حب الأوطان الجزء الثالث

نسيم الشوق في رياض الماضي

بقلم مريم الحسن

كانت نسمةٌ باردةٌ، تحملُ معها عبقَ الياسمينِ المتكسرِ تحتَ وطأةِ مطرٍ خفيفٍ، تتسللُ عبرَ نوافذِ مكتبِ أحمدَ العتيقِ، لتهزَّ أوراقَ الخرائطِ المبعثرةَ على مكتبهِ الخشبيِّ المهيبِ، وتُوقظَ فيهِ شعورًا غامضًا كأنهُ ينادي اسمًا قديمًا. أحمد، المهندسُ المعماريُّ ذو العينينِ اللوزيتينِ الثاقبتينِ، والشعرِ الأسودِ المتمردِ الذي تخللتْهُ خيوطُ الفضةِ المبكرةِ، كانَ يقفُ أمامَ مجسمٍ كبيرٍ لمدينةٍ ناشئةٍ، يجمعُ بينَ الأصالةِ والمعاصرةِ، بينَ صلابةِ الحجرِ ومرونةِ الزجاجِ. عقلهُ يسبحُ في تفاصيلِ التصميمِ، لكنَّ قلبهَ كانَ ينجرفُ نحو زمنٍ بعيدٍ، حينَ كانتْ هذهِ الرياضُ التي يشاهدُها عبرَ النافذةِ، ليستْ مجردَ أبنيةٍ شامخةٍ، بلْ كانتْ مسرحًا لأعذبِ القصصِ.

في ذلكَ المساءِ، وعلى وقعِ قطراتِ المطرِ المتلاحقةِ على زجاجِ النافذةِ، أحسَّ أحمدُ بتيارٍ قويٍّ يعيدُهُ إلى زمنٍ كانَ فيهِ مجردَ فتىً يحلمُ بمستقبلٍ لمْ يعرفْ بعدُ ملامحَهُ الحقيقيةَ. تذكّرَ وجهَ جدتِهِ، وجهُ السيدةِ العجوزِ التي كانتْ تُشكلُ عالمهُ، والتي ما زالَ صداها يترددُ في أروقةِ ذاكرتهِ كأنها كانتْ بالأمسِ. كانتْ تُجيدُ فنَّ سردِ الحكاياتِ، وتُغذّي خيالهُ بقصصٍ عنْ أجدادٍ بطوليينَ، وعنْ حبٍّ كانَ يُزهرُ في زمنٍ كانتْ فيهِ القيمُ أسمى منْ أيِّ طمعٍ.

"يا بنيَّ،" كانَ صوتُ جدتِهِ يرتسمُ في عقلهِ كأنهُ همسٌ خفيٌّ، "إنَّ الحياةَ قصةٌ طويلةٌ، تكتبُ فصولها بنفسكَ. فاجعلْ كلماتِها صادقةً، وأحرفَها نبيلةً."

كانتْ تلكَ الكلماتُ تعودُ إليهِ في لحظاتِ الحيرةِ، وتُعيدُ إليهِ بوصلتَهُ الأخلاقيةَ. أحمد، الشابُّ الذي عرفَ النجاحَ في مجالِ عملِهِ، والذي احترمَهُ الجميعُ لِنزاهتهِ وخُلقهِ الرفيعِ، كانَ يشعرُ بفراغٍ ما، فراغٍ لا تستطيعُ إنجازاتُهُ المهنيةُ أنْ تملأَهُ. كانَ يبحثُ عنْ شيءٍ أعمقَ، عنْ روحٍ تُشاطرُهُ رؤيتهُ للحياةِ، عنْ قلبٍ ينبضُ بنفسِ الإيقاعِ.

فجأةً، انفتحَ بابُ المكتبِ ببطءٍ، وظهرتْ خلفَهُ سكرتيرتُهُ الشابةُ، السيدةُ فاطمةُ، بشعرِها الأسودِ المنسدلِ على كتفيها، وبحجابِها الذي يُضفي عليها وقارًا خاصًا. في يدها صينيةٌ تحملُ فنجانينِ منَ القهوةِ، تفوحُ منهما رائحةٌ زكيةٌ تُنعشُ المكانَ.

"مساءُ الخيرِ يا أستاذَ أحمدَ،" قالتْ بصوتٍ هادئٍ، "رأيتُكَ شاردًا، فأحببتُ أنْ أُخففَ عنكَ بعضَ التعبِ."

ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً خفيفةً، وتقدّمَ نحوها ليأخذَ الفنجانَ. "شكرًا لكِ يا فاطمةُ، أنتِ دائمًا سبّاقةٌ في مراعاةِ الآخرينَ."

في تلكَ اللحظةِ، لمعتْ عيناها لمعةً خاطفةً، لمعةُ امتنانٍ ممزوجةٌ بشيءٍ آخرَ، شيءٍ لمْ يستطعْ أحمدُ فهمَهُ تمامًا. فاطمةُ، الفتاةُ الذكيةُ، المتدينةُ، التي كانتْ تعملُ لديهِ منذُ سنواتٍ، لمْ تكنْ مجردَ سكرتيرةٍ. كانتْ تُظهرُ اهتمامًا خاصًا بكلماته، وبأفكارهِ، وبكلِّ تفاصيلِ حياتهِ المهنيةِ. كانَ أحمدُ يُقدّرُها كثيرًا، ويحترمُ قدراتِها، لكنَّ هذا الاهتمامَ الذي يبدو أنهُ يتجاوزُ حدودَ العملِ، بدأَ يُثيرُ لديهِ شيئًا منْ الحيرةِ.

