روح تبحث عنك الجزء الثاني
سَكرةٌ تُخفي حَقيقة
بقلم فاطمة النجار
كانت الأيام تمضي على "نور" كأنها أطيافٌ عابرة، ثقيلةٌ بالأسى، خفيفةٌ بالوجود. باتت الشاشات الزرقاء لبِيبْغاتِ التواصل هي عالمها الوحيد، حيث تنثرُ دموعها المكتومة، وتُفرغُ آلامها المعتقة في تعليقاتٍ عابرة، أو منشوراتٍ غامضةٍ كرمزٍ يفكهُ هو وحده. "خالد" الذي كان بالأمسِ طيفاً لامعاً، صار اليومَ شبحاً أليماً يطاردُ كل ركنٍ في حياتها. ذاك الشبحُ الذي نحتَ من قلبها ندبةً عميقة، وعَلّقَ على جدرانِ روحها صوراً باهتةً من الأملِ المجهَض.
لم تعدْ تبالي بما يُقال، ولا بما يُلمح. أصبحتْ كلماتُ الأصدقاءِ القلائلِ الذين يحاولون استمالتها إلى واقعٍ لم يعدْ لها فيه مكان، مجردَ ضوضاءٍ خافتةٍ في وراءِ حجابٍ كثيفٍ من الحزن. "نور، لقد مرتْ أشهرٌ، عليكِ أن تتجاوزي الأمر." قالت لها "ريم" بلهجةٍ حانيةٍ، لكنها كانت تحملُ في طياتها شعوراً بالإحباط. "كيف أتجاوزُ أمراً لم أُتقنْ بعدُ فهمه؟" ردتْ "نور" وصوتها يرتجفُ كأنها تستجدي إجابةً لن تجدها.
لقد أدمنَتْ "نور" على هذا الألم، على هذهِ الغُربةِ التي فرضتها على نفسها. كانَ كلُ منشورٍ له، كلُ تفاعلٍ خجولٍ مع حياتها الافتراضية، بمثابةِ جرعةٍ صغيرةٍ من السمِ الذي يخدرُ عقلها، ويُسكنُ شغفها بالحياة. كانتْ تبحثُ عنهُ في كلِ وجهٍ عابر، في كلِ صوتٍ يشبهُ صوته، لتجدَ نفسها بعدَ كلِ محاولةٍ في دائرةِ الوحدةِ المغلقة.
في تلكَ الأمسيةِ الشتويةِ التي لفّتْ المدينةَ بسكونٍ بارد، قررتْ "نور" أن تخوضَ معركةً جديدةً مع الشبح. لم تكنْ معركةً بالسيوفِ أو الكلمات، بل كانتْ حرباً باردةً على ذاكرةٍ أبتْ إلا أن تعود. فتحتْ ملفاً قديماً على حاسوبها، ملفاً حملَ اسمَ "ذكريات". كانتْ تخشى فتحه، تخشى أن تُحرقَها نارُ الشوقِ من جديد، لكنها شعرتْ برغبةٍ جامحةٍ في تذكرِ تلكَ الأيامِ الجميلة، تلكَ الأيامِ التي كانَ فيها "خالد" جزءاً لا يتجزأُ من عالمها، جزءاً يشعُ بالحياةِ والأمل.
بدأتْ الصورُ تتوالى. صورٌ تجمعهما في نزهاتٍ على شاطئِ البحر، ضحكاتٌ عفويةٌ تلتقطها عدسةُ الأيام. صورٌ لهما في مقهىً هادئ، يتبادلانُ نظراتٍ تحملُ وعداً بمستقبلٍ لم يأتِ. كانتْ كلُ صورةٍ تحملُ في طياتها قصةً، قصةً عن حبٍ كانَ ينمو تحتَ سماءِ الوضوحِ والصفاءِ. وفجأةً، تجمدتْ الصورُ عندَ صورةٍ معينة. صورةٌ لـ "خالد" وهو ينظرُ إليها بعينينِ تفيضانُ بالحنانِ والعشق، وكانَ يمسكُ بيدها، وتُزينُ وجههُ ابتسامةٌ حالمة.
في تلكَ اللحظة، عادتْ كلُ الذكرياتِ بكلِ قوتها. عادتْ الأيامُ التي كانَ فيها "خالد" يقولُ لها: "أنتِ روحي، وبدونكِ لا حياةَ لي". عادتْ الوعودُ التي تبادلاها، وعادتْ الأحلامُ التي نسجاها معاً. شعرتْ "نور" بارتعاشٍ سارٍ في جسدها. لم يكنْ ارتعاشَ خوف، بل كانَ ارتعاشَ شوقٍ وحنين. لكنْ، سرعانَ ما تبددَ هذا الحنينُ بذكرى تلكَ اللحظةِ التي انكسرَ فيها كلُ شيء. تلكَ اللحظةُ التي رأتهُ فيها معَ امرأةٍ أخرى، تلكَ اللحظةُ التي تحولَ فيها عالمهما الورديُ إلى رماد.
"لماذا يا خالد؟" همستْ بصوتٍ بالكادِ يُسمع. "لماذا فعلتَ بي هذا؟" كانتْ عيناها تدمعانِ بغزارة، لكنْ هذهِ المرة، لم تكنْ دموعَ استسلام، بل كانتْ دموعَ غضبٍ ممزوجٍ بحزنٍ عميق. لم يعدْ الحزنُ مجردَ ألمٍ سلبي، بل أصبحَ دافعاً قوياً للانتقام، للانتقامِ من الذاتِ التي سمحتْ لهُ بأن يُحطمها.
نهضتْ "نور" من مكانها، وكأنها وجدتْ ضالتها في بحرِ الألم. لقد أدركتْ أن إدمانها على ذكرياتِ الماضي لن يُعيدَ لها ما فقدت. وأن البكاءَ على الأطلالِ لن يُصلحَ ما تخرب. قررتْ أن تُغيرَ مسارَ حياتها، وأن تبدأَ رحلةً جديدةً بعيداً عن شبحِ "خالد". لكنْ، كيفَ يمكنُ لروحٍ اعتادتْ الظلامِ أن تبحثَ عن النور؟ وكيفَ يمكنُ لقلبٍ اعتادَ الكسرِ أن يُشفى؟
في تلكَ الليلة، لم تنمْ "نور". قضتْ ساعاتِ الليلِ تتأملُ مستقبلها، مستقبلٍ لا تعرفُ عنه شيئاً، لكنها تعلمُ جيداً أنهُ يجبُ أن يكونَ مختلفاً. كانتْ ترسمُ في مخيلتها صوراً لامرأةٍ قوية، امرأةٍ قادرةٍ على مواجهةِ الحياةِ بكلِ تحدياتها. امرأةٍ لا تهزها رياحُ الماضي. وفي أعماقِ قلبها، شعرتْ بشعلةٍ خافتةٍ بدأتْ تتوهج، شعلةُ أملٍ جديدة، شعلةُ رغبةٍ في استعادةِ حياتها. لكنْ، هل ستكونُ هذهِ الشعلةُ كافيةً لتُضيءَ لها الطريقَ في ظلامِ الأيامِ القادمة؟ وهل ستتمكنُ من التغلبِ على سكرةِ الماضي التي باتتْ تُخفي حقيقةَ واقعها؟