الحب الخفي الجزء الثاني

وهج الغواية ورماد الواجب

بقلم فاطمة النجار

كانت ليلةً حالكةً، لا يكسر سكونها إلا همس الريح المتسلل من نوافذ الشقة المشرعة قليلًا، وكأنها تشاركها حيرتها. جلست ليلى على طرف السرير، تخفي وجهها بين يديها النحيفتين، ودموع حارة تنساب بصمت على خديها. كل شيء كان يسير في اتجاهٍ واحد، باتجاهٍ لم تكن تريده، ولكنه كان يلوح في الأفق كسرابٍ لا يخلو من وعدٍ زائف.

لم يكن الأمر يتعلق بأحمد، زوجها الذي أحبته بعمق، والذي كان يمثل لها الأمان والحلم الذي طالما راودها. كان الأمر يتعلق بشيءٍ أعمق، بشيءٍ يتسلل إلى روحها كالسم الهادئ، يزرع بذور الشك والقلق في أرضٍ كانت يانعةً بالأمس. تذكرت تلك اللحظة التي بدأت فيها هذه الغواية، تلك اللحظة التي تسرب فيها صوتٌ آخر إلى حياتها، صوتٌ لم تكن تتوقعه، ولكنه استوطن مسامعها وأفئدتها.

كانت بدايتها بسيطة، كلماتٌ مقتضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تبادلٌ للأحاديث العامة، ثم تدرجت لتصل إلى مساحةٍ شخصيةٍ لم تكن لتسمح بها لولا هول المفاجأة. جمال، زميلها في العمل، الرجل الذي بدا في الظاهر بريئًا، وكان حديثه يسافر بين دفتي الاحترام والتقدير. لكن خلف ذلك القناع، كان هناك شيءٌ آخر، شيءٌ كان يستدعي حواسها، كان يوقظ فيها رغباتٍ نائمة، رغباتٍ كانت قد دفنتها تحت ركام الواجب والوفاء.

كان جمال يتمتع بذكاءٍ حاد، وبفهمٍ عميقٍ لطبيعة المرأة. كان يعرف كيف يختار كلماته، كيف ينسج جملًا تحمل في طياتها معاني خفية، وكيف يثير فضولها دون أن يتجاوز الخطوط الحمراء. كان دائمًا ما يبدأ بمديحٍ غير مباشر، بثناءٍ على ذكائها، أو على أناقتها، أو على طريقتها في التعامل مع المواقف. ثم يتدرج لينتقل إلى هموم الحياة، إلى صعوبات العمل، ليجد في ليلى أذنًا صاغية، وقلبًا متعاطفًا.

في البداية، كانت ليلى ترى في هذه الأحاديث مجرد صداقةٍ مهنية، علاقةٌ صحيةٌ تبنى على الاحترام المتبادل. لكن الأيام مرت، والليالي طالت، وبدأت الكلمات تتسرب إلى ما وراء حدود العمل. كان جمال يبدأ حديثه بـ "صباح الخير يا ليلى، أتمنى أن يكون يومكِ جميلًا كجمالكِ"، ثم ينتقل إلى "هل تشعرين بالإرهاق؟ أعرف أنكِ تبذلين مجهودًا خارقًا، وهذا ما يميزكِ". كلماتٌ بسيطة، لكنها كانت كقطرات المطر التي تسقي بذرةً لم يكن لها مكانٌ في أرضها.

لم تدرك ليلى متى بدأت تتلهف لهذه الرسائل، متى أصبح هاتفها محور اهتمامها، بل وهاجسها. كانت تشعر بوخزٍ خفيفٍ في قلبها كلما تأخر رد جمال، وكلما مرت ساعاتٌ دون أن تتلقى منه أي إشعار. كانت تحاول جاهدةً أن تكبح جماح هذا الشعور، أن تستجمع قواها لتعود إلى رشدها، إلى عالمها مع أحمد، عالم الحب الهادئ والمستقر.

لكن هذه المحاولات كانت تتردد صداها في فراغٍ كبير. كان أحمد، بحكم طبيعة عمله، يقضي ساعاتٍ طويلةٍ خارج المنزل، وكان يعود في الغالب منهكًا، يغرق في النوم فور وصوله. هذا الغياب، وإن كان مبررًا، إلا أنه ترك مساحةً واسعةً في حياة ليلى، مساحةً بدأ جمال يملأها بجرعاتٍ محسوبةٍ من الاهتمام والتقدير.

