روح تبحث عنك الجزء الثاني
همسات الشك وعاصفة الغيرة
بقلم فاطمة النجار
مرت أسابيعٌ بدت وكأنها شهورٌ في سرعة انقضائها. تحولت حلم ليلى وأحمد إلى حقيقةٍ ملموسة. كانت تفاصيل الزواج تتشابك، من اختيار قاعة الاحتفال إلى تصميم بطاقات الدعوة. كانت ليلى تشعر بسعادةٍ لا توصف، وهي ترى أحلامها تتحقق، وتجد في أحمد شريكًا مثاليًا. كان داعمًا لها، ويشجعها على تحقيق أهدافها، وكان دائمًا يتذكر أدق تفاصيلها، ليجعلها تشعر بأنها مركز عالمه.
لكن لم تكن كل الأمور تسير على ما يرام. كان سامي، بقلبه المريض، يراقب بتركيزٍ شديد. لم يستطع أن يتقبل فكرة زواج ليلى من أحمد، وبدأت الغيرة تأكله من الداخل. كان يرى في ليلى كل ما يتمناه، وبدلاً من أن يدعو الله أن يرزقه مثلها، بدأ يفكر في طرقٍ جهنميةٍ لإيقاع الأذى بأحمد.
في أحد الأيام، وبينما كان أحمد منهمكًا في العمل، اقترب منه سامي بوجهٍ يبدو عليه القلق. "أحمد،" قال سامي بنبرةٍ فيها مزيجٌ من الشفقة والتحذير، "أردت أن أخبرك بشيءٍ قد يزعجك، لكنني أرى أن الأمانة تقتضي مني ذلك."
نظر أحمد إلى سامي بفضول. "ماذا هناك يا سامي؟"
"لقد سمعت بعض الهمسات في الشركة،" قال سامي وهو يخفض صوته، "بعض الزميلات يتحدثن عن… عن علاقةٍ سابقةٍ بين ليلى وشخصٍ آخر قبل خطبتها. يقولون إنها كانت علاقةٌ قويةٌ، وإنها لم تنسه تمامًا."
تجمد أحمد في مكانه. لم يستطع تصديق ما يسمعه. ليلى، بعفتها وحيائها، وعلاقتها القوية؟ هذا مستحيل. "ماذا تقول يا سامي؟ هل أنت متأكدٌ مما تسمعه؟"
"بصراحة، لم أكن أرغب في تصديق ذلك،" تابع سامي، "لكن القصص بدأت تتكرر، ومن مصادر مختلفة. أخشى أن تكون هذه العلاقات من الماضي هي السبب في تردد ليلى أحيانًا في بعض الأمور. ربما تشعر بالذنب، أو تخشى أن تعرف الحقيقة."
شعر أحمد ببعض الاضطراب. لم يكن من عادته أن يشك في ليلى، لكن كلمات سامي بدت مقنعةً، ولو جزئيًا. بدأ عقله يتصارع مع الشك. هل كانت هناك جوانبٌ في حياة ليلى لم يعرفها؟ هل كانت هناك أسرارٌ تخفيها عنه؟
في نفس الوقت، بدأت ليلى تشعر بشيءٍ غريبٍ في سلوك أحمد. كان يبدو شاردًا، وكأنه يحمل هموم الدنيا. عندما كانت تسأله عن سبب قلقه، كان يتهرب من الإجابة، أو يقول إن الأمر يتعلق بالعمل.
"أحمد، هل هناك شيءٌ يزعجك؟" سألته ليلى ذات مساءٍ وهي تحتضنه. "منذ أيامٍ وأنت تبدو مختلفًا. هل حدث شيءٌ في العمل؟"
نظر أحمد إليها بعينين تحملان مزيجًا من الحيرة والحزن. "لا يا ليلى، لا شيء."
"لكنني أرى ذلك في عينيك،" أصرت ليلى. "أنا زوجتك المستقبلية، ويحق لي أن أعرف ما يزعجك."
تنهد أحمد وقال: "الأمر معقدٌ يا ليلى. أخشى أن تكون هناك بعض الأمور التي لم تخبريني بها."
ارتبكت ليلى. "ماذا تقصد؟"
"لقد سمعت بعض الأشياء،" قال أحمد ببطء، "عن… عن علاقاتٍ سابقةٍ لكِ. هل هذا صحيح؟"
اتسعت عينا ليلى بصدمة. "علاقاتٍ سابقة؟ أي علاقاتٍ يا أحمد؟ أنا لم أكن في علاقةٍ مع أحدٍ من قبل! كل اهتمامي كان منصبًا على دراستي وعملي."
"لكنهم يقولون..." بدأ أحمد، ثم توقف.
