حب الأوطان الجزء الثالث

أسرارٌ تتكشفُ وظلالٌ تتكاثف

بقلم مريم الحسن

كانَ الصمتُ هوَ اللغَةُ الوحيدةُ التي تتحدثُ بها جدرانُ قصرِ السيدِ مراد. صمتٌ ثقيلٌ، مُحمَّلٌ بتاريخٍ طويلٍ منَ الأسرارِ والمساومات. في تلكَ الليلة، حينَ كانَ القمرُ يسكبُ ضوءَهُ الفضيَّ على النوافذِ الكبيرة، كانَ أحمدُ يشعرُ بالضياعِ والوحدة. بعدَ لقائهِ معَ والدهِ، ازدادَ يقينهُ بأنَّ هناكَ شيئًا خاطئًا، شيئًا يتجاوزُ مجردَ الاختلافِ في وجهاتِ النظرِ التجارية.

جلسَ في مكتبِ والدهِ، المكانُ الذي طالما شعرَ فيهِ بالرهبةِ والاحترام، لكنَّهُ الآنَ أصبحَ مكانًا مليئًا بالأسئلةِ والشكوك. كانَ يتصفحُ بعضَ الأوراقِ التي تركها والدهُ عنْ قصدٍ، أوْ عنْ غيرِ قصد. أوراقٌ تتحدثُ عنْ تفاصيلَ صفقةٍ عقاريةٍ ضخمةٍ في منطقةٍ تاريخيةٍ منْ المدينة. صفقةٌ تتطلبُ إخلاءَ بعضِ المباني القديمة، وإعادةَ بناءِ المنطقةِ بالكامل. بدا الأمرُ كحلمٍ جميلٍ لمشروعٍ تنمويٍّ كبير، لكنَّ بعضَ الأسماءِ التي وردتْ في الأوراق، وبعضَ التحويلاتِ الماليةِ المشبوهة، بدأتْ تُثيرُ قلقهُ.

"لماذا كلُّ هذا العنفُ في التفاوض؟" تساءلَ بصوتٍ مسموع، موجِّهًا كلامَهُ للجدرانِ الصامتة. "لماذا الإصرارُ على شراءِ تلكَ الأراضي بأسعارٍ بخسةٍ منَ الملاكِ القدامى؟ أليسَ لديهمْ حقوقٌ؟"

تذكرَ حديثهُ معَ ليلى، وحديثَها معَ والدتِهِ. بدأتْ صورةُ والدهِ تتشوشُ في ذهنِهِ. هلْ أصبحَ رجلَ أعمالٍ لا يهتمُّ إلا بالمالِ والربح؟ أمْ أنَّ هناكَ قوةً خفيةً تُوجهُهُ؟

في تلكَ الليلة، قررَ أنْ يبحثَ عنْ جوابٍ، حتى لو كانَ الثمنُ باهظًا. بدأَ يتواصلُ معَ بعضِ الزملاءِ القدامى الذينَ عملوا معه في شركتِهِ السابقة، أولئكَ الذينَ قدْ يكونونَ على درايةٍ ببعضِ تفاصيلَ عملِ والده.

في جهةٍ أخرى منَ المدينة، كانتْ ليلى تشعرُ بقلقٍ متزايدٍ على أحمد. لمْ تسمعْ منهُ شيئًا منذُ لقائهما الأخير. كانَ صمتُهُ يُشبهُ الصمتَ الذي يسبقُ العاصفة. كانتْ تحاولُ التركيزَ على حياتِها، على عملِها في المكتبة، لكنَّ أفكارَها كانتْ تتجهُ دومًا نحو أحمدَ، ونحو الأسئلةِ الكبيرةِ التي تُحيطُ به.

جاءَها اتصالٌ منْ والدتِها، السيدةُ فاطمة. "ليلى، حبيبتي. كيفَ حالُكِ؟"

"بخيرٍ يا أمي. فقطْ أشعرُ ببعضِ القلقِ على أحمد."

