روح تبحث عنك الجزء الثاني
وصالٌ تحت جنح الظلام
بقلم فاطمة النجار
استيقظت ليلى على خيوط الشمس الأولى التي تسللت عبر ستائر غرفتها، ملقيةً بظلالٍ ذهبيةٍ على الأثاث العتيق. كان قلبها يخفق ببطءٍ، إيقاعٌ يختلف عن اضطراب الأمس، ولكنه لا يزال يحمل بقايا رجفةٍ خفية. تذكرت حديثها مع أحمد، همساته التي داعبت روحها، ووعده بأن تكون الأيام القادمة أجمل. ابتسمت ابتسامةً باهتة، ابتسامةٌ تعلم أنها لا تزال تحمل عبء الماضي، ولكنها أصبحت ترى في الأفق بصيص أمل.
نهضت بهدوء، وتوجهت نحو نافذتها المطلة على الحديقة. كانت الأزهار قد بدأت تتفتح، تنشر عبيرها الفواح في جوٍ رطبٍ يحمل ندى الصباح. مشهدٌ بسيطٌ ولكنه كان يمنحها شعوراً بالسلام الداخلي. أمسكت بقطعة قماشٍ حريريةٍ كانت معلقةً على جدار الغرفة، قماشٌ مزينٌ بأشكالٍ هندسيةٍ معقدة، بقايا أثاثٍ قديمٍ ورثته عن جدتها. كانت تلك القطعة تذكرها دائماً بجذورها، بجذور قويةٍ صمدت أمام عواصف الزمن.
بعد أن استعدت، نزلت إلى المطبخ حيث كانت والدتها قد أعدت لها فطوراً خفيفاً. جلست أمها على الطاولة، ترتشف قهوتها السوداء بعينين دامعتين قليلاً. "صباح الخير يا ابنتي،" قالت بصوتٍ يحمل حزناً قديماً، "كيف حالك اليوم؟"
"صباح النور يا أمي،" ردت ليلى، وهي تمتد لتضم يد والدتها، "بخير والحمد لله. الشمس مشرقةٌ اليوم."
أومأت الأم برأسها، ولكن عينيها ظلت معلقتين ببقعةٍ غير مرئيةٍ على الطاولة. "أتمنى أن تكون الأيام القادمة هكذا، مشرقةً وخاليةً من الغيوم. أحمد رجلٌ طيبٌ يا ليلى، وأنتِ تستحقين السعادة."
تنهدت ليلى، وشعرت بوطأة الكلمات. كانت والدتها تعلم علم اليقين ما تشعر به، وما تخفيه. "أعلم يا أمي، وأنا سعيدةٌ بما هو بيننا. هو يقدرني، وأنا أقدره."
"لكن؟" رفعت الأم حاجبها، وبدت عيناها نافذتين إلى أعماق روح ابنتها.
"لكن... هناك أشياءٌ عالقةٌ في الماضي، يا أمي. ذكرياتٌ لا تزال تلقي بظلالها."
"أتفهم،" قالت الأم بهدوء، "ولكن الماضي لا ينبغي أن يحبس حاضرنا. علينا أن نتجاوز، وأن نسمح للحياة بأن تستمر. أحمد قادرٌ على أن يمنحك كل ما تمنيتِ."
بعد الفطور، قررت ليلى أن تذهب إلى مكتبة جدتها. كانت تلك المكتبة ملاذها، حيث كانت تجد فيها السلام والهدوء، وحيث كانت تستطيع أن تتحدث مع ذكريات عائلتها. دخلت الغرفة، واستنشقت عبير الكتب القديمة، رائحةٌ ممزوجةٌ بورقٍ قديمٍ وعطرٍ خفيفٍ لزهر الياسمين. كانت الرفوف تمتد حتى السقف، مملوءةً بكنوزٍ من المعرفة والحكمة.
جلست إلى الطاولة الخشبية الكبيرة في وسط الغرفة، وبدأت تقلب صفحات كتابٍ قديمٍ بخطٍ عربيٍ متقن. كان الكتاب يتحدث عن رحلاتٍ إلى بلادٍ بعيدة، عن شعوبٍ غريبةٍ وعاداتٍ مختلفة. كانت تتخيل نفسها في تلك الرحلات، تسافر عبر الزمن والمكان، تهرب من همومها.
فجأة، سمعت صوتاً خلفها. التفتت بخفة، لتجد أحمد يقف عند الباب، يبتسم ابتسامةً دافئة. كان يحمل في يده باقةً من الورد الأحمر، يفوح منها عطرٌ منعش.
