روح تبحث عنك الجزء الثاني

ليلةُ البوحِ والأسرارُ المكتشفة

بقلم فاطمة النجار

تسللتْ أنفاسُ الليل الهادئة إلى أرجاء الشقة، حاملةً معها برودةً لطيفةً تخفف من حرارة الجو. جلستْ نور في غرفة المعيشة، وعيناها ترنوان إلى الباب، تنتظران بصبرٍ لا ينفد. كان قلبها يخفقُ بعنفٍ، كطائرٍ أسيرٍ يبحث عن فضاءٍ واسع. لقد أعدتْ كل شيء، الكلمات، والمشاعر، وحتى الشاي الذي كانتْ تحب أن تشربه مع نور الدين في مثل هذه الأوقات.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى سمعتْ صوتَ المفتاحِ في القفل. اهتزتْ نور من الداخل، واستقامتْ واقفةً، وكأنها على وشكِ مواجهةِ قدرٍ عظيم. فتح نور الدين الباب، ودخلَ، حاملاً في عينيه تعباً ظاهراً، ولكنه بدا وكأنه يحمل أيضاً تصميماً جديداً.

"مرحباً بكِ يا حبيبتي." قال بصوتٍ هادئ، وهو يتجه نحوها.

"أهلاً بكَ يا نور الدين." أجابت نور، محاولةً أن ترسم ابتسامةً على شفتيها، رغم التوتر الذي اعتراها. "هل تبدو متعباً؟"

"قليلاً." اعترف نور الدين، وهو يخلع سترته. "ولكن رؤيتكِ تذهب كل هذا التعب."

"اجلس، لقد أعددتُ لكَ الشاي." قالت نور، وهي تشير إلى الأريكة.

جلسا معاً، وبدأتْ نور الدين في سردِ تفاصيل يومه، ولكنها لاحظتْ شيئاً في صوته، شيئاً من التردد، وشيئاً من الرغبة الملحة في قول شيءٍ ما.

"نور..." بدأ نور الدين، وبعد لحظةٍ من الصمت، قال: "لديّ شيءٌ مهمٌ يجب أن أخبركِ به. شيءٌ لم أستطع أن أقوله لكِ من قبل، خوفاً من أن... أن أخيفكِ، أو أن أثقل عليكِ."

توقفتْ نور عن الشرب، ورفعتْ عينيها إليه، متأملةً في صدقٍ بدأ يتجلى في ملامحه. "أنا أسمعكَ يا نور الدين. أي شيءٍ يخصك، يهمني."

"الأمر يتعلق بقضية والدتي. لقد أخبرتكِ أنها معقدة، وأن هناك من يحاولون إخفاء الحقيقة. ولكنني لم أخبركِ بالمدى الحقيقي لهذا التعقيد، ولا بحجم الخطر الذي يحيط بنا."

بدأتْ نور تشعر ببرودةٍ تسري في أطرافها، ولكنها حاولتْ أن تبقى متماسكة. "ما هو الخطر، يا نور الدين؟"

"لقد اكتشفتُ مؤخراً، أن هناك أطرافاً نافذةً، لا تريد لهذه الحقيقة أن تظهر. إنهم لا يتورعون عن استخدام أي وسيلةٍ لإسكاتي، وإسكات أي شخصٍ قد يحاول مساعدتي. لقد تعرضتُ لتهديداتٍ مبطنة، ولرقابةٍ مستمرة. وأنا أخشى، يا نور، أن تمتد هذه التهديدات إليكِ."

توسعتْ عينا نور، ولكنها لم تجد في نفسها إلا شجاعةً لم تكن تتوقعها. "ولماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟"

"كنتُ أخشى عليكِ. كنتُ أخشى أن تكوني عبئاً، أو سبباً في المزيد من القلق. كنتُ أتصور أنني إذا احتفظتُ بالأمر لنفسي، سأتمكن من حمايتكِ بشكلٍ أفضل."

"ولكن، يا نور الدين، أنتَ بذلك حرمتني من فرصة أن أختار. حرمتني من فرصة أن أكون بجانبك، لأواجه هذه الأمور معك. الحب، ليس مجرد كلماتٍ، بل هو شراكةٌ في المصائب قبل الأفراح."

"أعرف، وأنا الآن أدرك خطأي." قال نور الدين، بنبرةٍ تحمل الأسى. "كلماتكِ، يا نور، وصدقكِ، هو ما جعلني أتراجع عن محاولاتي اليائسة لحمايتكِ بإخفائكِ عن الحقيقة. لقد أدركتُ أن عزلتكِ عني، هي أشد خطراً من أي مواجهةٍ مشتركة."

"وهل هناك ما اكتشفته مؤخراً، جعلكَ تشعر بهذا الخطر أكثر؟" سألت نور، وهي تشعر بقلبها يزداد وجعاً.

"نعم." تنهد نور الدين بعمق. "لقد عثرتُ على بعض الوثائق القديمة، كانتْ مخبأةً بعنايةٍ فائقة. هذه الوثائق، إذا ظهرتْ، ستكشف زيف ادعاءاتِ هؤلاء الأشخاص، وتثبت حق والدتي، بل وتدينهم. ولكن، يبدو أنهم على علمٍ بوجود هذه الوثائق، وبأنني على وشكِ الوصول إليها."