"أنا أيضًا يا ابنتي. يبدو أنَّ لديهِ بعضَ المشاكلِ معَ والدهِ. أخشى أنْ يكونَ والدهُ يُجبرهُ على المشاركةِ في أمورٍ لا تُرضيه."

"هذا ما أشعرُ بهِ أيضًا يا أمي. لقدْ أخبرني بأنَّ هناكَ صفقةً عقاريةً كبيرةً يُخططُ لها، وأنَّهُ لا يستطيعُ الموافقةَ على بعضِ جوانبِها."

"اللهُ وحدهُ يعلمُ ما يدورُ في عقولِ الرجالِ يا ابنتي. لكنَّنا لا نملكُ سوى الدعاءِ. أدعُ اللهَ أنْ يُرشِدَ أحمدَ، وأنْ يُبقيَكِ بعيدًا عنْ أيِّ مكروه."

"شكرًا لكِ يا أمي. سأحاولُ الاتصالَ بأحمدَ مرةً أخرى."

كانتْ ليلى تعلمُ أنَّ الصدقَ والحلالَ هما الأساس، لكنَّها كانتْ تخشى أنْ تكونَ المشاكلُ أكبرَ منْ أنْ تُحلَّ ببساطة.

في غضونِ ذلك، كانَ خالدٌ قدْ بدأَ خطواتِهِ الأولى في كشفِ الأسرار. بالاعتمادِ على المعلوماتِ التي حصلَ عليها منَ السيدةِ أمينة، ومنْ بعضِ التحقيقاتِ السريةِ التي أجراها، بدأَ يُكوِّنُ صورةً أوضحَ عنْ طبيعةِ عملِ السيدِ مراد. اكتشفَ أنَّ الصفقةَ العقاريةَ التي يتحدثُ عنها أحمدُ ليستْ مجردَ صفقةٍ تجارية، بلْ هيَ جزءٌ منْ شبكةٍ أكبرِ منْ غسيلِ الأموالِ والتهريب، وأنَّ السيدَ مرادَ يستخدمُ نفوذهُ وسمعتَهُ لِتسهيلِ هذهِ العمليات.

التقى خالدٌ بـ "نواف"، محامٍ قديمٍ كانَ يعرفُهُ، رجلٌ ذو سمعةٍ طيبةٍ ويُعرفُ بنزاهتِهِ. "يا نواف، لديَّ استشارةٌ عاجلةٌ بخصوصِ قضيةٍ معقدة. إنَّها تتعلقُ بشخصٍ اتُهمَ زورًا في قضيةِ احتيالٍ قبلَ عشرينَ عامًا. هلْ تتذكرُ قضيةَ "الماسِ الأسود"؟"

"أتذكرُها جيدًا. كانَ هناكَ رجلٌ يُدعى "علي"، اتُهمَ بأنهُ العقلُ المدبرُ لعمليةِ احتيالٍ كبيرة. لكنَّ تفاصيلَ القضيةِ كانتْ غريبةً نوعًا ما. بدا أنَّ هناكَ أدلةً مُلفقة."

"وهلْ لديكَ أيُّ معلوماتٍ عنْ "علي"؟ ماذا حدثَ لهُ؟"

"لقدْ ماتَ في السجن. لكنَّني سمعتُ همساتٍ عنْ أنَّ هناكَ منْ ساهمَ في توريطِهِ. شخصٌ ذو نفوذٍ كبيرٍ استغلَّ سمعتَهُ لِتغطيةِ أفعالِهِ."

"وهذا الشخصُ هوَ السيدُ مراد. والآنَ، هوَ يُخططُ لعمليةٍ مشابهة، بلْ أكبر. الصفقةُ العقاريةُ الجديدةُ هيَ مجردُ غطاءٍ لِغسيلِ أموالٍ ضخمة."

"هذا أمرٌ خطيرٌ جدًا. هلْ لديكَ دليلٌ قاطع؟"

"لديَّ بعضُ الأدلة، لكني أحتاجُ إلى المزيد. وأعتقدُ أنَّ أحمدَ، ابنَ السيدِ مراد، بدأَ يشكُّ في الأمر. لكنَّهُ لا يملكُ المعلوماتِ الكافية."