"أعرف أنك تحبين هذا المكان،" قال أحمد بصوتٍ خفيض، "ولهذا أحببت أن أشاركك لحظةً من سكينة روحك."
ابتسمت ليلى، وشعرت بسعادةٍ غامرة. "لم أكن أتوقع رؤيتك هنا،" قالت، وهي تأخذ الورد وتستنشق عطره. "شكراً لك."
"لا داعي للشكر،" رد أحمد، وهو يقترب ويجلس بجانبها. "سعادتك هي سعادتي. هل وجدتِ ما تبحثين عنه في هذه الكتب؟"
"دائماً أجد ما أحتاجه هنا،" قالت ليلى، وهي تشير إلى الكتاب الذي كانت تقرأ فيه. "دائماً ما يعلمني شيئاً جديداً عن الحياة، وعن نفسي."
"وماذا علمتك اليوم؟" سأل أحمد، وعيناه تلمعان بالفضول.
"علمتني أن الحياة رحلةٌ، وأن كل خطوةٍ فيها تحمل مغامرةً. وأن السعادة تكمن في التفاصيل الصغيرة، وفي تقبل الآخر وتقبّل الذات."
مد أحمد يده ليلمس يدها بلطف. "وأنا أرى أن سعادتك تكمن في هذه الرحلة، في هذه المغامرة التي سنخوضها معاً."
نظرت ليلى إلى عينيه، ورأت فيهما صدقاً وأماناً. "أحمد، هل تحدثت مع والدك عن... عن أخي؟"
تغيرت ملامح أحمد قليلاً، وبدا عليه بعض التردد. "نعم، تحدثت معه. ولكنه... يبدو أن الأمر لا يزال صعباً عليه. هو يحب أباك كثيراً، ووفاة أخيك قد تركت فيه جرحاً عميقاً."
شعرت ليلى بخيبة أملٍ طفيفة، ولكنها حاولت ألا تظهر ذلك. "أعلم أن الأمر ليس سهلاً، ولكن... أريده أن يعلم أنني أقدر كل ما فعله لنا."
"وسيفعل، يا ليلى. سيأتي اليوم الذي يجد فيه والدي القوة الكافية ليتجاوز الماضي. ولكن، هل تسمحين لي بطلب؟"
"بالطبع."
"هل يمكننا أن نترك هذا الأمر جانباً ليومٍ واحد؟ فقط لنتنفس، لنستمتع بوجودنا معاً؟ أخشى أن نظل غارقين في هموم الماضي، وأن نفقد جمال الحاضر."
ابتسمت ليلى. "موافق. فلنجعل هذا اليوم لنا وحدنا."
نهضا من جلستهما، وقررا الخروج إلى الحديقة. جلسوا تحت شجرةٍ قديمة، تحدثا عن كل شيءٍ إلا عن الماضي. تحدثوا عن أحلامهم، عن طموحاتهم، عن مستقبلهم. كانت ليلى تشعر بأن قلبها يخف، وأنها تتنفس هواءً نقياً. أحمد كان يستمع إليها باهتمامٍ بالغ، ويعلق على كلامها بذكاءٍ وحكمة.
عندما بدأت الشمس تميل نحو الغروب، ألقت بظلالٍ طويلةٍ على الحديقة، ورسمت لوحةً فنيةً رائعة. شعر كلاهما بأن هناك شيئاً قد تغير، شعورٌ بالتواصل العميق، والتقارب الروحي.
"أحمد،" قالت ليلى بصوتٍ هامس، "أنا أؤمن بك. وأؤمن بنا."
"وأنا أؤمن بكِ يا ليلى، وأكثر مما تتصورين."
في تلك اللحظة، تحت ظلال الغروب، شعرت ليلى بأن روحها قد وجدت موطناً لها. لم يعد الشك يساورها، ولم يعد الماضي يحكم حاضرها. كانت تتطلع إلى المستقبل، إلى حياةٍ تبنى على الحب والوفاء، حياةٍ يكون فيها أحمد هو شريكها في كل خطوة.
ولكن، بينما كانت تستمتع بتلك اللحظة السعيدة، لم تكن تعلم أن هناك عاصفةً أخرى كانت تتشكل في الأفق، عاصفةٌ قد تهدد سلامها وهدوئها، وستضع علاقتها بأحمد على المحك.
== ==