"وماذا تفعل هذه الوثائق؟"

"إنها تتعلق باتفاقياتٍ سرية، وصفقاتٍ مشبوهة، تتعلق بوالدتي، وبجزءٍ كبيرٍ من إرثها. لقد تم التلاعب بالأمور، وتضليل العدالة، ليبدو الأمر وكأنها هي من كانتْ تسعى وراء المال، وأنها كانتْ تخطط للهروب. الحقيقة هي العكس تماماً. إنهم هم من خططوا لكل شيء، ليسرقوا حقها، ويسرقوا مستقبلها."

"هذا مروعٌ يا نور الدين." قالت نور، وهي تضع يدها على قلبه. "ولكن، إذا كانت هذه الوثائق هي مفتاح الحقيقة، فهل أنتَ في أمان؟"

"هذا هو السؤال الذي يقلقني." اعترف نور الدين. "لقد شعرتُ بمراقبةٍ متزايدةٍ في الأيام القليلة الماضية. وأعتقد أنهم بدأوا يدركون أنني قد وصلتُ إلى شيءٍ حقيقي. لقد تلقيتُ رسائلَ تهديدٍ مبطنة، وحاول أحدهم أن يدخل شقتي بالقوة، ولكنه لم يفلح."

"هذا جنون! يجب أن تبلغ الشرطة!"

"لقد حاولتُ، ولكن... أخشى أن تكون الشرطة متورطةً في بعض الأوساط التي يتعامل معها هؤلاء الأشخاص. لا أستطيع الوثوق بأحدٍ بشكلٍ كاملٍ الآن. لذلك، قررتُ أن أتحدث إليكِ، وأن أطلب منكِ مساعدتي."

"مساعدتك؟ بأي شكلٍ أستطيع أن أساعد؟"

"أريد منكِ أن تحتفظي بهذه الوثائق في مكانٍ آمنٍ للغاية. مكانٍ لا يخطر على بال أحد. فهؤلاء الأشخاص، إذا وجدوها، سيكونون قادرين على محو كل دليلٍ على براءة والدتي، بل وقد يدينوني أنا أيضاً."

"ولكن... أين سأخبئها؟ وكيف سأكون آمنةً؟"

"لقد فكرتُ في ذلك. سأعطيكِ حقيبيتين سريتين. إحداهما، ستكون بحوزتكِ، وتحتوي على بعض المعلومات الهامة، ولكن ليس الوثائق الأساسية. والأخرى، هي التي ستحتوي على الوثائق، وسأدلكِ على مكانٍ آمنٍ جداً لوضعها. هذا المكان، قد يكون مرتبطاً بذكراياتٍ قديمة، بذكرياتٍ تخص عائلتكِ، وبمكانٍ يصعب الوصول إليه. يجب أن يكون هذا المكان سرياً تماماً، ولا تعرفه أنتِ وحدكِ، بل فقط بالاتفاق المسبق معي."

شعرتْ نور بشيءٍ من الخوف، ولكنه كان ممزوجاً بشعورٍ قويٍّ بالمسؤولية. لقد وجدتْ نفسها أمام دورٍ لم تتوقعه، دورٍ قد يكون محورياً في كشف الحقيقة، وحماية الأبرياء.

"وماذا عنك؟ هل ستكون في أمان؟" سألت نور، بقلقٍ بالغ.

"سأكون حذراً. سأبدو وكأنني لا أملك أي شيءٍ في يدي. ولكن، في الحقيقة، ستكون الوثائق معكِ، في مكانٍ آمن. وهذا سيمنحني بعض القوة، لأنهم لن يتمكنوا من سلب ما لا يملكونه."

"ولكن، إذا حدث لكَ شيءٌ؟"

"لا تقلقي. إذا حدث أي شيءٍ، سأكون قد تركتُ لكِ كل الإرشادات اللازمة. ولكنني متفائلٌ، يا نور. أنا متفائلٌ بأننا سننتصر في هذه المعركة."

بدأ نور الدين يتحدث عن التفاصيل، عن الأماكن، وعن الطرق التي يمكن أن تسلكها نور. لقد كان يتحدث عن خطةٍ محكمة، خطةٍ تتطلب شجاعةً، وحكمةً، وثقةً عميقةً بينهما.

"هل أنتِ مستعدةٌ يا نور؟ هل أنتِ مستعدةٌ للمخاطرة من أجل الحقيقة؟" سأل نور الدين، وعيناه تلمعان بلهيبٍ من الأمل.

نظرتْ نور إلى عينيه، ورأتْ فيهما صدقاً، وحباً، وتصميماً. "نعم يا نور الدين. أنا مستعدةٌ. من أجلكَ، ومن أجل الحق."

في تلك الليلة، لم تنم نور. لقد كانتْ تحتفظ بصندوقٍ صغيرٍ بين يديها، صندوقٍ يحتوي على بدايةِ الحقيقة. لقد شعرتْ بأنها لم تعد مجرد فتاةٍ تحب، بل أصبحتْ شريكةً في معركةٍ مصيرية. لقد بدأتْ رحلةٌ جديدة، رحلةٌ مليئةٌ بالأسرار، وبالتحديات، وبروحٍ قويةٍ لا تخشى الظلام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%