حب الأوطان الجزء الثالث

وثائق الماضي ونداء الواجب

بقلم مريم الحسن

انقبض قلب فاطمة، كريمة آل الزهيري، وهي ترى يد جدها ترتجف وهي تمسك بالوثيقة القديمة. كانت غبار السنين قد غطت السطور، لكن خط اليد العريق، الذي يعرفه أحفاده، كان لا يزال واضحاً. تساءلت في سرها: هل هذه الوثيقة تحمل مفتاح الخلاص، أم أنها ستكون سبباً في المزيد من العذاب؟

بدأ الشيخ أحمد بقراءة الوثيقة بصوتٍ متهدج، وكأنه يقرأ اعترافاً مؤلماً. "بسم الله الرحمن الرحيم. هذه وصيتي، أنا سالم الزهيري، ابن الحاج مصطفى الزهيري، وشقيق سليمان. أقرّ وأعترف، بأنني قد أضعتُ ما أعطاني والدي من مالٍ، وغرّتني الدنيا، وغشّتني نفسي، فتجأتُ في طريقٍ لم يرضَ الله، ولم يرضَ والدي، ولم يرضَ أخي سليمان. وأعلمُ، وأيقنُ، بأنني قد خسرتُ نفسي، وخسرتُ إخوتي، وخسرتُ كل شيء."

صمت الشيخ أحمد للحظة، ثم تابع: "وبما أن أخي سليمان، أعدل مني، وأعلمُ بي، فقد أعطاني فرصةً أخرى، قبل أن يغادر، ووعدني بأن يعود، وأن يعاونني على استعادة ما فقدت. ولكنه، ولأسبابٍ يعلمها الله، لم يفعل. ولكنني، وإن كنتُ مخطئاً، فقد تركتُ ورائي ابناً، لم يكن له دخلٌ في ضلالي، اسمه، عادل. وأرجو من أخي سليمان، ومن ذريته من بعده، أن ينظروا إليه بعين الرحمة، وأن لا يحاسبوه بما جنيتُ أنا. وأن يعطوه ما يراه سليمان، أو ذريته، حقاً له. وأنا، بسلوكي، قد أضعتُ الحق الأصيل في كل ما تركه والدي، ولكني أتوسل، بأن لا يُحرم ابني من كل شيء."

انتهى الشيخ أحمد من القراءة، ولفّ الوثيقة بعناية، ووضعها جانباً. ساد صمتٌ ثقيلٌ القاعة. كانت كلمات سالم، شقيق سليمان، تحمل وزناً هائلاً. لقد اعترف بضلاله، وأقرّ بذنبه، وطلب الرحمة لابنه.

"ماذا يعني هذا يا جدي؟" سألت فاطمة، ابنة عمها، بصوتٍ مرتعش.

أجاب الشيخ أحمد: "يعني، يا ابنتي، أن جدنا سليمان، لم يترك وصيته تلك، إلا لأنه كان يعلم أن لشقيقه ابناً. وهذا الابن، هو عمّ لأبي. والده، عادل، هو ابن سالم. وقد ورث عن أبيه، ولكن تاريخه، وتاريخ عائلته، لم يكن كافياً للحصول على كامل الحق. ولكن، الوصية، تترك المجال لرأفة، ولتقدير."

التفت الشيخ أحمد إلى عماد، والد فاطمة. "يا عماد، هل سمعتَ شيئاً عن عادل، أو عن أبيه سالم؟"

تردد عماد قليلاً. "لقد سمعتُ، يا والدي، بعض الهمسات، وأنا صغير. كان جدي، الحاج مصطفى، يتحدث عن شقيقٍ له، سليمان، كان في رحلةٍ بعيدة، وعن أخٍ آخر، لم يكن موفقاً في حياته. ولكنه لم يكن هناك أي تفاصيل. لم أكن أعلم أنهم من عائلة الزهيري. ظننتُ أنها مجرد قصص."

