حب الأوطان الجزء الثالث
شروخٌ في جدارِ الثقة
بقلم مريم الحسن
تتلاقى الخيوطُ أحيانًا لِتنسجَ قصصًا معقدة، وأحيانًا أخرى تتشابكُ لِتُشعلَ فتيلَ صراعٍ لمْ يكنْ في الحسبان. في هذا الصباحِ الذي تخللتْهُ نسماتٌ باردةٌ معَ شروقِ الشمس، كانتْ ليلى تشعرُ باضطرابٍ خفيٍّ يعتريها. لمْ يكنْ سببهُ غيابُ أحمدَ، بلْ كانَ لقاؤهُ الأخيرُ معَ والدِهِ، السيدِ مراد، وما رافقَهُ منْ توترٍ بدا واضحًا على أحمدَ حتى وهوَ يحاولُ إخفاءَهُ.
كانتْ تجلسُ في حديقةِ منزلِها، تستنشقُ عبيرَ الياسمينِ المتسلقِ على الجدرانِ القديمة. تذكرتْ نظرةَ أحمدَ حينَ ودَّعَها بالأمس، نظرةً حملتْ معها مزيجًا منَ الأملِ والقلق. "أتمنى أنْ لا تكونَ والدتي قدْ أثرتْ عليكِ بكلامِها." قالَ لها، وبدتْ كلماته تحملُ شيئًا أعمقَ منَ القلقِ العادي.
"بالعكس، يا أحمد. لقدْ تحدثنا، وفهمتْ أنَّكِ تسعى لِإصلاحِ الأمور. لكنَّني شعرتُ بأنَّ هناكَ شيئًا يُثقلُ كاهلِكَ."
تنفسَ أحمدُ بعمق. "الصراعاتُ الداخليةُ أحيانًا تكونُ أشدَّ قسوةً منَ الصراعاتِ الخارجية. والدي... هوَ والدِي. أحاولُ فهمَ دوافعهُ، لكنَّني أجدُ صعوبةً في ذلكَ كلَّما تعمقتُ في تفاصيلِ عملِهِ."
"هلْ أنتَ متأكدٌ أنَّكَ لا تزالُ تعتقدُ أنَّ لديهِ نوايا حسنة؟" سألتْ ليلى، وصوتُها يحملُ نبرةَ القلق.
"نواياه؟ أحاولُ أنْ أصدقَ ذلك. لكنَّ بعضَ الأمورِ... تبدو غريبةً. هناكَ صفقةٌ عقاريةٌ كبرى يخططُ لها، ويتطلبُ الحصولُ عليها بعضَ التنازلاتِ الأخلاقيةِ التي لا أستطيعُ تقبُّلها."
"ما نوعُ هذهِ التنازلات؟"
"الضغطُ على بعضِ الملاكِ الصغارِ لِبيعِ أراضيهم بأقلَّ منْ قيمتِها الحقيقية، استخدامُ نفوذِهِ لِتسهيلِ بعضِ الإجراءاتِ التي قدْ لا تكونُ قانونيةً بالكامل. إنَّهُ يريدُ أنْ يُنجزَ الصفقةَ بأيِّ ثمن."
شعرتْ ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدِها. "لكنَّ هذا ليسَ منْ شيمِ والدكَ الذي عرفتُهُ. هلْ تأكدتَ منْ كلِّ شيء؟"
"أحاولُ، يا ليلى. أبحثُ عنْ أدلةٍ، عنْ تفسيرٍ منطقي. لكنَّ كلَّما تعمقتُ، زادَ قلقي. يبدو أنَّ والديَّ يمرانِ بفترةٍ صعبةٍ جدًا. والدتي... تبدو حزينةً أغلبَ الوقت، وكأنَّها تحملُ عبئًا لا يُحتمل."
"ربما يجبُ عليكَ التحدثُ معَ والدتكِ. ربما تستطيعُ هيَ أنْ تُفهمَكَ بعضَ الأمور."
"لقدْ حاولتُ، لكنَّها تتهربُ منَ الحديث. وكأنَّها تخشى شيئًا. أخشى أنْ يكونَ ماضينا يحملُ في طياتِهِ أسرارًا أكبرَ مما نتصور."
