روح تبحث عنك الجزء الثاني

وَمَضاتُ الأملِ في الظلام

بقلم فاطمة النجار

بدأتْ "نور" تستعيدُ عافيتها ببطءٍ وتأنٍ، أشبهَ بنبتةٍ صغيرةٍ تنمو في أرضٍ قاحلة، لكنها مُصرةٌ على الحياة. لم تكنْ رحلتها سهلةً، فالمعركةُ ضدَّ الذكرياتِ والأوهامِ كانتْ ضروساً، وأحياناً ما كانتْ تشعرُ بأنها تفقدُ السيطرةَ وتعودُ أدراجها إلى متاهاتِ الحزن. لكنْ، في كلِ مرةٍ كانتْ تسقطُ فيها، كانتْ تجدُ في داخلها قوةً خفيةً تدفعها للنهوض.

قررتْ "نور" أن تُركزَ على تطويرِ ذاتها في مجالاتٍ أخرى. انضمتْ إلى دورةٍ لتعلمِ فنونِ التصوير، كانتْ لطالما شعرتْ بشغفٍ تجاهَ التقاطِ الجمالِ في الأشياءِ البسيطة. كانتْ تجدُ في عدسةِ الكاميرا وسيلةً جديدةً لرؤيةِ العالم، لرؤيةِ ما حولها بعينٍ أخرى، عينٍ تبحثُ عن الضوءِ لا عن الظل.

في أحدِ أيامِ الدورة، وبينما كانتْ تلتقطُ صوراً لحدائقِ القصرِ القديم، لفتَ انتباهها رجلٌ يقفُ بعيداً، يتأملُ إحدى الزهورِ بتمعن. كانَ ذو لحيةٍ خفيفةٍ وشعرٍ داكن، ويحملُ في عينيهِ بريقاً من التأملِ والسكينة. كانَ يبدو كأنهُ جزءٌ من المشهدِ نفسه، وكأنهُ لوحةٌ فنيةٌ تنطقُ بالجمال.

شعرتْ "نور" برغبةٍ مفاجئةٍ في التقاطِ صورتهِ، لكنها ترددت. لم تكنْ تريدُ أن تُزعجه. ومعَ ذلك، لم تستطعْ أن تُقاوم. رفعتْ كاميرتها ببطء، وحاولتْ التقاطَ صورةٍ سريعةٍ لهُ دونَ أن ينتبه.

في تلكَ اللحظة، التفتَ الرجلُ إليها. لم يبدُ عليهِ الغضب، بل ابتسمَ ابتسامةً لطيفة. "هل تستمتعينَ بالتقاطِ الصور؟" سألَ بصوتٍ هادئٍ وعميق.

شعرتْ "نور" بارتباكٍ خفيف، لكنها استجمعتْ شجاعتها. "نعم، أحاولُ اكتشافَ زوايا جديدةٍ للعالم." أجابتْ، وشعرتْ بأن وجهها احمرَّ قليلاً.

"العالمُ مليءٌ بالجمالِ الذي ينتظرُ أن يُلتقط." قالَ الرجل، وهو يقتربُ منها ببطء. "أنا "سالم". وأنتِ؟"

"أنا "نور"."

"هل أنتِ هاويةٌ أم محترفة؟" سألَ "سالم" وهو يتفحصُ كاميرتها.

"أنا هاويةٌ في البداية. أتعلمُ الآن."

"التعلّمُ رحلةٌ لا تنتهي." قالَ "سالم" بابتسامةٍ واسعة. "هل تسمحينَ لي برؤيةِ ما التقطتِ؟"

ترددتْ "نور" للحظة، لكنها شعرتْ بشيءٍ من الارتياحِ تجاهَ هذا الرجل. فتحتْ كاميرتها وعرضتْ عليهِ بعضَ الصور. كانَ "سالم" يتفحصُ الصورَ باهتمامٍ بالغ، ويبدي ملاحظاتٍ دقيقةٍ ومفيدة. كانَ يرى ما لم تكنْ "نور" تراه، وكانَ يُشجعها على رؤيةِ الأمورِ من زوايا مختلفة.

"لديكِ عينٌ ترى الجمالَ الحقيقي، يا "نور"." قالَ "سالم" وهو يُعيدُ لها الكاميرا. "لا تدعي أحداً يُطفئُ هذا الشغفَ بداخلكِ."

كانتْ كلماتُ "سالم" بمثابةِ جرعةٍ من الأملِ الجديد. شعرتْ "نور" بأنها وجدتْ شخصاً يفهمُ شغفها، شخصاً يُشجعها على الاستمرار. تبادلا أرقامَ الهواتف، ووعدها "سالم" بأن يُقدمَ لها النصائحَ والدعمَ في رحلتها.

عندما عادتْ "نور" إلى المنزل، شعرتْ بفارقٍ كبير. لم يكنْ الأمرُ يتعلقُ بـ "خالد" بعدَ الآن. لقد اكتشفتْ عالماً جديداً، عالماً مليئاً بالإبداعِ والجمال. بدأتْ تقضي وقتاً أطولَ في التصوير، وكانتْ تشعرُ بسعادةٍ غامرةٍ كلما التقطتْ صورةً جميلة.

لكنْ، لم يكنْ الماضي قد تركها تماماً. في إحدى الليالي، وبينما كانتْ تستعرضُ صورها القديمة، وجدتْ صورةً لـ "خالد" وهو يبتسمُ لها. شعرتْ بوخزةٍ خفيفةٍ في قلبها، تذكرتْ أيامَ السعادةِ التي عاشتها معه. تساءلتْ في نفسها، هل كانَ حبهم حقيقياً؟ هل كانَ ما حدثَ مجردَ سوءِ فهم؟

عندها، تذكرتْ تلكَ المرأةَ التي رأتها معهُ. تذكرتْ تلكَ النظراتِ الخائنة. هزتْ رأسها بقوة. "لا يا "نور"." قالتْ لنفسها. "لقد تجاوزتِ هذا. لا تعودي إلى الوراء."

وفي صباحِ اليومِ التالي، قررتْ "نور" أن تُرسلَ رسالةً إلى "سالم". "صباحُ الخير. أردتُ أن أشكركَ مجدداً على نصائحكَ. لقد ساعدتني كثيراً. هل لديكَ وقتٌ للقاءٍ اليوم؟ أودُّ أن أتحدثَ معكِ عن بعضِ الأفكارِ الجديدة."

ردَّ "سالم" بسرعة: "صباحُ النور. يسعدني ذلكَ جداً. متى وأين؟"

شعرتْ "نور" بابتسامةٍ ترتسمُ على وجهها. إنها بدايةٌ جديدة. بدايةٌ مليئةٌ بالفرصِ والأمل. لكنْ، ماذا لو كانَ لقاءُ "سالم" هذا مجردَ طريقٍ آخرَ إلى متاهةٍ جديدة؟ وماذا لو كانَ هذا الأملُ الذي تشعرُ بهِ الآن، مجردَ وهمٍ زائفٍ سيتبددُ سريعاً؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%