الحب الخفي الجزء الثاني

شرخ في المرآة وصرخة صامتة

بقلم فاطمة النجار

تتابعت الأيام، وتحول ذلك الهمس الخفي في حياة ليلى إلى ضجيجٍ متزايدٍ في عقلها. كانت الأحاديث مع جمال قد أصبحت عادةً يومية، بل وضرورةً نفسية. كلما استيقظت، كان أول ما تفكر فيه هو هاتفه، وما قد يحمله من كلماتٍ جديدة. وكلما غفت، كانت أحلامها تتشابك مع خيالاتٍ لم تكن يومًا جزءًا من واقعها.

كانت تحاول بشتى الطرق أن تقاوم، أن تغلق هذا الباب الذي فتح على مصراعيه، ولكن قوة الجذب كانت أكبر من قدرتها على المقاومة. كانت تدرك تمامًا خطورة ما تفعله، وأنها تخون ثقة أحمد، تخون كل ما يمثله هذا الزواج من قدسيةٍ واحترام. ولكن في الوقت نفسه، كانت تشعر بأنها تعيش حياةً مزدوجة، حياةٌ رسميةٌ مع أحمد، وحياةٌ خفيةٌ مع هذا الشبح الذي اقتحم عالمها.

في إحدى الليالي، بينما كان أحمد يجلس معها في صالة المنزل، يتبادلان أطراف الحديث عن يومهما، تلقت ليلى رسالةً من جمال. اعتذرت ليلى بخجلٍ من أحمد، وأخبرته أنها تحتاج للرد على رسالةٍ عاجلةٍ من العمل. تناولتهاتفها، لكن قلبها كان يخفق بشدة، وأصابعها ترتجف.

كانت الرسالة تقول: "اشتقتُ إليكِ، تخيلي أنني رأيتُ وجهكِ في زحام الشارع، ولو للحظة. هذه الروح التي تسكنكِ لا تغيب عني أبدًا".

شعرت ليلى بحرارةٍ تعتلي وجهها. كان أحمد جالسًا بجوارها، لا يبعد عنه سوى مترٍ واحد. كيف يمكنها أن ترد على مثل هذه الكلمات وهو بهذا القرب؟ وبدلاً من أن تتجاهل الرسالة، أو ترد بردٍ رسميٍ ينتهي الأمر، وجدت ليلى نفسها تكتب: "هذا غريبٌ حقًا. أنتَ تبالغ في خيالك".

كان الرد سريعًا، بل كان يبدو وكأن جمال كان ينتظرها: "الخيال هو ما يجعل الحياة ممكنةً يا ليلى. وأنا أرى فيكِ كل ما يستحق أن أتخيله وأكثر".

في تلك اللحظة، شعرت ليلى وكأن شيئًا ما قد انكسر بداخلها. لم يعد الأمر مجرد كلماتٍ متبادلة، بل أصبح اعترافًا صريحًا. كان اعترافًا يمثل لها إما نهايةً لهذه اللعبة الخطيرة، أو بدايةً لما هو أسوأ.

عاد أحمد ليسألها: "هل كل شيء على ما يرام؟ تبدين قلقةً بعض الشيء".

ابتسمت ليلى ابتسامةً باهتة، وحاولت أن تبدو طبيعية: "لا شيء، مجرد بعض الأمور المعقدة في العمل. أنتَ تعلم كيف هو الحال".

نظر إليها أحمد بعينين تملؤهما الثقة والحب. كان يثق بها ثقةً عمياء، ولم يكن لديه أدنى شكٍ في وفائها. هذه الثقة كانت عبئًا ثقيلًا على ليلى، شعرت بأنها تخونه كل لحظةٍ تدعي فيها الوفاء.

في الأيام التالية، بدأت تتسلل أعراض هذا الصراع الداخلي إلى مظهرها. كانت تفقد شهيتها، وتجد صعوبةً في النوم. كانت نظراتها تائهةً، وعقلها شاردًا. أحمد لاحظ هذا التغيير، وبدأ يقلق.

"ليلى، هل أنتِ بخير؟ أرى أنكِ فقدتِ وزنكِ. هل هناك ما يزعجكِ؟ يمكنكِ أن تخبريني بأي شيء".

كانت ليلى تشعر بالذنب يتأكل روحها. أرادت أن تبكي، أن تصرخ، أن تعترف بكل شيء، ولكن الخوف كان يقيد لسانها. كيف يمكنها أن تدمر حياة أحمد، حياتهما معًا، بهذه الكلمات؟

"لا شيء يا حبيبي، مجرد ضغط العمل. سأكون بخير قريباً".

لكن أحمد لم يقتنع. كان يعرف زوجته جيدًا، ويعرف متى تكون صادقةً ومتى تكون متخفية. بدأ يراقبها عن كثب، ليس من باب الشك، بل من باب القلق. كان يلاحظ هاتفها الذي لا يفارق يدها، وتلك الابتسامات الخاطفة التي كانت ترتسم على وجهها أحيانًا، وكأنها تتلقى أخبارًا سارة، ثم يعقبها صمتٌ مطبقٌ وحزنٌ عميق.

في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى مستغرقةً في تصفح هاتفها، تركت هاتفها دون قصدٍ على طاولة القهوة، وذهبت لتعد الشاي. كان أحمد جالسًا يقرأ كتابًا، ولفت انتباهه صوت إشعارٍ جديدٍ على هاتف ليلى. بدافعٍ من الفضول البريء، وبسبب القلق الذي كان يتملكه، نظر إلى الشاشة.

كانت الرسالة من جمال، نصها: "أتمنى لو كنتُ معكِ الآن، لأمسح هذه الدموع التي أراها في عينيكِ ولو عن بعد. أنتِ تضيئين عالمي، ولكنكِ أيضًا تنهكينني بشوقي إليكِ".

تجمد أحمد في مكانه. كانت الكلمات كالصواعق تنزل عليه. لم يفهم ما الذي كان يدور في ذهن ليلى، ولا ما طبيعة هذه العلاقة. كان قد رأى اسم جمال قبل ذلك، كان يعلم أنه زميلها، ولكنه لم يخطر بباله أبدًا أن العلاقة قد تصل إلى هذا الحد.

عندما عادت ليلى، وجدت أحمد واقفًا كالصنم، وعيناه مثبتتان على هاتفها، وقلبه ينبض بعنف. شعر بارتجافٍ مفاجئٍ في جسدها. أدركت أنها كشفت، وأن حجاب الوهم قد سقط.

"ليلى..." نطق أحمد بصوتٍ مختنق، وكأن الكلمات تخرج من أعماق بئرٍ سحيق. "من هو هذا الرجل؟ وما هذه الرسائل؟".

ارتعشت ليلى. لم تعد قادرةً على الكذب. شعرت وكأنها أمام مرآةٍ حقيقيةٍ تكشف كل عيوبها، كل ضعفها. كانت تلك الصرخة الصامتة التي كانت تتردد في داخلها قد وجدت أخيرًا طريقها إلى الخارج.

"أحمد..." بدأت ليلى بصوتٍ بالكاد مسموع، وعيناها مليئتان بالدموع. "أنا... أنا آسفة...".

كان الشرخ قد ظهر في مرآة حياتهما، وبدأت تتسرب منه أشباح الشك والخيانة. لم يعد الأمر مجرد وهم، لم تعد مجرد غوايةٍ عابرة. لقد أصبح واقعًا مؤلمًا، واقعًا يهدد بانهيار كل ما بنوه معًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%