حب الأوطان الجزء الثالث
سرٌّ قديمٌ يكشف الستار
بقلم مريم الحسن
تلبدت السماء بغيومٍ رماديةٍ ثقيلة، تحاكي ثقل القلوب المتنازعة في مجلس آل الزهيري. كانت رائحة البخور التي تفوح من المبخرة النحاسية العتيقة، والتي لطالما جلبت الطمأنينة، تفوح اليوم برائحةٍ مشؤومة، تحمل همساً بأسرارٍ دفينة. جلست فاطمة، كريمة آل الزهيري، وفاطمة، ابنة عمها، تتبادلان نظراتٍ تحمل مزيجاً من القلق والتأهب. لم يكن لقاءً عادياً، بل كان أشبه بساحةٍ تُعد للمعركة، معركةٌ لا تُخاض بالسيوف، بل بكلماتٍ قد تشعل فتيل الفتن أو تطفئها.
كان الشيخ أحمد، كبير العائلة، قد دعا جميع أفرادها للاجتماع الطارئ. وجهه الذي اعتاد الابتسام، كان يعكس الآن جديةً وصرامةً لم تعهدها الأجيال الشابة. جلس على كرسيّه المعتاد، بينما استقر كلٌّ في مكانه، عيونهم مسلطةٌ عليه، تنتظر ما سيقول. بدأ بالكلام، صوته الهادئ، المعتاد في تلاوة القرآن، كان اليوم يحمل نبرةً قوية، تعكس حتمية اللحظة.
"يا أبنائي وبناتي، ويا أحفادي، لقد اجتمعنا اليوم لأمرٍ جلل، أمرٌ يتعلق بتاريخ هذه العائلة، بأصولها، وبمستقبلها. أمرٌ ظل مدفوناً لأجيال، واليوم، لا بد من كشفه."
تنهدت فاطمة، ابنة عمها، وجذبت يد ابنة عمها فاطمة، وكأنها تقول لها: "استعدي". كانت تعلم أن الحديث القادم سيغير مسار حياتها، وربما حياة كل من حولها.
واصل الشيخ أحمد: "لقد ورثنا عن أجدادنا هذه الأرض الطيبة، وهذا البيت العريق، ولكن معها ورثنا أيضاً عهداً، وعهداً ثقيلاً. عهدٌ قطعه جدنا الأكبر، السيد سليمان الزهيري، قبل أن يغادر هذه الديار بحثاً عن رزقٍ وفير، وبعد أن ترك خلفه زوجته الحامل، سارة."
توقفت الكلمات للحظة، أخذ الشيخ أحمد نفساً عميقاً، ثم أكمل: "لقد أوصى جدي، وهو في فراش المرض، بأن لا يتزوج أحدٌ من أبناء بناته، إلا إذا أثبت حسن سيرته وسلوكه، وقدرته على تحمل المسؤولية، وأن يكون من صلب هذه العائلة. والأهم من ذلك، أن يكون ابناً صالحاً، يستطيع الحفاظ على إرث العائلة، لا أن يستنزفه."
تتسع عيون الجميع، لم يكن هذا الكلام ضمن ما كانوا يتوقعونه. كانت قصص جدهم الأكبر، سليمان، دائماً ما تُروى كقصة نجاحٍ وبحثٍ عن مستقبلٍ أفضل. لكن هذه التفاصيل، هذه الوصية، لم يسمع بها أحدٌ من قبل.
"ولكن،" تابع الشيخ أحمد، بصوتٍ أثقل، "لم يقتصر الأمر على ذلك. لقد أخفت جدتي سارة، حفاظاً على سمعة العائلة، وعلى كيانها، ورغبةً في حماية أبنائها، وصيةً أخرى، وصيةً لم تعرفها إلا هي، وبعض الثقات الذين أقسموا على كتمان السر. وهي أن جدنا، السيد سليمان، لم يكن ابن عائلة الزهيري الوحيد. لقد كان له شقيقٌ توأم."
صدمةٌ عارمةٌ اجتاحت القاعة. توأم؟ شقيقٌ آخر؟ كيف لم يعلموا بهذا؟ نظرت فاطمة، كريمة آل الزهيري، إلى والدتها، التي بدت شاحبةً كالشبح، وعيناها تذرفان دمعاً بصمت.
"هذا الشقيق،" استمر الشيخ أحمد، "ذهب في طريقٍ مختلف. لم يلتزم بالقيم والمبادئ التي قامت عليها عائلتنا. لقد انغمس في الملذات، وأضاع ثروة العائلة التي تركها له والده، وتسبب في عارٍ كبير، دفع بجدنا الأكبر، سليمان، إلى إخفاء هويته، وإلى التبرؤ منه، خوفاً على سمعة العائلة. ورغم ذلك، فقد أمره ألا يمسّ بصلةٍ، وأن يُترك وشأنه، على أن لا يعود أبداً."