في هذهِ الأثناء، كانتْ السيدةُ أمينة، والدةُ أحمد، تجلسُ في غرفتها، تتفحصُ صندوقَ ذكرياتٍ قديم. عيناها غائمتانِ بالحزن، ويديها ترتجفانِ وهيَ تُمسكُ بصورةٍ تجمعُها بزوجِها الشاب، يومَ زفافهما. تذكرتْ وعدَها القديمَ لأبيها بأنَّها لنْ تُفشي سرًّا يُهددُ استقرارَ عائلتها. سرٌّ حملتهُ لأكثرَ منْ عشرينَ عامًا، سرٌّ باتَ يُثقلُ كاهلَها، ويُفسدُ عليها لذةَ حياتِها.
طرقتْ البابَ خادمتُهمُ القديمةُ، ودخولُها أحدثَ جلبةً بسيطة. "سيدتي، السيدُ خالدٌ يطلبُ رؤيتكِ. يقولُ إنَّ الأمرَ عاجل."
تفاجأتْ السيدةُ أمينة. لمْ تتوقعْ زيارةً منْ خالدٍ في هذا الوقت. "خالد؟ قُلْ لهُ أنْ يدخل."
دخلَ خالدٌ، وبدتْ على وجهِهِ علاماتُ الجديةِ والاهتمام. "مساءُ الخيرِ يا خالتي. أرجو المعذرةَ على الزيارةِ المفاجئة."
"لا بأسَ يا بني. تفضلْ بالجلوس. ما الذي أتى بكَ؟"
جلسَ خالدٌ، ووضعَ الملفَّ الذي يحملُهُ على الطاولة. "أتيتُ لأستشيرَكِ في أمرٍ هامٍّ يتعلقُ بـ..." توقفَ قليلًا. "يتعلقُ بعملِ السيدِ مراد. لقدْ علمتُ مؤخرًا ببعضِ الصفقاتِ التي يُفكرُ بها، وأشعرُ أنَّ هناكَ شيئًا مريبًا."
نظرتْ إليهِ السيدةُ أمينةُ بقلق. "ماذا تقصدُ يا بني؟"
"أعلمُ أنَّ السيدَ مرادَ يحبُّ هذهِ الصفقةَ العقاريةَ الكبرى، وأنَّهُ على وشكِ إتمامِها. لكنَّ المعلوماتِ التي لديَّ تُشيرُ إلى أنَّ هناكَ بعضَ الممارساتِ غيرَ الأخلاقيةِ التي قدْ تُستخدمُ لتحقيقِها. وأنا هنا لأنَّني أثقُ في حكمتِكِ، وفي علاقتِكِ بهِ. هلْ هناكَ أيُّ شيءٍ تعرفينَهُ عنْ هذهِ الصفقةِ، أو عنْ أيِّ مشاكلَ قدْ تكونُ في طريقةِ تحقيقِها؟"
ترددتْ السيدةُ أمينةُ. نظرتْ إلى الصندوقِ القديم، ثمَّ إلى خالد. كانتْ تعرفُ أنَّ خالدًا رجلٌ نزيهٌ، وأنَّهُ لا يبحثُ عنْ مجردِ إثارةِ المشاكل. لكنَّ الكشفَ عنْ هذا السرِّ قدْ يُدمرُ عائلتها.
"يا بني، السيدُ مرادَ رجلٌ شديدُ الذكاءِ، ولديهِ رؤيةٌ استراتيجيةٌ للأعمال. ربما ما تراهُ أنتَ مشاكلَ، هوَ مجردُ جزءٍ منْ خططِهِ الكبرى."
"لكنَّني لا أؤمنُ بأنَّ الربحَ يُبنى على الظلم، يا خالتي. وهذا ما يبدو لي أنَّهُ يحدث. هلْ أنتِ متأكدةٌ أنَّهُ لا يوجدُ أيُّ خطرٍ على أحمدَ منْ وراءِ هذهِ الصفقة؟"
هنا، شعرتْ السيدةُ أمينةُ بلسعةِ الخوفِ الحقيقي. كانَ أحمدُ هوَ نقطةَ ضعفِها. "أحمد؟ أحمدُ... هوَ ابني. سأحميهِ مهما كلفَ الأمر."
"وأنقذتِ العائلةَ منْ أزمةٍ كبرى بسببِ ما فعلتِهِ قبلَ عشرينَ عامًا. هذا ما قلتهُ لي في المرةِ السابقة. ما هوَ هذا الشيءُ الذي فعلتِهِ؟" سألَ خالدٌ، وعيناهُ تترقبانِ ردَّها.
