روح تبحث عنك الجزء الثاني
رياح التغيير وهبوب الشك
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات المساء تداعِب ستائر النافذة، تحمل معها عبير الياسمين الذي كان يتسرب من حديقة منزل جدة فاطمة، لكنه لم يستطع أن يبلسم جراح قلب ليلى المشتعلة. جلست على طرف السرير، تحدق في انعكاسها في المرآة، فإذا هي ترى وجهاً شاحباً، وعينين تحملان ما يفوق طاقتها من الأسى. كانت الأيام قد مرت كأنها لحظات، لكن كل لحظة منها كانت تحمل ثقلاً يكفي لطحن الصخور. الشك الذي تسلل إلى قلبها كان كالحشرة الخبيثة، يعبث بأفكارها، ويرسم ظلالاً سوداء على مستقبل كانت قد نسجت خيوطه بحب وإيمان.
لم تكن سهام قد غادرت المدينة بعد. كانت تلك الأيام الثلاثة التي سبقت موعد سفرها النهائي، والتي قضتها في منزل عمها، أشبه بعاصفة كادت أن تقتلع جذور استقرار ليلى. لم تكن سهام مجرد زائرة؛ لقد كانت تحمل معها حقيبة مليئة بالأسئلة والهمسات التي لا تبدو بريئة. كل كلمة قالتها، كل نظرة ألقتها، كل طرفة عين، كانت تحمل معنى خفياً، يتردد صداه في أعماق روح ليلى.
في الليلة الماضية، بينما كان الجميع نائماً، استيقظت ليلى على صوت خفيف قادم من غرفة الضيوف. قادها الفضول، ممزوجاً بقلق دفين، إلى المطبخ حيث كانت سهام تجلس وحدها، تتحدث عبر الهاتف بصوت خفيض. لم تكن ليلى تتنصت، لكن كلماتها كانت تتطاير في صمت الليل، لتلتقطها أذن ليلى المتيقظة.
"…لا، لم أجد ما كنت أبحث عنه بالتحديد، لكنني على وشك الاقتراب. هذا المال الذي دفعه لي… يكفي لأضمن أن الأمور ستسير في الاتجاه الذي نريده. هي ساذجة بما يكفي لتصدق كل ما يقال لها. وبالنسبة لـ… (اسم خفي)، لا تقلق، سأتأكد من أن كل شيء سيتم حسب الخطة. زواجه منها لن يكون إلا مجرد عقبة صغيرة، وسنزيلها."
تجمد الدم في عروق ليلى. ما سمعته كان أشبه بصاعقة أضاءت سماء حياتها المظلمة. "الخطة"؟ "المال"؟ "ساذجة"؟ ومن هو "هي" التي تتحدث عنها سهام؟ ومن هو "هو" الذي لن يكون زواجه منها إلا عقبة؟ هل كانت سهام تقصدها هي؟ وهل كان أحمد… هل كان أحمد جزءاً من هذه "الخطة"؟
كانت تلك الكلمات كافية لتحطيم عالمها. استدارت بهدوء، وعادت إلى غرفتها، وقلبها يخفق بعنف كطائر حبيس. طوال الليل، لم تغمض لها عين. كانت الصور تتصارع في ذهنها: وجه أحمد الصادق، ابتسامته الدافئة، كلماته الحنونة… هل كانت كلها مجرد تمثيلية متقنة؟ هل كانت كل مشاعرها، كل أحلامها، كل آمالها، مجرد وهم كبير؟
في صباح اليوم التالي، حاولت ليلى أن تتصرف بشكل طبيعي. ابتسمت لوالدتها، وشاركت أشقاءها في تناول الفطور، لكن شيئاً ما كان قد تغير. كانت الكلمات التي سمعتها ترن في أذنيها، تلقي بظلال الشك على كل شيء. حينما رأته، أحمد، يأتي لزيارتها كعادته، ابتسم لها ابتسامة عذبة، وسألها عن حالها، شعرت ببرودة غريبة تسري في أوصالها. كيف يمكنها أن تنظر في عينيه الآن؟ كيف يمكنها أن تثق به؟
"صباح الخير يا حبيبتي،" قال بصوته الهادئ الذي كان يشفي كل جراحها ذات يوم. "كيف كان يومك؟"
نظرت إليه، وحاولت أن تبتسم. "صباح النور يا أحمد. الحمد لله، بخير."
كانت كلماتها تحمل نبرة غريبة، نبرة لم يعتد عليها. رأى في عينيها شيئاً لم يفهمه. "هل كل شيء على ما يرام يا ليلى؟ تبدين شاردة الذهن قليلاً."
