روح تبحث عنك الجزء الثاني

أوهامُ القوةِ المُزيفة

بقلم فاطمة النجار

بعدَ تلكَ الليلةِ الطويلةِ من التأملِ والصراعِ الداخلي، استيقظتْ "نور" وهي تشعرُ بتبدلٍ غريبٍ في روحها. لم يكنْ تبدلاً جذرياً، لكنه كانَ أشبهَ بنسمةِ هواءٍ عليلٍ تغلغلتْ في رئتيها بعدَ فترةٍ من الاختناق. قررتْ أن تبدأَ بخطواتٍ صغيرة، خطواتٍ لا تُرهقُ قلبها المنهكَ، لكنها تُشيرُ إلى اتجاهٍ جديد.

أولُ هذهِ الخطوات، كانَ قرارها بالابتعادِ عن عالمِ التواصلِ الافتراضي، على الأقلِ في الفتراتِ التي تشعرُ فيها بالضعفِ والانكسار. علمتْ أن هذا العالمَ صارَ بمثابةِ السمِ الذي ينهشُ في روحها، وأن كلَ نظرةٍ إلى صورتهِ أو تعليقٍ عابرٍ منهُ، يُعيدُها إلى نقطةِ الصفر. تصفحتْ هاتفها ببطء، وأغلقتْ حساباتها الواحدةَ تلوَ الأخرى، شعورٌ غريبٌ بالحريةِ بدأَ يتسللُ إلى نفسها، حريةٌ ممزوجةٌ بالخوفِ من المجهول.

لم تكنْ "ريم" لتصدقَ ما رأتهُ في البداية. "نور؟ هل هذا أنتِ حقاً؟" سألتْ بلهجةٍ فيها الكثيرُ من المفاجأةِ والبهجة. "لقد افتقدتكِ جداً." ابتسمتْ "نور" ابتسامةً باهتةً لكنها صادقة. "وأنا افتقدتُ نفسي، يا ريم. أعتقدُ أنني كنتُ أضيعُ."

بدأتْ "نور" تقضي وقتاً أطولَ في قراءةِ الكتبِ التي كانتْ تتراكمُ على رفوفِ مكتبتها، كتبٌ كانتْ تنتظرُ يوماً لتُفتح، يوماً لتُبحرَ في عوالمها. بدأتْ تمارسُ الرياضةَ بانتظام، لم تكنْ تمارسها من أجلِ شكلٍ خارجي، بل من أجلِ شعورِ القوةِ الذي تمنحُهُ للجسدِ والروح. بدأتْ تُعيدُ بناءَ حياتها قطعةً قطعة، كأنها ترممُ بيتاً قديماً أصابهُ الهدم.

لكنْ، لم يكنْ الطريقُ مفروشاً بالورود. كانَ شبحُ "خالد" لا يزالُ يلوحُ في الأفق، يتسللُ إلى أحلامها، ويُراودُها في لحظاتِ الضعف. كانتْ ترى وجههُ في وجوهِ الغرباء، وتسمعُ صوتهُ في كلِ صوتٍ يشبهُ صوته. كانتْ أحياناً تشعرُ بالوحدةِ القاتلة، وتُغريها فكرةُ العودةِ إلى عالمِ التواصلِ الاجتماعي، عالمٍ كانَ يوفرُ لها ولو وهماً من التواصلِ معه.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانتْ "نور" تتصفحُ كتاباً عن تاريخِ الفن، ألحتْ عليها رغبةٌ عارمةٌ في معرفةِ أخبارِ "خالد". ترددتْ طويلاً. لقد وعدتْ نفسها بالابتعاد، لكنْ فضولها كانَ أقوى من عهدها. بقلبٍ يخفقُ بسرعة، أمسكتْ هاتفها، وأعادتْ تفعيلَ أحدِ حساباتها القديمة.