صمتتْ السيدةُ أمينةُ. كانَ الماضي يُطاردُها، والآنَ، بدا أنَّ المستقبلَ يُحاصرُها. "لقدْ... لقدْ تمكنتُ منْ إيقافِ عمليةِ احتيالٍ كبرى كانَ السيدُ مرادُ متورطًا فيها. عمليةٌ كانتْ ستُدمرُ سمعتَهُ ومالَهُ، وتُلقي بأحمدَ في صراعٍ لمْ يكنْ مستعدًا لهُ. لقدْ... لقدْ اضطررتُ إلى التكتمِ على بعضِ الحقائقِ لِأجلِ حمايةِ أسرتي."
"احتيال؟ هلْ تتحدثينَ عنْ قضيةِ "الماسِ الأسود"؟"
ارتعشتْ السيدةُ أمينةُ. "كيفَ عرفتَ؟"
"لقدْ بحثتُ. بحثتُ عنْ كلِّ شيءٍ قدْ يُفسرُ هذا الترددَ وهذا الحزنَ الذي أراهُ في عينيكِ. والسيدُ مرادَ حينَها... كانَ في بدايةِ مسيرتِهِ، وكانَ على وشكِ أنْ يقعَ في فخٍّ كبير. وقلتِ لي إنَّكِ أنقذتِ العائلةَ. هلْ كانَ هذا هوَ الإنقاذ؟"
"نعم. لقدْ... لقدْ تلاعبتُ ببعضِ المعلومات، ووجهتُ الشبهاتِ إلى شخصٍ آخر، شخصٍ بريءٍ تمامًا. كانَ ذلكَ الشخصُ... هوَ شريكُ السيدِ مرادَ في تلكَ الصفقةِ المشبوهة."
اتسعتْ عينا خالد. "شريكُهُ؟ منْ هوَ؟"
"كانَ... كانَ رجلاً يُدعى "علي". كانَ صديقًا قديمًا للسيدِ مراد، لكنَّهُ استغلَّ طيبةَ قلبِهِ. لقدْ... لقدْ تسببتُ في سجنهِ ظلمًا. وكانَ ذلكَ هوَ الثمنُ الذي دفعتُهُ لِأحافظَ على سمعةِ زوجي وابني."
شعرَ خالدٌ بضيقٍ في صدرِهِ. هذا لمْ يكنْ مجردَ سوءِ فهمٍ، بلْ كانَ تضليلًا وتدميرًا لحياةِ إنسان. "وهلْ أطلقَ السيدُ مرادُ سراحَ "علي"؟"
"لا. لقدْ ماتَ في السجنِ قبلَ سنوات. ولمْ يعرفْ أحدٌ الحقيقةَ إلا أنا. وظنَّ الجميعُ أنَّهُ مجرمٌ حقيقيٌّ."
"وهذا هوَ السرُّ الذي تخفينه؟"
"نعم. وهذا هوَ السببُ الذي جعلني أخشى أنْ يتعمقَ أحمدُ في عملِ والدهِ. أخشى أنْ يكشفَ الحقيقةَ، وأنْ يُدمّرَ كلَّ شيء."
"لكنَّ الحقيقةَ لا يمكنُ أنْ تظلَّ مدفونةً إلى الأبد، يا خالتي. ويبدو أنَّ السيدَ مرادَ لمْ يتعلمْ منْ أخطائِهِ. هذهِ الصفقةُ الجديدة... قدْ تكونُ أكبرَ خطأٍ لهُ."
نظرتْ إليهِ السيدةُ أمينةُ بعينينِ دامعتين. "وماذا ستفعلُ أنتَ؟"
"سأفعلُ ما هوَ واجبٌ عليَّ. سأبحثُ عنْ الحقيقةِ، وسأُحاولُ أنْ أُصلحَ ما أفسدَهُ الزمنُ، وأنْ أُعيدَ الحقَّ إلى أصحابِهِ. حتى لو كانَ ذلكَ يعني مواجهةَ السيدِ مرادَ بشكلٍ مباشر."
في هذهِ اللحظة، شعرتْ ليلى بثقلِ ما يحدث. كانتْ تعتقدُ أنَّ مشاكلَها معَ أحمدَ تكفي، لكنَّها أدركتْ الآنَ أنَّ هناكَ صراعاتٍ أعمقَ وأكثرَ تعقيدًا تجري خلفَ الكواليس. صراعاتٌ قدْ تُهددُ كلَّ شيء.