ترددت ليلى. هل يجب أن تسأله؟ هل يجب أن تواجهه بما سمعت؟ أم أن هذا الشك مجرد افتراضات بنتها من سوء فهم؟ تذكرت حديث جدتها عن أهمية الثقة في الزواج، وعن خطورة الظنون السيئة. لكن في الوقت نفسه، لم تستطع أن تتجاهل ما سمعت.
"فقط… أفكر قليلاً،" قالت محاولة كتمان اضطرابها. "الأيام القادمة تحمل الكثير من التغييرات، أنت تعلم."
تنهد أحمد. "أعلم يا ليلى. لكنني هنا، وسأبقى بجانبك في كل خطوة. لن أتركك تواجهين أي شيء بمفردك."
كلماته كانت مؤثرة، لكنها لم تستطع أن تزيح غبار الشك الذي غطى قلبها. كانت تشعر وكأنها تسير على حافة الهاوية، وبين يديها ورقة رقيقة جداً، تتمنى لو أنها تستطيع أن تمزقها، لكنها تخشى أن تكشف عن حقيقة مؤلمة.
بعد رحيل أحمد، جلست ليلى وحدها في غرفتها. فتحت صندوق ذكرياتها، وقرأت الرسائل القديمة التي كتبها لها أحمد، ورأت الصور التي تجمع بينهما. كل ذكرى كانت تحمل طعماً مختلفاً الآن. هل كانت كل هذه اللحظات جميلة زائفة؟
ذهبت إلى غرفة جدتها، ووجدتها جالسة في شرفتها، تتأمل الغروب. جلست بجانبها، وسكتت للحظات.
"جدتي،" قالت بصوت مختنق. "هل يمكن أن يخدع الحب؟"
نظرت إليها الجدة بعينين عميقتين، وفهمت من نظرتها القلق الكامن. "الحب الحقيقي لا يخدع يا ابنتي، لكن القلوب الضعيفة قد تتأثر بخداعات الآخرين. والحب الذي يبنى على أسس واهية، قد ينهار عند أول عاصفة."
"لكن كيف أعرف أن الأسس متينة؟" سألت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع. "كيف أتأكد أن ما أشعر به، وما أشعر به تجاهه، ليس مجرد وهم؟"
ابتسمت الجدة بلطف. "الثقة يا ليلى. الثقة هي أساس كل بناء متين. لكن الثقة لا تأتي من فراغ، ولا تعطى جزافاً. الثقة تبنى بالأفعال، وتُصان بالصدق. إذا شعرتِ بالشك، فابحثي عن الحقيقة، لا عن الوهم. واسألي قلبك، فهو أصدق دليل."
لم تستطع ليلى أن تخبر جدتها بكل شيء. لم تستطع أن تفصح عن الكلمات التي سمعتها. لكنها شعرت ببعض الراحة في حضرة جدتها. عادت إلى غرفتها، وقلبها لا يزال مثقلاً. كانت تعلم أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار. لم يعد بإمكانها أن تعيش في ظل الشك. يجب عليها أن تعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. استيقظت ليلى، وقلبها يدق بسرعة. كان لديها فكرة، فكرة جريئة، ربما تكون خطيرة، لكنها كانت تراها الطريق الوحيد المتبقي. ستذهب إلى منزل عمها، وتتحدث إلى سهام. يجب أن تواجهها. يجب أن تحصل على إجابات.
لبست ملابسها بهدوء، وتسللت خارج المنزل. كانت السماء مليئة بالنجوم، لكن ليلى لم ترَ جمالها. كانت كل خلية في جسدها تصرخ بالخوف والقلق. كانت تعلم أنها تتجه نحو نقطة اللاعودة، لكنها كانت مستعدة. فروحها الشجاعة، التي كانت دائماً تبحث عن الحق، لم تكن لتسمح للشك أن يسلبها نورها.
وصلت إلى منزل عمها. كان الظلام يلف المكان، ولم يكن هناك أي ضوء ظاهر. ترددت ليلى للحظة، ثم اقتربت من الباب وطرقته بخفة. لم يأتِ أحد. طرقّت مرة أخرى، بقوة أكبر هذه المرة.
بدأت أصوات القلق تتصاعد في صدرها. هل حدث شيء؟ هل كانت قد تأخرت؟
فجأة، سمعت صوتاً خافتاً يأتي من الداخل. صوت أنين. انفتحت أبواب منزل عمها فجأة، لتكشف عن مشهد لم تتوقعه أبداً. كانت سهام ملقاة على الأرض، وجهها شاحب، وعيناها نصف مغمضتين. وإلى جانبها… كان هناك شيء غريب، ورقة بيضاء ملقاة بالقرب من يدها.
لم تعد ليلى تفكر. اندفعت إلى الداخل، وصاحت باسم سهام. كان هذا هو المفتاح، المفتاح الذي كان سيفتح لها أبواب الحقيقة، مهما كانت مظلمة.