حب الأوطان الجزء الثالث
أصداء الماضي ووشوشات المستقبل
بقلم مريم الحسن
ارتعش قلبُ ليلى حين لمحتِ بريقَ الأملِ يلوحُ في أفقِ الأيامِ القادمة. كانت الأيامُ الماضيةُ قد تركتْ في نفسها ندوبًا عميقةً، جراحًا لم تلتئمْ تمامًا، لكنَّ رؤيةَ أحمدَ، حديثَ أحمدَ، بدأتْ تُزهرُ في صحراءِ روحِها. لم يكنْ مجردَ رجلٍ عادي، بل كانَ ملاذًا، سفينةَ نجاةٍ في بحرِ الحياةِ المتقلب.
في ذاكَ الصباحِ الباكر، حينَ كانَ نورُ الشمسِ بالكادِ ينسلُّ عبرَ ستائرِ النافذة، كانتْ ليلى قد جلستْ في شرفتها، تحتضنُ كوبَ الشايِ الدافئ، تفكرُ في كلماتِ أحمدَ التي ودَّعَها بها بالأمس. "سأبذلُ كلَّ ما في وسعي، يا ليلى، لِأُثبتَ لكِ أنَّ الماضي لا يُمكنُ أنْ يُحددَ مستقبلَنا." كلماتٌ بسيطةٌ، لكنَّها حملتْ ثقلَ وعدٍ، ووعدًا كفيلًا بإعادةِ بناءِ ثقةٍ مهدمة.
كانتْ والدتها، السيدةُ فاطمة، قدْ خرجتْ منْ غرفتها، تحملُ صينيةَ إفطارٍ شهي، تتفحصُ ابنتَها بعينٍ تملؤها الرحمةُ والقلق. "ماذا بكِ يا حبيبتي؟ تبدينَ شاردةً الذهنِ اليوم."
ابتسمتْ ليلى ابتسامةً باهتة. "لا شيءَ يا أمي، مجردُ تفكيرٍ في بعضِ الأمور."
وضعتْ السيدةُ فاطمةُ الصينيةَ على الطاولةِ الصغيرةِ بجانبِها، وجلستْ قبالتَها. "الحديثُ عنْ أحمدَ، صحيح؟"
ترددتْ ليلى قليلًا. "أجل، يا أمي. لقدْ تحدثَ معي بالأمس، ووعدَني بـ..."
قاطعتْها السيدةُ فاطمةُ بلطف. "بوعدٍ لنْ يكسرَهُ. أعرفُ أحمدَ منذُ زمنٍ طويل، ولديَّ ثقةٌ بأخلاقِهِ ونبلِهِ. لكنَّ الثقةَ يا ابنتي، لا تُبنى على الكلماتِ وحدها، بلْ على الأفعالِ أيضًا."
"ولكنَّه بدأَ بالفعل، أليسَ كذلك؟ لقدْ عادَ، وهذا في حدِّ ذاتِهِ انتصارٌ. لقدْ تركَ وراءَهُ ماضيهُ المضطرب، وجاءَ ليبدأَ منْ جديد، هنا، معنا."
تنهدتْ السيدةُ فاطمة. "الماضي قدْ يكونُ لهُ أشباحٌ، يا ليلى. وأحيانًا، تكونُ هذهِ الأشباحُ أقوى مما نتصور. لا أريدُ لكِ أنْ تُصابي بخيبةِ أملٍ أخرى."
"وأنا لا أريدُ ذلكَ أيضًا، يا أمي. لكنَّني لا أستطيعُ إنكارَ الشعورِ الذي ينمو في قلبي. شعورٌ بالدفءِ، بالاطمئنانِ حينَ أراهُ. هلْ هذا حرامٌ؟"
"ليسَ حرامًا أنْ تشعرَ روحُكِ بما تشعرُ بهِ، يا ابنتي. الحرامُ هوَ ما يُغضبُ اللهَ. مادامَ كلُّ شيءٍ يسيرُ في إطارِ الحلالِ والشرع، فاللهُ لا يُحاسبُ على نبضاتِ القلبِ الأولى. لكنْ كوني حذرةً، وصبورةً. واتركي الأمورَ تأخذُ مجراها الطبيعي."
في جهةٍ أخرى منَ المدينة، في مكتبِهِ الفخمِ الذي يُشرفُ على أرجاءِها، كانَ خالدٌ يتفحصُ بعضَ الأوراقِ المتناثرةَ على مكتبِهِ. كانتْ عيناهُ تتبعانِ الخطوطَ المكتوبةَ، لكنَّ عقلهُ كانَ في مكانٍ آخر. في وجهِ ليلى، في حوارِها الأخيرِ معهُ، في نظراتِها التي تحملُ مزيجًا منَ اليأسِ والأمل.
وصلَ إلى مكتبِهِ نبيل، سكرتيرُهُ المخلص، يحملُ ملفًا بيدِهِ. "صباحُ الخيرِ يا سيدي."
"صباحُ النور، نبيل. هلْ أنهيتَ التحقيقاتِ التي طلبتُها؟" سألَ خالدٌ دونَ أنْ يرفعَ عينيهِ عنِ الأوراق.
"نعم، سيدي. لديَّ تقريرٌ شاملٌ عنْ شركةِ "المستقبلِ المشرق" والمديرِ التنفيذي لها، السيدِ سليم."