"وماذا عنْ عائلةِ "علي"؟ هلْ لديهمْ أيُّ أبناءٍ أوْ ورثة؟"

"هذهِ نقطةٌ أحاولُ التحقيقَ فيها. إذا استطعنا أنْ نجدَ أيَّ دليلٍ منْ طرفِهم، أوْ أيَّ وثائقَ تركها "علي"، فقدْ يكونُ ذلكَ مفتاحَ حلِّ القضية."

بدأتْ خيوطُ المؤامرةِ تتكشفُ بشكلٍ أكثرَ وضوحًا. لمْ تكنْ مجردَ صفقةٍ تجاريةٍ فاشلة، بلْ كانتْ شبكةً إجراميةً تمتدُ لسنوات. كانَ السيدُ مرادُ يواصلُ تدميرَ حياةِ الناسِ والتمسكَ بملذاتِ الدنيا، بينما كانتْ عائلتُهُ، وابنُهُ، وليلى، كلهمْ عالقينَ في دوامةِ صراعاتِهِ.

في وقتٍ متأخرٍ منْ تلكَ الليلة، وصلَ إلى أحمدَ بريدٌ إلكترونيٌّ غامض. بريدٌ لمْ يكنْ يتوقعُهُ. لقدْ أرسلهُ لهُ أحدُ العاملينَ القدامى في الشركة، شخصٌ كانَ شاهدًا على بعضِ التجاوزاتِ. كانَ البريدُ الإلكترونيٌّ يحتوي على صورٍ ووثائقَ تُثبتُ تورطَ السيدِ مرادَ في صفقاتٍ مشبوهةٍ، وخاصةً تلكَ الصفقةَ العقاريةَ الكبرى. بدا واضحًا أنَّ والدهُ كانَ يُخططُ لِتدميرِ حياةِ الكثيرينَ لِأجلِ تحقيقِ مكاسبَ غيرَ مشروعة.

قرأَ أحمدُ الوثائقَ وقلبُهُ يكادُ يتوقف. لمْ يكنْ يتخيلُ أنَّ والدهُ قادرٌ على فعلِ كلِّ ذلك. بدأتْ صورةُ والدهِ تتهاوى تمامًا في عينيه. لمْ يعدْ مجردَ رجلِ أعمالٍ طموح، بلْ أصبحَ مجرمًا.

"كيفَ فعلتَ هذا يا أبي؟" همسَ لنفسِهِ، والدموعُ تتجمعُ في عينيه. "كيفَ استطعتَ أنْ تُدمّرَ حياةَ الأبرياءِ وتُدنسَ اسمَ عائلتنا؟"

كانَ يشعرُ بالمرارةِ والغضبِ والاشمئزاز. لمْ يعرفْ ماذا يفعلُ. هلْ يُواجهُ والدهُ مباشرةً؟ هلْ يُبلغُ السلطات؟ هلْ يتركُ الأمرَ؟

في تلكَ اللحظة، تذكرَ ليلى، وتذكرَ وعدهُ لها. وعدهُ بأنَّهُ سيبذلُ كلَّ ما في وسعهِ لِإثباتِ أنَّ الماضي لا يُحددُ المستقبل. ويبدو أنَّهُ الآنَ، يجبُ عليهِ أنْ يُكافحَ منْ أجلِ مستقبلٍ لا يُلوثهُ ماضي والدهِ.

شعرَ بأنَّهُ على وشكِ الانفجار. صراعاتُ الماضي، ووشوشاتُ المستقبل، كلها اجتمعتْ لتُشكلَ عاصفةً هوجاءً في روحه. وكانَ يعلمُ أنَّ عليهِ أنْ يتخذَ قرارًا حاسمًا، قرارًا سيُغيرُ حياتهُ وحياةَ كلِّ منْ حولهُ إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%