"هلْ هناكَ أيُّ مستجداتٍ في مشروعِ المدينةِ الساحليةِ؟" سألتْ فاطمةُ وهيَ تُرتِّبُ بعضَ الأوراقِ على المكتبِ.

"نعم، لقدْ توصلنا إلى اتفاقٍ مبدئيٍّ معَ المستثمرينَ،" أجابَ أحمدُ وهوَ يُرتشفُ منَ القهوةِ، "لكنَّ هناكَ بعضَ التفاصيلِ التي ما زالتْ تحتاجُ إلى مزيدٍ منَ النقاشِ. خصوصًا فيما يتعلقُ بتصميمِ المساجدِ والمراكزِ الثقافيةِ، أريدُ أنْ تكونَ رمزًا للهويةِ العربيةِ والإسلاميةِ الأصيلةِ."

"هذا رائعٌ جدًا،" قالتْ فاطمةُ وعيناها تلمعانِ بالحماسِ، "لطالما كنتُ أُؤمنُ بأنَّ العمارةَ ليستْ مجردَ بناءٍ، بلْ هيَ انعكاسٌ للروحِ والقيمِ. أنْ تُجسّدَ هذهِ الروحَ في مشروعٍ بهذا الحجمِ، هذا عملٌ عظيمٌ."

كانَ أحمدُ يُحبُّ هذا الشغفَ الذي تراهُ في عينيها عندما تتحدثُ عنْ الفنِّ والعمارةِ. كانتْ تفهمُ ما يريدُهُ، وتُشاركُهُ رؤيتهُ. لكنْ، هلْ كانَ هذا الفهمُ مجردَ ذكاءٍ مهنيٍّ، أمْ أنهُ يحملُ معنىً أعمقَ؟

"هلْ تذكرينَ عندما كنا نتحدثُ عنْ قصرِ الحمراءِ؟" سألها أحمدُ فجأةً، مُتذَكِّرًا حوارًا قديمًا دارَ بينهما عنْ هذا الصرحِ التاريخيِّ.

"بالطبعَ،" أجابتْ فاطمةُ بابتسامةٍ، "كنتَ تتحدثُ عنْ جمالِ التفاصيلِ، عنْ تناغمِ الأقواسِ، وعنْ كيفَ استطاعَ المسلمونَ أنْ يُجسّدوا حضارتهمْ في كلِّ حجرٍ."

"نعم،" قالَ أحمدُ، وعيناهُ تحدقانِ في الخارجِ حيثُ بدأتْ أضواءُ المدينةِ تتلألأُ في الظلامِ. "هذا ما أطمحُ إليهِ. أنْ نُعيدَ ذلكَ الزمنَ، زمنَ الإبداعِ والجمالِ، ولكنْ بلمسةٍ عصريةٍ. زمنٍ تُبنى فيهِ المدنُ على أسسٍ منَ الوفاءِ والمحبةِ."

صمتتْ فاطمةُ للحظةٍ، وصوتُ المطرِ أصبحَ أعلى. كانتْ الكلماتُ التي قالها أحمدُ تُلامسُ شيئًا في أعماقِها. كانتْ ترى فيهِ الشابَّ النبيلَ، المهندسَ المبدعَ، الذي يحملُ في قلبِهِ حبًّا صادقًا لوطنهِ ولتاريخهِ.

"هلْ تعتقدُ يا أستاذَ أحمدَ أنَّ هذا ممكنٌ؟" سألتْ بصوتٍ يكادُ يكونُ مسموعًا. "هلْ ما زالَ هناكَ مكانٌ لمثلِ هذا الحبِّ في عالمنا المعاصرِ؟"

رفعَ أحمدُ عينيهِ إليها، ورآى في نظرتِها شيئًا منَ الشكِّ، شيئًا منَ الأملِ. "أنا أؤمنُ بذلكَ يا فاطمةُ،" قالَ بهدوءٍ ولكنْ بثقةٍ، "الحبُّ، الحبُّ الحقيقيُّ، لا يموتُ. إنهُ يختبئُ في ثنايا الروحِ، ينتظرُ اللحظةَ المناسبةَ لينبعثَ منْ جديدٍ."

تلاقتْ نظراتُهما. في عينيهِ رأتْ إصرارًا لمْ تعهدْهُ منْ قبلُ، وفي عينيهِ رأى شيئًا منَ الارتياحِ، كأنَّ كلماتها قدْ لامستْ وتراً حساسًا في روحهِ. كانتْ هذهِ بدايةَ شيءٍ ما، بدايةَ فصلٍ جديدٍ في قصةٍ كانتْ تبدو وكأنها قدْ انتهتْ فصولها الجميلةُ.

كانَ المطرُ يتساقطُ بغزارةٍ، يُغسِّلُ شوارعَ المدينةِ، ويُنعشُ الأرضَ. وفي داخلهِ، كانَ شيئًا ما يُزهرُ، شيئًا لمْ يكنْ أحمدُ يتوقعُهُ، ولكنهُ كانَ يشعرُ بصدقِهِ. ربما كانَ الوقتُ قدْ حانَ ليبدأَ في كتابةِ فصلٍ جديدٍ، فصلٍ يُعيدُ إليهِ المعنى، ويُعيدُ إليهِ الشوقَ للأوطانِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%