"لكن،" قال الشيخ أحمد، وعيناه تلمعان بحزن، "الأقدار لها مساراتٌ لا نحصيها. لقد عاد هذا الشقيق، أو بالأحرى، أبناؤه وأحفاده، يبحثون عن حقهم المزعوم في إرث العائلة. وقد أثبتت الوثائق، التي عثرنا عليها مؤخراً، أن هذا الشقيق لم يكن مجرد شقيقٍ عادي، بل كان له حقٌ أصيلٌ في هذه الأرض، وفي هذا الإرث، وإن كان هذا الحق قد تم سحبه منه بناءً على تصرفاته."
"السؤال الآن،" قال الشيخ أحمد، وهو ينظر إلى الحضور، "هل نقبل هؤلاء الأغراب، الذين لا نعرف عنهم شيئاً، ولا نعرف أصولهم، أن يكون لهم نصيبٌ في إرثنا، في عائلتنا؟ أم نتمسك بوصية جدنا، ونحافظ على نقاء عائلة الزهيري؟"
شعرت فاطمة، كريمة آل الزهيري، وكأن الأرض تميد بها. كل ما كانت تعتقده عن تاريخ عائلتها، عن أصولها، قد اهتزّ. لقد كانت دائماً فخورةً بانتمائها لعائلة الزهيري، بعراقتها، بقيمها. والآن، تكتشف أن هناك جانباً مظلماً، جانباً لم يُكشف عنه.
"وهنا تأتي نقطة الخطر،" قال الشيخ أحمد، مخاطباً فاطمة، كريمة آل الزهيري، وابن عمها، أحمد. "إن وصية جدنا، السيد سليمان، كانت واضحةً جداً. لا زواجٌ إلا بشروط. وقد تزوجتَ يا فاطمة، من رجلٍ من خارج العائلة، رجلٍ لا يحمل اسم الزهيري. وكذلك يا أحمد، تزوجتَ من امرأةٍ من خارج العائلة. وهذا يجعل علاقتكما، ومستقبل أبنائكما، في نظر جدنا، أمراً قد لا يكون مقبولاً."
أصيبت فاطمة، كريمة آل الزهيري، بصدمةٍ جديدة. كيف لهذا أن يكون؟ لقد ظنت أن زواجها من رجلٍ تحبه، وتقدره، ويدين بدينها، هو كافٍ. ولكن هذه الوصية، هذه التفاصيل التي خرجت للتو، ألقت بظلالٍ قاتمةٍ على مستقبلها.
"ولكن،" أضاف الشيخ أحمد، وعيناه تتجهان نحو عماد، والد فاطمة، "هناك تفصيلٌ آخر، تفصيلٌ قد يغير كل شيء. إذا استطعتُ، أو استطعتم، إثبات أن شقيق جدي الأكبر، والذي لم نسمع عنه أبداً، قد أضاع حقه عن طريق تصرفاته، وأن ابنه، الذي أتى بعده، لم يكن مستقيماً، وأن أحفاده الآن، لم يلتزموا بقيم العائلة، فإن ذلك قد يعطينا الحق في رفضهم، والتمسك بنقاء عائلتنا. ولكن، ما هو الأهم، هو أن جدنا، السيد سليمان، لم ينسَ أبداً عائلته، ولم ينسَ أبداً حبه لسارة. وقد ترك، ضمن وصيته، شيئاً آخر. شيئاً سيُكشف عنه في وقته."
تلاقت نظرات فاطمة، كريمة آل الزهيري، مع نظرات ابن عمها أحمد. كانا يقفان على حافة الهاوية، المستقبل أمامهما غامضٌ ومشوبٌ بالخطر. كانت الأسرار تتكشف، والتوتر يزداد، وكل كلمةٍ تُقال، كانت تلقي بظلالٍ أعمق على الماضي، وعلى المستقبل.
"وسأكشف لكم الآن،" قال الشيخ أحمد، وهو يخرج من جيبه وثيقةً قديمة، "عن الشقيق التوأم لجدي، السيد سليمان. اسمه، السيد سالم الزهيري. وقد ترك هو الآخر وصيةً، وجدناها في نفس الصندوق، تحتوي على تفاصيل، قد تكون مفتاحاً لحل هذا اللغز، أو لتعقيده أكثر."
نظر الجميع إلى الوثيقة، وهي بين يدي الشيخ أحمد، وكأنها تحمل مصيرهم. كانت هذه الليلة، هي الليلة التي بدأت فيها حقيقة آل الزهيري تتكشف، حقيقةٌ مؤلمةٌ، وحقيقيةٌ، تحمل في طياتها أسراراً، وربما، فرصاً للانبعاث من جديد.