روح تبحث عنك الجزء الثاني
رياحٌ عاصفةٌ تلوح في الأفق
بقلم فاطمة النجار
عادت ليلى إلى منزلها بعد لقاءٍ حميميٍ مع أحمد، وقلبها يطفو فوق سحبٍ من السعادة. كانت الكلمات التي تبادلاها، والنظرات التي التقت، قد تركت أثراً عميقاً في روحها. شعرت بأنها على أعتاب مرحلةٍ جديدة، مرحلةٍ تتميز بالقوة والوضوح. كانت والدتها في غرفة الجلوس، تتصفح مجلةً قديمة. رفعت الأم رأسها عندما دخلت ليلى، وارتسمت على وجهها ابتسامةٌ ودؤوبة.
"أرى أن ابنتي تعود وقد امتلأت روحها نوراً،" قالت الأم، وهي تضع المجلة جانباً.
ابتسمت ليلى. "لقد كان يوماً جميلاً يا أمي. تحدثت مع أحمد، وتقاسمنا الكثير من الأحلام."
"الحمد لله،" قالت الأم، وعيناها تلمعان بالرضا. "هذا ما كنت أتمنى أن أراه. أن تعودي لتبتسمي من قلبك. أحمد رجلٌ صالح، وسيمنحك الأمان الذي تستحقينه."
"وهو كذلك يا أمي. إنه يفهم ما أمر به، ويحتويني بحنانه."
"ولكن،" بدأت الأم، وترددت قليلاً، "هل تحدثتما عن... عن أمورٍ تخص المستقبل؟ عن الزواج؟"
توردت وجنتا ليلى. "لم نتحدث بشكلٍ مباشر، ولكننا نتحدث عن المستقبل كأننا فيه. هو يبدو مرتاحاً، وأنا كذلك."
"هذا جيد،" قالت الأم، ولكن نبرة صوتها كانت تحمل قلقاً خفياً. "فقط تأكدي يا ابنتي، تأكدي من أن كل شيءٍ يسير في الطريق الصحيح. لا تدعي العواطف وحدها تقودك. العقل يجب أن يكون حاضراً أيضاً."
"أعلم يا أمي،" قالت ليلى، وشعرت بأن والدتها تخشى شيئاً ما. "ولكنني أشعر بالأمان معه."
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما رن هاتف ليلى. استيقظت من سباتها على الصوت المزعج. نظرت إلى الهاتف، ورأت رقماً غير مسجل. ترددت قليلاً، ثم أجابت.
"ألو؟" قالت بصوتٍ ناعس.
"ليلى؟" جاء صوتٌ رجوليٌ غريب، يحمل نبرةً مريبة. "هل تتذكرينني؟"
شعرت ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. "من تتحدث؟"
"من كان صديقاً لأخيك. أليست كذلك؟"
تجمدت ليلى في مكانها. "ماذا تريد؟"
"لا شيء، فقط أردت أن أطمئن عليك. سمعت أخباراً عنك. عن علاقتك بأحمد. أليس هو ابن الحاج محمود؟"
"لا أعرف ما تتحدث عنه،" قالت ليلى، محاولةً أن تبدو قوية.
"هه، أعرف أنك تعرفين. فقط أردت أن أنصحك. هذا أحمد... ليس بالرجل الذي تظنينه. لديه ماضٍ مظلم. ماضٍ قد يجعلك تندمين على كل شيء."
"ابتعد عني!" صرخت ليلى، وأغلقت الهاتف بسرعة.
كان قلبها يدق بعنف، وشعرت بالبرد يغزو جسدها. من كان هذا الرجل؟ وماذا كان يقصد؟ هل كان يحاول أن يخيفها؟ أو أن يشوه سمعة أحمد؟
في صباح اليوم التالي، حاولت ليلى أن تتجاهل المكالمة المزعجة، وأن تعيش يومها كالمعتاد. ولكن الكلمات الغريبة ظلت تتردد في ذهنها. "لديه ماضٍ مظلم." هل كان هناك شيءٌ لم تعرفه عن أحمد؟
ذهبت إلى العمل، ولكن تركيزها كان مشتتاً. كلما رأت أحمد، شعرت بتناقضٍ في مشاعرها. كانت تحبه، وتثق به، ولكن الشك بدأ يتسلل إلى روحها.