"إذن،" قال الشيخ أحمد، بجديةٍ بالغة، "يبدو أن عائلة سالم، وأبناؤه من بعده، قد عاشوا خارج نطاق معرفتنا المباشرة. وقد يكون ابنه، عادل، هو الأب الذي تحدثنا عنه، الذي ظهر فجأةً، وادعى وجود علاقةٍ بالعائلة."

نظرت فاطمة، كريمة آل الزهيري، إلى والدتها، التي كانت تتابع الحديث بعيونٍ دامعة. تذكرت أمها، كيف كانت تتجنب الحديث عن أصولها، وكيف كانت تقول لها دائماً: "الأهم هو ما في قلبك، وليس ما في اسمك." هل كانت والدتها تعرف هذه الحقيقة؟ هل كانت تخفي هذا السرّ؟

"وهنا تكمن المشكلة،" تابع الشيخ أحمد. "لدينا الآن، قسمٌ من العائلة، تمسك بوصية سليمان، وحافظ على نقاء اسم الزهيري، وترك لنسله كل شيء. ولدينا قسمٌ آخر، ذريّة سالم، التي لم تعرف طريقها، ولم تلتزم بقيمنا. ورغم اعتراف سالم، ورغم إرادته، فقد تركت تصرفاته، وتصرفات ابنه، المجال للشك، وللنظر بعين الريبة."

"ولكن،" قال الشيخ أحمد، وهو ينظر إلى فاطمة، كريمة آل الزهيري، ثم إلى أحمد، ابن عمها، "وصية سليمان، لم تكن فقط حول الحقوق المالية. بل كانت حول الحفاظ على العائلة، وعلى القيم. وقد ذكرتُ سابقاً، أن هناك شيئاً آخر، سيُكشف عنه في وقته."

فتح الشيخ أحمد صندوقاً صغيراً، كان موضوعاً بجانبه. كان مغطىً بقماشٍ مزخرف، وبدا قديماً جداً. رفعه بحذر، ووضعه على الطاولة.

"هذه،" قال، "كانت هديةً من جدي، سليمان، لجدتي سارة، في يوم زواجهما. وقد أوصى بأن لا تُفتح إلا في يومٍ شديد الأهمية، يومٍ قد تتغير فيه مسار العائلة."

فتح الشيخ أحمد الصندوق، وبداخله، كانت هناك رسالةٌ أخرى، مغلفةٌ بورقٍ ثمين، وخاتمٌ فضيٌّ، يحمل شعار العائلة، ولكن بشكلٍ مختلف، يحمل رمزين متشابكين.

"هذه الرسالة،" قال الشيخ أحمد، وهو يمد الرسالة إلى فاطمة، كريمة آل الزهيري، "كتبها جدي سليمان، إلى جدتي سارة. وقد أوصى بأن تُقرأ، في حال ظهرت الحاجة، لتوضيح الأمور، وللحفاظ على حبٍّ أبديّ."

أخذت فاطمة، كريمة آل الزهيري، الرسالة، ويداها ترتجفان. نظرت إلى ابن عمها أحمد، ثم إلى والدتها، ثم إلى جدها. كان كل شيءٍ في هذه اللحظة، يحمل وزناً تاريخياً.

"يا فاطمة،" قال الشيخ أحمد، "اقرئيها بصوتٍ عالٍ. فهذه الرسالة، قد تكون مفتاحاً لفهم كل شيء."

تنفست فاطمة، كريمة آل الزهيري، بعمق، وفكت ختم الشمع. بدأت بقراءة الرسالة، بقلبٍ يخفق بشدة، وعينين ترقبان وجوه الحاضرين، وكأنها تبحث عن إجاباتٍ في أعينهم. كانت هذه اللحظة، لحظةً فاصلة، لحظةً قد تكشف عن خيوطٍ متشابكة، وتُعيد ترتيب أوراق الماضي، والمستقبل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%