دخلتْ إلى صفحتهِ، تتصنعُ اللامبالاة. وجدتْ صوراً جديدةً له، صورٌ فيها يبتسمُ، صورٌ فيها يبدو سعيداً. معَ امرأةٍ جديدة. بدتْ تلكَ المرأةُ جميلةً، أنيقةً، ويبدو أن "خالد" سعيدٌ معها. شعرتْ "نور" بوخزةٍ حادةٍ في قلبها، لكنها حاولتْ كبتَها. "هذا هو ما أردتُه له." قالتْ لنفسها بصوتٍ خافت، لكنْ صوتَ الحزنِ كانَ أقوى.

ثم، قرأتْ تعليقاً كتبتهُ إحدى صديقاتها القديماتِ لـ "خالد": "أتمنى أن تكونَ سعيداً في حياتكَ الجديدة. تذكرنا دائماً." ردتْ "نور" على هذا التعليقِ بكلمةٍ واحدةٍ مختصرة: "بالتوفيق."

كانتْ هذهِ الكلمةُ بمثابةِ إعلانٍ رسميٍ عن انتهاءِ علاقتها به، ولو في قلبها. لكنْ، ماذا لو كانَ "خالد" لا يزالُ يفكرُ فيها؟ ماذا لو كانَ نادماً؟ كانتْ هذهِ الأسئلةُ تدورُ في رأسها كالشياطين، تُغريها بالبحثِ عن دليلٍ يُثبتُ أن ما حدثَ لم يكنْ نهايةً حقيقية.

في تلكَ الليلة، شعرتْ "نور" بالوهنِ يعودُ إليها. أدركتْ أنها لم تتجاوزْ الأمرَ بعد. وأن إدمانها على ذكرياتهِ لم ينتهِ، بل تحولَ إلى إدمانٍ على الرغبةِ في التأكدِ من عدمِ سعادتهِ، أو على الأقلِ عدمِ سعادتهِ الكاملة. إنها أوهامُ قوةٍ مُزيفة، قوةٌ تستمدُها من وهمِ أن ألمها هو ما يُبقي "خالد" مرتبطاً بها.

تذكرتْ كلماتِ والدها الحكيمة: "يا ابنتي، القوةُ الحقيقيةُ ليستْ في البكاءِ على ما فقدت، بل في بناءِ ما هوَ قادم. لا تجعلي ألمَ الماضي يُصبحُ سجنكِ."

كانتْ كلماتُ والدها كالنورِ في الظلام. أدركتْ "نور" أن التشبثَ بذكرياتِ "خالد" هو إعطاءٌ لهُ سلطةٌ على حاضرها ومستقبلها. وأن الطريقَ الوحيدَ للشفاءِ هو التحررُ من هذا الوهم.

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ "نور" بقرارٍ أشد. لم تعدْ تريدُ أن تعرفَ شيئاً عن "خالد". لن تبحثَ عن صوره، ولن تقرأَ تعليقاتٍ تخصه. أرادتْ أن تبدأَ من جديد، بدايةً حقيقيةً هذهِ المرة، بدايةً تبدأُ من نفسها.

ذهبتْ إلى المقهى الذي كانتْ ترتادهُ معَ "ريم" في السابق. طلبتْ كوباً من القهوة، وجلستْ تتأملُ المارة. شعرتْ بالهدوءِ يعودُ إليها، هدوءٌ لم تكنْ تعتقدُ أنها ستشعرُ بهِ مرةً أخرى. إنها ليستْ مجردَ فتاةٍ مجروحة، بل هيَ روحٌ بدأتْ تستعيدُ قوتها، روحٌ بدأتْ ترفضُ أن تعيشَ في أوهامِ الماضي. لكنْ، هل ستكونُ هذهِ البدايةُ كافيةً لتبني مستقبلاً مشرقاً؟ أم أن شبحَ "خالد" سيجدُ طريقةً للعودةِ والسيطرةِ عليها مرةً أخرى؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%