في المساء، عندما التقت بأحمد، حاولت أن تتحدث معه بأسلوبٍ غير مباشر. "أحمد، هل... هل مررت بأي صعوباتٍ في حياتك؟ أي تحدياتٍ كبيرة؟"
نظر إليها أحمد بعينين فيهما دهشة. "بالطبع يا ليلى. كل إنسانٍ يمر بتحديات. ولكنني أؤمن بأننا نقوى بها."
"هل... هل هناك أي شيءٍ لا تعرفه عني؟ أي شيءٍ قد يؤثر على علاقتنا؟"
توقف أحمد قليلاً، ثم قال بهدوء: "ليلى، أنا أحبك. وأنا هنا لأتقبل كل شيءٍ عنك. أريدك أن تكوني صريحةً معي دائماً. أياً كان ما تخفينه، يمكنك أن تشاركيني إياه."
شعرت ليلى بارتياحٍ كبير لكلامه، ولكنها لم تستطع أن تقول له شيئاً عن المكالمة. كانت تخشى أن تثير قلقه بلا داعٍ، أو أن تبدو وكأنها لا تثق به.
في الأيام التالية، استمرت المكالمات الغامضة. كانت تأتي في أوقاتٍ غير متوقعة، تحمل كلماتٍ متناقضة، تارةً تهديداً، وتارةً نصيحةً غريبة. كانت تتحدث عن "ديونٍ قديمة"، وعن "أشخاصٍ لا ينسون".
بدأت ليلى تشعر بأنها محاصرة. كانت ترى أن أحمد سعيدٌ بها، وأنه يبني معها مستقبلاً مشرقاً، ولكن هذه الأصوات المظلمة كانت تظهر من العدم، لتهدد كل شيء.
ذات يوم، وبينما كانت تتجول في سوقٍ قديم، اقترب منها رجلٌ ذو ملامح قاسية. لم تكن تعرفه، ولكنه بدا وكأنه ينتظرها.
"ليلى،" قال الرجل بصوتٍ أجش. "علينا أن نتحدث."
"عن ماذا؟" سألت ليلى، وشعرت بالخوف يتملكها.
"عن أحمد. وعن ماضيه. أنتِ تلعبين بالنار يا فتاة."
"ابتعد عني!" صرخت ليلى، وبدأت تسير بسرعة.
"أنا أنصحك لوجه الله. هذا الرجل... لديه ماضٍ أسود. لقد ظلم الكثيرين. وأولئك الذين ظلمهم... لم ينسوا."
واصلت ليلى سيرها، وقلبها يخفق كالجناح المذبوح. كانت تبكي بصمت. كانت تحب أحمد، وكانت سعيدةً معه، ولكن هذه الاتهامات كانت تلقي بظلالٍ كثيفةٍ على علاقتها.
عندما عادت إلى منزلها، قررت ليلى أنها لم تعد تستطيع تحمل هذا الضغط. كان عليها أن تعرف الحقيقة. مهما كانت، يجب أن تواجهها.
جلست أمام هاتفها، وبدأت تبحث على الإنترنت. دخلت أسماءً حاول ذلك الرجل أن يذكرها بها، ولكنها لم تجد شيئاً. ربما كان ما يقوله مجرد أكاذيب.
ولكن، في نهاية المطاف، لم تستطع ليلى أن تتخلص من شعورٍ بأن هناك شيئاً ما، شيئاً مجهولاً، يهدد استقرار حياتها. كانت روحها تبحث عن الطمأنينة، ولكن رياح الشك كانت تهب بقوة، تحمل معها أمواجاً من القلق.
== ==