كانت ليلى تتساءل في قرارة نفسها: هل هذا مجرد وهم؟ هل هي تبالغ في تقدير الأمور؟ لكن في لحظات ضعفها، كانت تجد نفسها تستسلم لهذا الشعور، تستمتع بهذا الاهتمام الذي كان ينقصها، وإن كانت تعلم علم اليقين أنه مغلوطٌ ومحرم. كان جمال يتحدث عن أحلامه، عن طموحاته، عن فلسفته في الحياة، وكأنه يشاركها جزءًا من روحه. وكانت هي، في المقابل، تشاركه ما تستطيع، بحذرٍ شديد، خوفًا من أن تفتح بابًا لا تستطيع إغلاقه.

ذات مساء، بينما كان أحمد في سفرٍ عملٍ، تلقّت ليلى رسالةً من جمال تقول: "هل أنتِ مستيقظة يا ليلى؟ أشعر بوحدةٍ غريبة، وأفكر فيكِ". ارتجفت يداها وهي تقرأ الكلمات. لم يكن هذا الخطاب عاديًا، لم يكن مجرد زميلٍ يسأل عن حال. كان فيه نبرةٌ شخصيةٌ عميقة، نبرةٌ تحمل معاني لم تفصح عنها الكلمات صراحةً، ولكنها كانت تقرأها بوضوحٍ في سطور الرسالة.

ترددت ليلى طويلًا قبل أن ترد. كانت تعلم أن الرد يعني تجاوز خطٍ أحمر، ولكن غياب أحمد، وشعورها بالوحدة، وربما الرغبة الخفية في إثبات أنوثتها وجاذبيتها، كلها عوامل اجتمعت لتسحبها إلى ذلك الهاوية. كتبت: "نعم، أنا مستيقظة. هل كل شيء على ما يرام؟".

كان الرد سريعًا، كأنما كان ينتظر هذه الإشارة: "الأمور على ما يرام، لكن وجودكِ في حديثي سيجعلها أفضل. هل تسمحين لي بأن أشارككِ بعض الأفكار؟".

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بخوفٍ باردٍ يتسلل إلى عظامها. لم يكن خوفًا من أحمد، بل كان خوفًا من نفسها، خوفًا من الانجراف. لكنها، وبدلاً من أن تقطع الحديث، أرسلت: "تفضل".

بدأ جمال يتحدث عن مشاعره، عن إعجابه الشديد بشخصيتها، عن رؤيته فيها صفاتٍ نادرة. كان يتحدث عن تمنيه لو كانت حياته مختلفة، لو كان قادرًا على التقرب منها بشكلٍ أكبر. كانت كلماته كبلسمٍ لروحٍ مجروحة، ولكنها كانت أيضًا سكينًا حادًا يمزق ستار الوفاء.

في تلك الليلة، لم تنم ليلى. كانت عيناها مفتوحتين، تتأملان سقف الغرفة الداكن، وقلبها يضطرب بعنف. كانت تعرف أنها تقف على مفترق طرق. طريقٌ يؤدي إلى العودة إلى دفء أحمد وحضن الأمان، وطريقٌ آخر، مظلمٌ وجذابٌ في آنٍ واحد، يقودها إلى المجهول. كانت تشعر بالجذب نحوه، برغبةٍ غريبةٍ في استكشاف هذا الشعور الذي يوقظ فيها ما نام. ولكن في الوقت نفسه، كانت صور أحمد، وضحكاته، ووعده الأبدي، تتردد في مخيلتها كصوتٍ خافتٍ يحاول استعادتها.

تلك الليلة، كانت بذرة الإدمان قد غرست عميقًا في قلب ليلى. إدمانٌ على كلماتٍ معسولة، على اهتمامٍ زائف، على شعورٍ بالتقدير لم تكن تجده بالقدر الذي كانت تتوقعه. وكان عليها أن تقرر، قبل أن يغرقها هذا التيار الجارف، قبل أن يصبح حبها لأحمد مجرد ذكرى باهتة في عالمٍ جديدٍ تنسجه كلمات جمال. كان عليها أن تواجه وهج الغواية، وأن تختار بينه وبين رماد الواجب الذي قد يبقى بعد أن يحترق كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%