وسارة هي حفيدة العائلة. ولا يمكنكِ أن تتدخلي في حياتهم." "لكنني أمها." "أنتِ مطلقة. ولم تعودي جزءاً من العائلة. أعطيتكِ مهلة للتفكير، وقد رفضتِ. الآن، الأمور قد تغيرت." "ما الذي تغير؟" "أحمد سيتزوج قريباً. زوجته الجديدة لن تسمح بوجودكِ في حياة سارة." صدمت ليلى. زواج أحمد؟ هل كان هذا صحيحاً؟ "هذا غير صحيح." قالت ليلى. "أحمد لم يخبرني بشيء." "ليس عليكِ أن تعرفي كل شيء. ما يهم هو أنكِ لن تكوني قادرة على رؤيتها. إلا في المناسبات العائلية الكبيرة، إذا سمحتُ أنا بذلك." شعرت ليلى بأنها ستنهار. هذا أسوأ مما كانت تتخيل. "لا يمكنكم فعل هذا." قالت بصوت مرتجف. "هذا ظلم." "الظلم هو أن تكسري عائلة، وتتركي ابننا وحيداً." قالت السيدة سعاد، وهي تنهي جملتها بنظرة قاسية. "لقد كسرتَ العائلة أولاً." ردت ليلى. "لقد كنتَ السبب في كل المشاكل." "حافظي على احترامكِ." قالت السيدة سعاد. "أنا أكبر منكِ، وأكبر من أحمد." "وأنا أم سارة." "وهذا لن يغير شيئاً. إذا كنتِ تريدين أن تري ابنتكِ، فعليكِ أن تتخلي عن كل شيء. عن أي حقوق لديكِ، مالية أو قانونية. وأن توافقي على زيارات محدودة جداً، تحت إشرافي." "وهل تعتقدين أنني سأوافق على هذا؟ أن أكون سجينة عندكم، أزور ابنتي متى شئتم؟" "هذا هو عرضنا الوحيد." قالت السيدة سعاد، وهي تنهض من مقعدها. "إذا رفضتِ، فلن ترين سارة أبداً. وإذا قبلتِ، فقد يكون هناك أمل." نظرت ليلى إلى مها، التي كانت تراقب المشهد بصمت، وعيناها مليئة بالشفقة. "فكرّي ملياً يا ليلى." قالت مها، بصوت خافت. "ليس لدي ما أفكر فيه." قالت ليلى، وقد امتلأت عيناها بالدموع. " لن أتنازل عن حقوقي، ولن أتخلى عن ابنتي." "إذاً، انتهى الحديث." قالت السيدة سعاد. "فلتكن لكِ إرادتكِ." نهضت السيدة سعاد، وخرجت من المقهى، تاركة خلفها صمتاً ثقيلاً. جلست ليلى، تشعر بأن العالم قد انهار من حولها. لم تستطع مها أن تفعل شيئاً. لقد كانت شاهدة على معركة لم تستطع الفوز بها. "لا بأس يا ليلى." قالت مها، وهي تمسك بيدها. "سنحاول إيجاد حل آخر." "لا أعتقد أن هناك حلاً آخر." قالت ليلى، ودموعها بدأت تتساقط. "لقد أغلقوا كل الأبواب."