"من هم الذين يقولون؟" سألت ليلى بصوتٍ مرتفعٍ قليلًا، وقد بدأت مشاعر الحزن والغضب تتسلل إليها. "هل تتحدث عن سامي؟ هل صدقت أكاذيبه؟"
"سامي لم يقل شيئًا،" دافع أحمد عن نفسه، "لكنني سمعت همساتٍ من هنا وهناك."
"همسات؟" كررت ليلى بدهشة. "منذ متى وأنت تصدق همسات الأقاوين؟ هل نسيت من أنا؟ هل نسيت أننا اخترنا بعضنا البعض على أساس الثقة والصدق؟"
تلاشت علامات الشك من عيني أحمد قليلًا. لقد رأى في عيني ليلى براءةً صادقةً، ولم يكن يستطيع أن ينكر ذلك. لكن الشك الذي زرعه سامي كان كالبذرة الخبيثة، بدأ يتجذر في قلبه.
"ليلى، أنا أحبكِ،" قال أحمد بصدق، "ولا أستطيع أن أتخيل حياتي بدونكِ. لكنني أحتاج إلى أن أشعر بالاطمئنان الكامل."
"الاطمئنان يأتي من الثقة المتبادلة، يا أحمد،" قالت ليلى بقلبٍ موجوع، "وليس من الاستماع إلى أقاويل الناس. هل تريد حقًا أن تدع هذه الهمسات تفرق بيننا قبل أن نبدأ حياتنا؟"
في تلك اللحظة، شعر أحمد بوخزةٍ قويةٍ في قلبه. لقد أدرك أنه بدأ يتأثر بالشكوك، وأن هذه الشكوك قد تدمر كل شيء. نظر إلى ليلى، ورأى فيها الألم والحزن.
"أنا آسف يا ليلى،" قال أحمد بصدق، "لم يكن يجب أن أسمح لهذه الأفكار بأن تدخل عقلي. أنتِ تعرفين أنني لم أكن في علاقةٍ مع أحدٍ قبلك. ولا أريد أن أصدق أي شيءٍ يمكن أن يؤذي علاقتنا."
احتضنت ليلى أحمد بقوة، وشعرت بأن جدار الشك الذي بدأ يتكون بينهما قد بدأ يتصدع. "أعلم أنك لن تخذلني يا أحمد. ونحن سندعم بعضنا البعض في كل الظروف."
لكن سامي لم يكن لينتهي من خططه. لقد شعر بأن لقاء أحمد وليلى قد أخمد نار الشك في قلب أحمد، وكان عليه أن يجد طريقةً أخرى لإشعالها. كانت الغيرة تدفعه إلى الجنون، وكان مستعدًا لفعل أي شيءٍ لإحداث الفتنة.
قرر سامي أن يلجأ إلى الكذب الصريح. بدأ ينشر إشاعاتٍ كاذبةً حول أحمد، محاولًا تشويه سمعته أمام زملاء ليلى. كان يزعم أن أحمد لديه مشاكل مالية، وأنه يتلاعب بالبيانات في العمل. كان يأمل أن يؤثر ذلك على نظرة ليلى لأحمد، وأن يجعلها تشك في قدراته.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت ليلى تتحدث مع زميلتها "نورا" عبر الهاتف، سمعت نورا تقول بصوتٍ منخفض: "والله يا ليلى، سمعت أن أحمد لديه مشاكل ديون كبيرة. يقولون إنه يستخدم أساليب غير مشروعة لتغطية تكاليف الزواج."
شعرت ليلى بصدمةٍ تكاد تجمد دمها في عروقها. "ماذا تقولين يا نورا؟ من قال لكِ هذا؟"
"إنها همساتٌ قويةٌ يا ليلى،" أجابت نورا بقلق، "الكثيرون يتحدثون عن هذا الأمر. أخشى أن يكون هناك شيءٌ غير طبيعي في علاقتكما."
شعرت ليلى بأن الأرض تميد بها. لم تستطع أن تفهم ما يحدث. كان سامي يزرع الفتن، ويبدو أنه قد نجح في بث الشكوك في قلوب الآخرين.
"نورا،" قالت ليلى بصوتٍ مرتجف، "هذا غير صحيح. أحمد رجلٌ نزيهٌ ومحترم. كل هذه الأقاويل مجرد أكاذيب."
"أتمنى ذلك يا ليلى،" قالت نورا، "لكن القلوب بدأت تميل إلى الشك. الجميع يتحدث عن هذا الموضوع."
أغلقت ليلى الهاتف، وشعرت بأنها في وسط عاصفةٍ هوجاء. لم تكن تعرف كيف ستواجه أحمد بهذا الأمر. هل كان عليه أن يعلم بهذه الشائعات؟ وهل كان سامي هو من يقف وراءها؟
لقد تعمقت المشكلة، وزادت عاصفة الغيرة والشك من حدتها، وبدأت تلوح في الأفق تحدياتٌ جديدةٌ تهدد مستقبل ليلى وأحمد.