أخيرًا، رفعَ خالدٌ عينيهِ، وارتسمتْ على وجهِهِ نظرةٌ تحملُ مزيجًا منَ التركيزِ والريبة. "وماذا وجدتَ؟"
"الشركةُ تبدو واعدةً جدًا، سيدي. أرباحٌ متزايدة، استثماراتٌ ناجحة. لكنَّ هناكَ بعضُ النقاطِ الغريبة. تبدو بعضُ المعاملاتِ الماليةِ غيرَ واضحةٍ تمامًا. هناكَ تحويلاتٌ كبيرةٌ إلى حساباتٍ خارجيةٍ لا نعرفُ أصحابَها، وهذا أمرٌ غيرُ اعتياديٍ لشركةٍ بهذا الحجمِ وبهذهِ الشفافيةِ الظاهرية."
اتكأَ خالدٌ على ظهرِ كرسيهِ. "سليم. أعرفُ أنَّهُ رجلٌ طموحٌ، لكنَّ الطموحَ الجامحَ قدْ يُعمي البصيرة. هلْ هناكَ أيُّ علاقةٍ بينَ شركتِهِ وبينَ عائلةِ السيدِ مراد؟"
"بالفعل، سيدي. تبينَ أنَّ السيدَ سليمَ قدْ أقامَ شراكةً سريةً معَ السيدِ مراد منذُ فترةٍ طويلة. شراكةٌ لم تُسجلْ رسميًا، لكنَّها تدرُّ عليهما أرباحًا ضخمةً منْ خلالِ صفقاتٍ مشبوهةٍ في سوقِ العقاراتِ والأسهم."
ازدادَ عبسُ جبينِ خالد. "مراد. لطالما شعرتُ أنَّهُ يخفي شيئًا. يبدو أنَّهُ يلعبُ لعبةً خطرةً. وماذا عنْ أحمد؟ هلْ هناكَ أيُّ علاقةٍ بينَ أحمدَ وبينَ هذهِ الصفقات؟"
"لمْ نجدْ أيَّ دليلٍ مباشرٍ يربطُ أحمدَ بتلكَ العملياتِ المشبوهة، سيدي. يبدو أنَّهُ كانَ بعيدًا عنها تمامًا، بلْ إنَّ بعضَ التقاريرِ تشيرُ إلى أنَّهُ حاولَ مرارًا وتكرارًا أنْ يُعارضَ بعضَ تصرفاتِ السيدِ مراد، لكنَّهُ لمْ ينجحْ في ذلكَ بسببِ نفوذِ والدهِ."
"هذا ما كنتُ أخشاه. يبدو أنَّ السيدَ مرادَ قدْ استغلَّ سمعةَ ابنهِ وثقتهُ ليبني إمبراطوريتَهُ المشبوهة. لكنَّ أحمدَ لنْ يظلَّ غافلًا إلى الأبد. ثقْ بي، نبيل. أحمدُ رجلٌ نقيٌّ، وسوفَ يكتشفُ الحقيقةَ بنفسِهِ. وعندما يفعلُ، ستحتاجُ هذهِ الإمبراطوريةُ إلى عمودٍ فقريٍ قويٍّ لمواجهةِ ما سيأتي."
في تلكَ الأثناء، كانتْ ليلى تتحدثُ عبرَ الهاتفِ معَ صديقتها المقربةِ سارة. "لا أصدقُ أنَّ أحمدَ قدْ عادَ. لقدْ تغيرَ كثيرًا، يا سارة. يبدو أنَّهُ اكتسبَ نضجًا كبيرًا خلالَ غيابِهِ."
"وهلْ هذا سيءٌ؟ ربما كانتْ تلكَ السنواتُ هيَ ما احتاجهُ ليفهمَ قيمةَ الأشياءِ الحقيقية."
"ربما. لكنَّني أشعرُ بتناقضٍ غريب. جزءٌ مني يشعرُ بالفرحِ والأملِ لوجودِهِ، وجزءٌ آخرُ يخشى أنْ يعودَ الماضي ليُطارِدَنا."
"الأمرُ طبيعيٌ جدًا، ليلى. بعدَ كلِّ ما مررتِ بهِ، منَ الطبيعيِّ أنْ تشعرِ بالقلق. لكنْ دعينا نتذكرُ كلامَ والدتكِ. الثقةُ تُبنى بالأفعال. أعطيهِ فرصةً، واسمحي لقلبِكِ أنْ يتحدثَ. وأنا هنا لدعمِكِ في كلِّ خطوة."
"شكرًا لكِ يا سارة، أنتِ دائمًا الأفضل."
"وهلْ تحدثتِ معَ خالد؟ ما هوَ موقفهُ منْ عودةِ أحمد؟"
ترددتْ ليلى. "لمْ أتحدثْ معهُ عنْ ذلكَ بشكلٍ مباشر. لكنَّني أشعرُ بتغييرٍ فيهِ أيضًا. يبدو أنَّهُ أصبحَ أكثرَ هدوءًا، وأكثرَ تأملاً. ربما يواجهُ صراعاتِهِ الخاصة."
"كلُّنا نواجهُ صراعاتٍ، يا ليلى. المهمُّ هوَ كيفَ نتعاملُ معَها. أتمنى لكِ كلَّ الخير. سأتصلُ بكِ غدًا لأسمعَ أخبارَكِ."
بعدَ إنهاءِ المكالمة، نظرتْ ليلى إلى السماءِ الزرقاءِ الصافية. كانتْ الرياحُ تحملُ معها عبيرَ الزهورِ، ووعدًا بشيءٍ جديد. شيءٌ أجملُ مما تخيلتْ. شيءٌ قدْ يكونُ هوَ بدايةَ فصلٍ جديدٍ في حكايتها، فصلٍ يُكتبُ بأحرفِ الحبِّ الحلالِ، والنقاءِ، والأمل. لكنَّها لمْ تكنْ تعلمُ أنَّ الظلالَ كانتْ تتكاثفُ في زوايا أخرى، وأنَّ الصراعاتِ الخفيةَ كانتْ على وشكِ أنْ تطفوَ على السطح.